شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: لعنُ آكِل الرِّبَا وَمُؤْكِلِهُ
- الإيمان أصْله الإيمان الذي في القلب ولابدّ فيه مِنْ شيئين: تصديقُ بالقلب وإقْرارُه ومَعرفته
- الشّريعة الإسلامية حلالها بيِّـن واضح وحَرامها بيِّن وفيها المشتبه الذي لا يعلمه إلا العلماء
عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ، وكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ»، وقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (3/1218-1219) وبوب عليه بمثل تبويب المنذري، في هذا الحديثِ يَرْوي جابر - رضي الله عنه -: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -َ «لَعنَ آكِلَ الرِّبَا»، واللَّعنُ: هو الدُّعاءُ بِالإبعادِ، والطَّردِ مِن رَحمةِ اللهِ -تعالى-، وأكل الرّبا مُحَرّم، سواءٌ استعمَلَه آخِذُ الرّبا في أكْلٍ أو لِباسٍ، أو فِراشٍ، أو مَسكنٍ، أو مَركوبٍ، أو غيرِ ذلِك، وإنْ لَمْ يَأكُلْ به، وإنَّما خُصَّ بِالأكلِ؛ لأنَّه أعظمُ أنْواعِ الانتفاعِ.
لَعن مُؤْكِله
وكذلك لَعَنَ مُؤْكِله، وهو مُعْطِي الرِّبا، وهو مَظلومٌ؛ لأنَّ آخِذَ الرِّبا ظالمٌ له، ومع ذلك كان مَلعوناً أيضاً على لِسانِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه أعانَه على الإثمِ والعُدوانِ، فسوَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - بيْن آكِلِ الرِّبا ومُؤكلِه؛ لأنَّه لا يَتوصَّلُ إلى أكْلِه إلَّا بمُعاونتِه ومُشاركتِه إيَّاه.- قوله: «وكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وقال: هُم سَواءٌ» ودخَلَ الكاتِبُ والشَّاهدانِ في اللَّعنِ أيضاً؛ لمَعونتِهم على هذه المعصيةِ ومُشاركتِهم فيها، فقامُوا على أمْرٍ فيه نفْسُ الحُرمةِ، وساعَدوا على إتْمامِه؛ فَهُم في الإثْمِ سواءٌ، وهذا الإثمُ يَلْحَقُ الكاتِبَ والشاهدَينِ إذا عَلِمَا بالرِّبا وقَصَدَاه، فأمَّا مَن كتَبَ أو شَهِدَ غيرَ عالمٍ فلا يَدخُلُ في الوَعيدِ
وكاتِبَه وشاهِدَيْه
وفي حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه سَألَ إبراهيمُ بنُ يَزيدَ شَيْخَه عَلْقمةَ بنَ قَيسٍ: هلْ في الحديثِ «وكاتِبَه وشاهِدَيْه»؟ يَسألُ عن الكاتِب الَّذي يَكتُبُ عَقْدَ الرِّبَا بيْن الآكلِ والمُؤكِلِ، والشَّاهدَينِ اللَّذينِ يَشهَدانِ على عَقْدِ الرِّبا، أي: أَلَعَنَهما النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَأجابَ أنَّه لا يُحدِّثُ إلَّا بما سَمِع، وأنَّه لم يَسمَعْ مِنِ ابنِ مَسعودٍ - رضي الله عنه - سِوى لَعْنِ آخِذِ الرِّبا ومُعطِيه؛ لكن قد ثبت ذلك في رواية جابر - رضي الله عنه - هاهنا، وقد أخرجها مسلم في الباب، بعد حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -.فوائد الحديث
- تحريم الرّبا والتّعاون عليه، بأي صُورة مِنَ الصّور.
- وفيه: أنَّ الأحكامَ الشَّرعيَّةَ لا تُطلَبُ إلَّا مِن الكتابِ أو السُّنَّةِ.
باب: أخذُ الحَلالِ البَيّن وتَرْك الشُّبُهات
عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رضي الله عنهما قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ- وأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ-: «إِنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ، وإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وهِيَ الْقَلْبُ». الحديث رواه مسلم في المساقاة (3/1219-1220) وبوب عليه بمثل تبويب المنذري.
حَديثٌ عظيمٌ عليه مدار الإسلام
وهذا الحديثُ الجليلُ، هو أحدُ الأحاديثِ الَّتي عليها مَدارُ الإسْلامِ؛ فهو حَديثٌ عظيمٌ، وأصْلٌ مِن أُصولِ الشَّريعةِ، وهو مِن جَوامعِ كَلِمِه - صلى الله عليه وسلم -َ، وقد حثَّ فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -َ على الورَعِ، وترْكِ المُتشابهاتِ في الدِّينِ.- قوله: «إِنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ، وإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ» أي: أنَّ الحَلالَ بيّنٌ ظاهرٌ واضحٌ، وهو كلُّ شَيءٍ لا يُوجدُ دَليلٌ على تَحْريمِه؛ مِنْ كتابٍ أو سُنَّةٍ، أو إجْماعٍ أو قياسٍ؛ وذلك لأنَّ الأصلَ في الأشياءِ الإباحةُ، وكذلك الحرامُ ظاهرٌ واضحٌ، وهو ما دلَّ دَليلٌ على تَحريمِه، سواءٌ كان هذا الدَّليلُ مِن الكِتابِ، أو مِن السُّنَّةِ، أو مِن الإجماعِ.
بيْن الحلالِ والحرامِ قِسم ثالث
- قوله: «وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ» أي: بيَّنَ أنَّ بيْن الحلالِ والحرامِ قِسماً ثالثاً، وهو المُشتبِهاتُ، وهي الأمُورُ الَّتي تكونُ غيرَ واضحةِ الحُكمِ مِنْ حيثُ الحِلُّ والحُرْمةُ، فلا يَعلَمُ الكثيرُ هل هي حَلالٌ أو حَرامٌ، ويَدخُلُ في ذلك جَميعُ الأُمُورِ المشكوكِ فيها؛ مِثل: المالِ المَشبوهِ، أو المَخلوطِ بالرِّبا، أو غيرِه مِن الأموالِ المُحرَّمةِ، أمَّا إنْ تأكَّدَ أنَّ هذا مِنْ عَينِ المالِ الرِّبويِّ، فإنَّه حَرامٌ صِرفٌ دونَ شكٍّ، ولا يُعَدُّ مِن المُشتبِهاتِ.
فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ
- قوله: «فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» فأوضَحَ - صلى الله عليه وسلم -َ أنَّ مَنْ اجتنَبَ المُشْتبِهاتِ، «فقدْ استبرأ» أي: طلَبَ البَراءةَ لنفْسِه، فيَسلَمُ له دِينُه مِنَ النَّقصِ، وعِرْضُه مِنَ القدْحِ والذِّمِّ والسُّمعةِ السَّيِّئةِ، أمَّا مَن وقَع في الشُّبهاتِ واجترَأَ عليها، فقد عرَّض نفْسَه للخطَرِ، وأوشَكَ على الوُقوعِ في الحَرَامِ.
كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى
- قوله: «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ» كراعٍ غنم ونحوه يَرعَى حولَ الحِمَى، والحِمَى هو: المكانُ الَّذي جَعَله الملِكُ لرَعْيِ مَواشِيه، وتوعَّدَ مَنْ يرعَى فيه بغيرِ إذنِه؛ بالعُقوبةِ الشَّديدةِ؛ فالرَّاعي حولَ الأرضِ الَّتي حَمَاها الملِكُ لنفْسِه، وجعَلَها خاصَّةً له؛ قد تَدخُلُ ماشيتُه في الحِمى بغير قصد أو انتباه، فيَستحِقُّ عُقوبةَ السُّلطانِ، وكذلك مَن يَتهاونُ بالشُّبهاتِ، فإنَّه على خَطَرٍ؛ لأنَّها ربَّما كانت حَراماً، فيقَعُ فيه، وأنَّه ربَّما تَساهَلَ في الشُّبهاتِ فأدَّى به ذلك إلى الاسْتِهتارِ واللَّامبالاةِ، فيَقَعُ بعد ذلك في الحَرامِ عمْداً؛ فإنَّ الشُّبهةَ تجُرُّ إلى الصَّغيرةِ، والصَّغيرةُ تجُرُّ إلى الكبيرةِ، نَسأَلُ اللهَ السَّلامةَ.
حِمَى اللهِ هي المَعاصي
ثمَّ قال - صلى الله عليه وسلم -َ: «ألَا وإنَّ لكلِّ ملِكٍ حِمىً، ألَا وإنَّ حِمى اللهِ مَحارمُه» أي: إنَّ حِمَى اللهِ هي المَعاصي الَّتي حرَّمها على عِبادِه، فمَن دخَلَ حِماهُ؛ بارتكابِ شَيءٍ مِنَ المعاصي والمحرّمات؛ فقد هلَكَ، ومَن قارَبَ الحمى بفِعلِ الشُّبهاتِ؛ كان على خطَرٍ.أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً
ثم ذَكَر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -َ كَلمةً جامعةً، لصَلاحِ حرَكاتِ بَني آدَمَ وفَسادِها، وهو قوله: «أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً» مضغة: أي قطعة لحم، قدر ما يمضغ في الفم، وهو أساسَ صلاحِ الجَسدِ كُلِّه، وأساسَ فسادِه، فكلّه مبنيٌّ على صلاحِ القَلْبِ وفَسادِه؛ فإذا صلَحَ القلبُ صلَحَت إرادتُه، وصلَحَت جَميعُ الجوارحِ، فلم تَنبعِثْ إلَّا إلى طاعةِ اللهِ، واجتنابِ سَخَطِه، فقَنِعَتْ بالحلالِ عن الحرامِ، وإذا فسَد القلبُ فسَدَت إرادتُه، ففسَدَتِ الجوارحُ كلُّها، وانبعثَتْ في مَعاصي اللهِ عزَّوجلَّ، وما فيه سَخَطُه، ولم تَقنَعْ بالحلالِ، بلْ أسرَعَتْ في الحرامِ بحسَبِ هَوى القلبِ، ومَيلِه عنِ الحقِّ.الإيمان أصله في القلب
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «فإنَّ الإيمانَ أصْله الإيمان الذي في القلب، ولابدّ فيه مِنْ شيئين: تصديقُ بالقلب، وإقْرارُه ومَعرفته، ويقال لهذا: قولُ القلب، قال الجنيد بن محمد: التوحيد: قولُ القلب، والتوكّل: عملُ القلب، فلابُد فيه منْ قولِ القلب، وعمله، ثمَّ قول البدن وعمله، ولابُدّ فيه منْ عمل القلب، مثل حبّ الله ورسوله، وخشية الله، وحبّ ما يُحبّه اللهُ ورسوله، وبغض ما يُبغضه الله ورسُوله، وإخلاص العمل لله وحْده، وتوكل القلب على الله وحْده، وغير ذلك مِنْ أعمالِ القلوب التي أوجبها الله ورسوله، وجعلها من الإيمان. ثمَّ القلبُ هو الأصْل، فإذا كان فيه معرفةٌ وإرادةٌ؛ سَرَى ذلك إلى البدن بالضرورة؛ فلا يُمكن أنْ يتخلّف البدنُ عمّا يُريده القلب؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإنّ في الجَسَد مُضغةً، إذا صلَحت صلَح الجسدُ كله، وإذا فَسَدت فَسدَ الجَسدُ كلّه، ألا وهي القلب». «مجموع الفتاوى» (7/ 186).من فوائد الحديث
- الشّريعة الإسلامية حلالها بيِّـن واضح، وحَرامها بيِّن، وفيها المشتبه الذي لا يعلمه إلا العلماء.
- على المسلم أنْ يبتعد عن مواطن الشُّبهات؛ طلباً لسلامة دِينه من الإثم، وعِرضه منَ الذم.
- إذا وقع الإنسان في الأمور المُشتبهة، هان عليه وسهل أنْ يقع في الأمور الواضحة.
- في الحديث دلالةٌ لمَن قال بقاعدة: سدّ الذّرائع إلى المُحرّمات، وتحريم الوسائل إليها.
- جواز ضَرب الأمثال، مِنْ أجل تبيين الأمر ليقرب فهمه.
- أكل الحلال يُنوّر القلب، فتصلح الجوارح، والعكس صحيح.
- التّنبيه على عظم قدر القلب، والحث على إصْلاحه؛ فإنّه مَلِكُ البدن، بصلاحه يصلح البدن، وبفساده يفسد.
لاتوجد تعليقات