رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
8 يونيو, 2026 0 تعليق

الهجرة .. إيمان وصبر وتمكين

تُعد الهجرة النبوية محطةً فارقةً في مسيرة الإسلام؛ فقد تحولت بها الدعوة من الاستضعاف إلى التمكين، ومن الابتلاء إلى البناء، ومن المحنة إلى المنحة، وقد جاءت الهجرة استجابةً لما واجهته الدعوة من معوقات وأذى في مكة، وثمرةً يانعةً لنصرة الأنصار -رضي الله عنهم- الذين فتحوا قلوبهم وديارهم لحمل رسالة الإسلام والدفاع عنها.

  • فمنذ أن صدع النبي -صلى الله عليه وسلم – بالدعوة إلى التوحيد، واجه وأصحابه ألوانًا من الأذى والاضطهاد من قريش التي خشيت على نفوذها ومصالحها، فثبتوا وصبروا امتثالًا لقوله -تعالى-: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}.

 

  • وقد بلغ الأذى بالمسلمين مبلغًا عظيمًا، كما فرضت قريش حصارًا اقتصاديا واجتماعيا على النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه وبني هاشم، في محاولة لخنق الدعوة والقضاء عليها، ومع كل هذا ظل النبي – صلى الله عليه وسلم – ثابتًا على دعوته، حريصًا على هداية قومه، ممتثلًا قول الله -تعالى-: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}.

 

  • ومن مظاهر رحمته – صلى الله عليه وسلم – بأصحابه أنه لم يتركهم يواجهون الاضطهاد وحدهم، بل سعى إلى إيجاد بيئة آمنة تحفظ لهم دينهم؛ ولذلك أذن لهم أولًا بالهجرة إلى الحبشة، وقال: «إن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد»؛ فكانت تلك الهجرة شاهدًا على حرصه – صلى الله عليه وسلم – على حماية المؤمنين ورعايتهم، ثم استمر في عرض الإسلام على القبائل في مواسم الحج، باحثًا عن أرضٍ تحتضن الدعوة وتحمي أهلها، حتى هيأ الله له رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

 

  • وفي مواسم الحج التقى النبي – صلى الله عليه وسلم – نفرًا من أهل يثرب، فشرح الله صدورهم للإسلام، ثم جاءت بيعة العقبة الأولى، تلتها بيعة العقبة الثانية التي كانت منعطفًا تاريخيا في مسيرة الدعوة، فقد تعهد الأنصار فيها بنصرة النبي – صلى الله عليه وسلم – والدفاع عنه، وقالوا له: «فما لنا إن نحن وفَّينا بذلك؟» فقال – صلى الله عليه وسلم -: «الجنة».

 

  • وقد سجل القرآن هذا الموقف العظيم فقال -سبحانه-: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.

 

  • بعد أن تهيأت أسباب النصرة، أذن النبي – صلى الله عليه وسلم – لأصحابه بالهجرة إلى المدينة، ثم هاجر هو – صلى الله عليه وسلم – بعد أن أحبط الله مؤامرة قريش لقتله، قال -تعالى-: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، وعندما وصل إلى المدينة بدأ عهد جديد في تاريخ الإسلام، فبنى المسجد، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وأرسى قواعد الدولة المسلمة التي انطلقت منها رسالة الإسلام إلى العالم.

 

  • وإذا كانت الهجرة قد قامت بعد توفيق الله على نصرة الأنصار، فإنَّ الدعوة إلى الله في كل عصر لا تزال بحاجة إلى رجال ونساء يحملون همَّها، ويبذلون في سبيلها أموالهم وجهودهم وأوقاتهم وخبراتهم؛ فالنصرة لا تقتصر على ميادين القتال، بل تشمل: نصرة العلم الشرعي، والدعوة، والتربية، والإعلام الهادف، وكفالة المحتاجين، ورعاية الأيتام، ودعم المشاريع الوقفية والخيرية.

 

  • فكم من مشروع دعوي أو تعليمي أو إغاثي أو وقفي قام -بعد توفيق الله- على أكتاف محسنين ومتبرعين ومتطوعين، أدركوا أن نصرة الدين لا تكون بالكلمات وحدها، بل بالبذل والعطاء والمشاركة الفاعلة.

 

  • وخلاصة الأمر.. أن الأنصار -رضي الله عنهم- لم يكونوا مجرد صفحة مشرقة في التاريخ؛ بل كانوا نموذجًا خالدًا لكل من نصر الدين وخدم الخير؛ فكل من أسهم في نشر العلم، ودعم الدعوة، وكفالة المحتاجين والأيتام، وبناء المساجد، ورعاية المشاريع النافعة، فقد نال نصيبًا من ميراث الأنصار، وأجرًا يمتد ما دام أثر ذلك الخير باقيًا بين الناس.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك