من ملامح الإصلاح في الإسلام
يتميّز الإسلام بأنه دين الإصلاح الشامل؛ ففيه إصلاح الإنسان والمجتمع، وبناء التوازن بين مطالب الروح وحاجات الجسد، وبين الفرد والجماعة، وبين الدنيا والآخرة، ولم يكن الإصلاح فيه موقوفًا على مجالٍ دون آخر؛ بل هو رؤية متكاملة تمتدّ إلى العقيدة والعمل، والأخلاق والتشريع، والتعليم والتربية، لتجعل الإصلاح مشروعًا دائمًا يعيد للحياة اتزانها، وللإنسان إنسانيته.
- الإصلاح بالعلم والتربية: لقد جعل الإسلامُ العلم أساس الإصلاح وركيزته الأولى؛ إذ بدأ الوحي بكلمةٍ تفتح طريق الوعي والهداية: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (العلق:1)؛ فبالعلم تُبنى العقول، وبسموّ القيم تُزكّى النفوس، ومن هنا جاء الاهتمام بإعداد الفرد علميا وتربويًا ليصبح لبنةً صالحة في بناء المجتمع، قادرًا على التمييز بين النافع والضار، والمصلحة والمفسدة؛ فالإصلاح الحق لا يقوم إلا على علمٍ يوجّه، وتربيةٍ تؤصّل، ووعيٍ يُرشد.
- الإصلاح بالقدوة الحسنة: القدوة الصالحة في المنهج الإسلامي ليست أسلوبًا ثانويا؛ بل وسيلة إصلاحٍ أصيلة، وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – القدوة العظمى في أقواله وأفعاله، إصلاحًا لنفسه ولمن حوله؛ فالكلمة تُقنع، والسلوك يُلهم؛ والإصلاح لا يثمر إلا إذا رآه الناس واقعًا حيًّا في سلوكيات الدعاة والمصلحين، ومن هنا كان أثر القدوة أعمق من الخُطب والكتب؛ لأنها تترجم المبادئ إلى واقعٍ معاش.
- الإصلاح بالقيم والأخلاق: فالأخلاق عمود الإصلاح وروحه، ولم يكتف الإسلام بتقويم العقيدة والعبادة؛ بل حرص على تهذيب السلوك وتزكية القلوب؛ لأن صلاح المجتمع يبدأ من صلاح الفرد، وقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»؛ فكل إصلاحٍ يغفل جانب القيم إنما هو بناء على رمالٍ متحركة، تزول بزوال المصالح.
- الإصلاح بالحكمة والموعظة الحسنة: وهذا منهج الإسلام في الإصلاح يقوم على الإقناع لا الإكراه، وعلى الرحمة لا الغلظة، وذلك مصداقًا لأمر الله -تعالى- نبيَّه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل:125)، فالمصلح الحقّ يرقّي النفوس لا يهاجمها، ويخاطب العقول بالمنطق والحكمة، لا بالتشدد والعنف، وهكذا يكون الإصلاح مفتاح القلوب، ويجعل التغيير مقبولًا مستقرًا، لا مفروضًا قسريًا.
- الإصلاح بالمشاركة المجتمعية: الإصلاح في التصور الإسلامي مسؤولية مشتركة، لا تنحصر في فردٍ أو نخبةٍ محدودة، بل هو جهد جماعيّ يشمل كل أبناء المجتمع، من خلال التعاون على البر والتقوى، وإحياء روح المسؤولية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، فكل فردٍ في الأمة لبنة في جدار الإصلاح؛ والعطاء الجماعي هو سرّ النهوض الحقيقي للأمم.
إن ملامح الإصلاح في الإسلام تؤكد أنه مشروع متكامل لا يجزّئ الإنسان، ولا يُغفل المجتمع، إنه يجمع بين العلم والإيمان، وبين التربية والسلوك، وبين الثبات على القيم والتفاعل مع المستجدات؛ وبذلك يبقى المنهج الإسلامي للإصلاح نموذجًا خالدًا، يبني الإنسان المتوازن، والمجتمع المتماسك، والأمة القادرة على حمل رسالة الخير في زمن التحديات.
لاتوجد تعليقات