من أرشيف الشيخ عبدالله السبت .. الإسلام ليس فكراً بل عقيدة
- الإسلام دينٌ وعقيدة مصدرهما الوحي وليس نتاجًا لعملية فكرية بشرية قابلة للصواب والخطأ والنقض والتبديل
- التساهل في إطلاق مصطلحات مثل (الفكر الإسلامي) و(الفكرة الإسلامية) خطر على الدين والعقيدة لما قد تحمله الألفاظ من دلالات تتجاوز مقصود مستخدمها
في هذه السلسلة نستعيد صفحات من أرشيف الشيخ عبدالله السبت-رحمه الله-، ونقف مع نماذج من مقالاته التي توثّق جانبًا من مسيرته الدعوية، ونستهل السلسلة بمقاله الأول: (الإسلام ليس فكرًا بل عقيدة)، الذي نشرته مجلة (البلاغ) في عددها (145)، بتاريخ: 12/3/1972م، وناقش فيه دقة استعمال مصطلح (الفكر الإسلامي)، مؤكدًا ضرورة ضبط الألفاظ والمفاهيم، ولا سيما ما يتصل منها بالعقيدة.
لقد نُشر مقال تحت عنوان: (الفكر القرآني بين الواقع والمصير)، والذي أثارني في هذا هو العنوان، ولا سيما لفظة (الفكر)، وكان ذلك ظنا بأن الأستاذ صاحب المقال لا يقصد المعنى المعروف للفظة (الفكر)، إلا أني فهمتُ في أثناء المقال أنه يقررها، وهذه بعض العبارات التي وردت في المقال توضح ما نقصد: قال: «لماذا الفكر الإسلامي دون سواه؟ لما كان الفكر الإسلامي حصيلة تراث صنعته رسالات نبوية؟ فقد وجب أن يكون هذا الفكر بعطائه السماوي.. اعترف بأن الفكر القرآني»، ويجدر بنا قبل مناقشة المقال أن نحدد معنى الفكر لغة.
معنى الفكر لغة
فالفكر كما هو في لسان العرب: (إعمال الخاطر في شيء)، وعادةً يُلجأ لعملية التفكير حين يصعب أمر من الأمور، وبالطبع يتفاوت الناس في هذا بحسب مستوياتهم، والمفكر هو الذي يحاول أن يُعمل خاطره؛ بغية الوصول لمعرفة حقيقة أمر ما؛ ولذا يلجأ لتطبيق قوانين الفكر عليها؛ علّه يصل إلى نتيجة، وحتى إن توصل إلى نتيجة ما فإنها تكون قابلة للنقض من المفكر نفسه إذا بدا له رأي آخر أو من غيره؛ ولذلك لا يُطلق على حقائق العلم بأنها أفكار؛ لأن التجارب أقامت الدليل على صحتها.
هل في القرآن فكر؟
وبعد هذه المقدمة نطرح هذا السؤال: هل في القرآن فكر؟ أو فيه أفكار؟ فإن كان الجواب بالنفي؛ فيكون عنوان المقال والعبارات خطأ، وهو خطأ في استعمال العبارات، أما إذا كان الجواب بالإثبات، فنقول: عندما نقول: إن القرآن (فكر) أو (الفكر القرآني) أو (الفكر الإسلامي)؛ فتدلنا هذه العبارات على الآتي:
بما أنها أفكار؛ إذاً يحق لنا تطبيق قوانين الفكر عليها، ومن ثمَّ ردها أو قبولها، ولا أعتقد أن أحداً من المسلمين يجيز لنفسه مثل هذا القول وهو قبول ما شاء أو رده من القرآن.
إننا عندما نقول: إن في القرآن أفكاراً يجرنا هذا القول إلى قول آخر رهيب من حيث معناه وله أبعاد عميقة في العقيدة، وهو أنه بما أن القرآن فيه أفكار؛ فلابد لهذه الأفكار من فكر، وبما أن القرآن من عند الله -سبحانه-؛ فإذاً يوصف الله -سبحانه- هنا بالتفكير! وهذه صفة نقص بالنسبة لعلام الغيوب، لا يحق لمسلم أن يصف بها الحق -سبحانه-؛ ولأن الصفات توقيفية فلا يجوز لنا أن نصف الحق -سبحانه- بصفة لم يَصِفْ نفسه بها، كما لا يجوز نفي صفة عنه.
ثم إن هذه الصفة إذا أُطلقت على الحق -سبحانه وتعالى- دلت على أنه لا يعلم حقائق الأمور؛ لذا فهو يحتاج للتفكير فيها، حتى يتوصل لنتائج قد تصيب وقد تخطئ، وهذا - لا شك - ضلال بعيد ويُنزه الحق -سبحانه- عن ذلك، وإني مع اعتقادي بأن الأستاذ كاتب المقال لا يقصد ذلك؛ إلا أن مدلول المسألة يجرنا لذلك، ولم يصف الحق -سبحانه- نفسه بهذه الصفة، فقد جاء ذكر (فكر) ومشتقاتها في القرآن الكريم (18) مرة كلها تحث البشر.
قول دخيل على المسلمين
وثمة أمر آخر له صلة بالموضوع، وهو أن هذه العبارة (الفكر الإسلامي) التي أصبحت - مع الأسف الشديد - كثيرة التداول بين الكتاب الإسلاميين المعاصرين وفي اعتقادي أن هذا القول دخل عليهم من غير المسلمين، فاستخدموه بحسن نية واستبدلوه بكلمة (العقيدة)، فأصبحنا نسمع كثيراً (الفكرة الإسلامية) بدلاً من (العقيدة الإسلامية)، و(الفكر الإسلامي) بدلاً من (الدين الإسلامي).
وكثيراً ما تستعمل هذه العبارات وتطلق مرادفة لفكر غير دين الإسلام، فيقال مثلاً: الفكر الماركسي.. الفكر الصهيوني.. الفكر.. ثم يقال في المواجهة الفكر الإسلامي! وشتان بين مصدر الدين الإسلامي والأفكار الأخرى، وهذا من مصائب عدم تحديد الألفاظ التي شاع أمرها في أوساطنا الإسلامية.
التشكيك في رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم -
والذي حملني على القول بأن هذه العبارة من نتاج غير المسلمين: هو أنهم - كما لا يخفى على أحد - هدفهم الأول هو التشكيك في رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم -؛ ولذا أطلقوا القول بأن هذا الشخص - أي محمد صلى الله عليه وسلم - إنما هو عبقري ومفكر فذ! والعجب أن كثيراً من المسلمين السُّذَّج ظنوا أن هذا مدح للرسول -صلى الله عليه وسلم -؛ ولذا صفقوا له كثيراً، ونشروه على أنه اعتراف من أعداء الحق، وليتهم فكروا حتى يجدوا أن الأمر أكبر من عقولهم، ثم بعد فترة ظهر قول آخر، إن هذا الرجل بما أنه عبقري وفذ؛ فلا يبعد عنه أن يأتي بمثل هذا الدين وهنا الطامة، وقولهم هذا مشهور يعرفه الجميع.
خطورة (إشاعة الفكرة الإسلامية)
وخطورة (إشاعة الفكرة الإسلامية) تكمن في أنه إذا شاع هذا، ودون في الكتب ومضى عليه الزمن؛ فإنه يعني اعترافاً منا بأن الإسلام فكر، وسيصبح بعد فترة من الزمن حجة علينا، وذلك أننا اعترفنا بأن محمدا -صلى الله عليه وسلم - مفكر، وهذا الدين فكر، وبعد أن يمضي وقت طويل ستكون هذه من الحقائق، فلا يمكن لنا إلا التسليم بأن الدين من نتاج الفكر!
نتيجة يريدها أعداء الحق
وهذه النتيجة هي التي يريدها لنا أعداء الحق -سبحانه-، ولكن حجتهم داحضة، وعلى ذلك يتضح لنا أن تسمية العقاد كتابه (عبقرية محمد) إنما هو خطأ لا يجوز، فمحمد -صلى الله عليه وسلم - ليس عبقرياً ولا مفكراً في دين الله كما هو معروف، وفي الوقت نفسه لا ننفي عنه التفكير والتدبر والذكاء والعبقرية في الأمور الدنيوية، أما إطلاق صفة المفكر أو العبقري عليه في تبليغ دين الله، فهذا مرفوض تماما؛ لأن الدين ليس من تفكيره ولا من عبقريته -صلى الله عليه وسلم - بل هو من عند الحق -سبحانه- والرسول -صلى الله عليه وسلم - مبلغ عن رب العزة {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} (النور:54) .
ولذلك إياك من قول: (الفكر الإسلامي)، أو (الفكرة الإسلامية)! وإنما قل دائماً: (الدين الإسلامي) و(العقيدة الإسلامية)، وأرجو ألا يُفهم من كلامي أني أحظر التفكير أو أنه ليس هناك مفكرون إسلاميون، وإنما أقصد إطلاق اسم الفكر على الدين أما المسلمون فهم مطالبون بالتفكير كما في صريح القرآن.
ووجه التحذير أن غير المسلمين يخططون لمئات السنين، وعندهم صبر عميق؛ لذا يجب التخطيط والتنبه لمدلول الألفاظ حتى لا نقع.
لاتوجد تعليقات