رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
13 أبريل, 2026 0 تعليق

القيم في مواجهة الأزمات

  • لا يمكن مواجهة الأزماتُ -مهما اشتدّت- بردود أفعالٍ متفرقة، أو انفعالاتٍ غير منضبطة، بل لابد من بناء منظومةٍ متكاملةٍ من القيم الراسخة تستمد جذورها من الأصول الشرعية، وتراعي في الوقت ذاته واقع الناس، مقدمة المصلحة العامة على المصالح الفردية.

 

  • في مقدمة هذه القيم تأتي وحدة الصف؛ فهي أصل عظيم دعا إليه القرآن الكريم في قوله -تعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}؛ إذ بها تتآلف القلوب قبل أن تتقارب المواقف، وتُسدّ منافذ الفرقة، وتُغلق أبواب الانقسام والتفرق، فيبقى البنيان متماسكا في وجه العواصف والأزمات؛ إذ التفرّق مبدأ  كل وهن، والاجتماع منبع كل قوة.

 

  • ويلي ذلك التعاون على البر والتقوى، الذي لا يقف عند حدود التنسيق الشكلي، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة تكاملية، تتضافر فيها الجهود لحفظ الدين، وصيانة المجتمع، ودفع الأخطار، تحقيقًا لقوله -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}، إنه تعاونٌ يصنع الأمن، ويؤسس للاستقرار، ويُنمّي روح المسؤولية المشتركة.

 

  • ومن رحم هذا التعاون تتجلّى قيمة التكافل والتضامن، التي صوّرها النبي -صلى الله عليه وسلم – أبلغ تصوير بقوله: «مَثَلُ المُؤمِنينَ في تَوادِّهم وتَراحُمِهم وتَعاطُفِهم مَثَلُ الجَسَدِ، إذا اشتَكى منه عُضوٌ تَداعى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى»؛ فآلام أي جزءٍ من الأمة لا ينفصل عن سائرها، والتحديات التي تضرب طرفًا منها سرعان ما تتردّد أصداؤها في الجميع، ما يجعل التكافل فريضةً شرعية، وضرورةً حضارية.

 

  • كما تبرز المسؤولية الجماعية، التي تنقل المجتمع من العشوائية إلى البناء المؤسسي، ومن ردود الأفعال إلى صناعة الفعل، في ضوء قوله -صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته»؛ فالمطلوب هو  المحافظة على الكيانات وحراستها بمن يدرك حق  الرعاية والأمانة  فهو حافِظُ مُؤْتمَنُ مُلتَزِمُ صَلاحَ ما هو تحت مسؤوليته؛ فإنْ وفَّى ما عليه مِن الرِّعايةِ حَصَلَ لَه الحَظُّ الأَوفَرُ والجَزاءُ الأَكبَرُ.

 

  • ولا يكتمل بناء الأوطان إلا بالصدق والأمانة: قال – صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بالصدقِ، فإنَّه يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنةِ»؛ فالأمة التي ينتشر فيها الصدق، تقوى روابطها، وتستقيم مسيرتها. وقال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (النساء:58) والأمانات كل ما اؤتُمنَ عليه الإنسان وأمر بالقيام به، فكل من اؤتمن أمانة وجب عليه حفظها.

 

  • وفي الأزمات يكون الصبر والثبات؛ فالأزمات محكٌّ للمعادن، ولا تُجتاز إلا بثباتٍ راسخ، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا}؛ فبالصبر تُحفظ المكتسبات، وتُدفع الانتكاسات.

 

  • خلاصة القول: إن الأوطان لا تصمد أمام الأزمات إلا حين تتجذر فيها قيم الوحدة، والتعاون، والتكافل، والمسؤولية والصدق، والصبر.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك