رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 6 يوليو، 2026 0 تعليق

الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي(الأخيرة) موقف الفقه الإسلامي من الامتيازات الدبلوماسية

  • أكد الفقه الإسلامي حرمة أموال المبعوث الدبلوماسي فإذا دخل دار الإسلام ثبت الأمان له ولمن معه ولما يحمله من أموال ومتاع
  • يقرر الفقه الإسلامي مبدأ إعفاء السفراء والرسل من العشور والضرائب التي تؤخذ على ما معهم من أموال ومتاع لا يريدون به التجارة
 

ما زلنا في استعراض البحث الموجز في أحكام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي، الذي تناول فيه مؤلفه الشيخ: د. وليد خالد الربيع (أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة جامعة الكويت) أهم ملامح هذا الجانب المهم من الدبلوماسية والعلاقات الدولية، مبيّنًا مواضع التلاقي والافتراق بينهما، ونتحدث في هذه الحلقة الحديث عن: موقف الفقه الإسلامي من الامتيازات الدبلوماسية.

لقد كان موقف الفقه الإسلامي من الامتيازات الدبلوماسية واضحا وجليا، ويمكن تحديد معالم هذا الموقف في الضوابط التالية:

أولاً: أموال المبعوث الدبلوماسي مصونة

        أكد الفقه الإسلامي حرمة أموال المبعوث الدبلوماسي، فإذا دخل الرسول أو السفير دار الإسلام ثبت الأمان له ولمن معه ولما معه من أموال وثياب وآلة ركوب وآلات استعماله الشخصية؛ لأن الأمان ثبت لهم في أنفسهم بوصفهم رسلا دون حاجة إلى عقد أمان جديد، وإذا ثبتت العصمة في النفس أصالة فإنها تثبت في المال تبعا؛ ولذلك لا يجوز أخذ أموال الرسل ولا اغتنامها ولا الاعتداء عليها. فإذا اشترط الأمان على الأموال نصا فعندئذ تتأكد صيانتها وحرمتها أيضا بالشرط، وإذا كانت أموالهم مصونة فإن المسلم إذا أتلف شيئا للسفير ضمنه له إذا كان مالا متقوما، وهو ما كان محرزا و يباح الانتفاع به شرعا، أما إذا أتلف له مالا غير متقوم كخمر أو خنزير فقد وقع خلاف بين الفقهاء في حكم الضمان في هذه الحال:
  • المذهب الأول: يضمن المسلم ما أتلفه من خمر وخنزير، وهو مذهب الحنفية والمالكية، ودليلهم؛ أن الخمر والخنزي، من الأموال المتقومة في حق غير المسلمين كالخل والشاة في حقنا فيجوز انتفاعهم بهما في حكم الشرع.
  • المذهب الثاني: لا يضمن المسلم ما أتلفه من خمر أو خنزير، وهو مذهب جمهور الفقهاء، ودليلهم: أن هذه الأشياء ليست بأموال متقومة في حق المسلم فلا ضمان على من أتلفها، وما لا يكون مضمونا في حق المسلم لا يكون مضمونا في حق غير المسلم.
وهو المذهب الأظهر؛ حيث إن من مسؤوليات المبعوث الدبلوماسي أن يحترم دين الدولة المعتمد لديها وقوانينها، ومن دين وأحكام الشريعة المطهرة حرمة الخمر والخنزير وعدم جواز اقتنائهما وعدم جواز إدخالهما بلاد المسلمين؛ فحيث خالف هذا المبدأ فلا ضمان على من أتلف خمرا أو خنزيرا مملوكين لمبعوث دبلوماسي.

ثانيًا: إعفاء المبعوث الدبلوماسي من الضرائب

       يقرر الفقه الإسلامي مبدأ إعفاء السفراء والرسل من العشور والضرائب التي تؤخذ من غير المسلمين على ما معهم من أموال ومتاع لا يريدون به التجارة، قال أبو يوسف: ولا يؤخذ من الرسول ولا من الذي أعطي أمانا العشر إلا ما كان معهما من متاع التجارة فأما غير ذلك من متاعهم فلا عشر فيه. وقال ابن قدامة: ولا يؤخذ منهم من غير مال التجارة، فلو مر بالعاشر منهم منتقل ومعه أمواله أو سائمة لم يؤخذ منه شيء نص عليه أحمد، وإن كانت للتجارة أخذ منه نصف العشر، ولا شك أن في هذا الحكم تخفيفا على المبعوث الدبلوماسي وتيسيرا له ليؤدي مهمته على الوجه الأكمل. ومع التأكيد على حرية المبعوث الدبلوماسي في إدخال ما يحتاج إليه من متاع لاستخدامه الشخصي أو لأغراض البعثة وإعفائه من الرسوم الجمركية والضرائب، إلا إنه ينبغي أن يراعي طبيعة الدولة الإسلامية وسيادة الشريعة الإسلامية على مجتمع المسلمين، فيحرص على عدم إدخال ما يتنافى مع عقيدة المسلمين وأخلاقهم ودينهم مما هو مباح في غير بلاد المسلمين؛ لأن مثل هذا التصرف يتعارض مع قانون الدولة الإسلامية ويكون من حقها منع إدخال مثل هذه الأشياء ومصادرتها، قال أبو يوسف: ولا ينبغي أن يبايع الرسول ولا الداخل معه بأمان بشيء من الخمر أو الخنزير أو الربا وما أشبه ذلك؛ لأن حكمه حكم الإسلام وأهله، ولا يحل أن يبايع في دار الإسلام ما حرم الله -تعالى-. وهذا ما أكدته  المادة (41) من اتفاقية فيينا ونصها: يجب على جميع المتمتعين بالامتيازات والحصانات مع عدم الإخلال بها، احترام قوانين الدولة المعتمد لديها وأنظمتها، ويجب عليهم كذلك عدم التدخل في شؤونها الداخلية.

ثالثًا: إعفاء المبعوث الدبلوماسي من الضرائب

       قرر الفقهاء-كما تقدم- أن الإعفاء من العشور والضرائب قاصر على الأموال غير المعدة للتجارة، أما إن كانت مرصدة للتجارة فإنها لا تعفى من العشور والضرائب، وذلك أن المبعوث لما دخل دار الإسلام صار ماله في حماية الدولة الإسلامية فأوجب ذلك حق استيفاء هذه الضريبة منه، ودليل مشروعية هذه الضريبة قضاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ حيث أمر بعض عماله بأن يأخذ من تجار أهل الحرب العشر، ومن تجار أهل الذمة نصف العشر ومن تجار المسلمين ربع العشر، وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينقل أنه أنكر عليه أحد. وينبغي أن يلاحظ هنا ما أشار إليه بعض الفقهاء وهو أن الضريبة التجارية لا تؤخذ إذا كان مال المستأمن الداخل إلى بلاد الإسلام أقل من مائتي درهم وهو نصاب الزكاة، كما قال ابن عابدين: الأصح عدم تعشير مالهم إذا لم يبلغ نصابا وإن أخذوا منا من مثله، لأن ما دون النصاب قليل، والأخذ من القليل ظلم ولا متابعة في الظلم، ومن مظاهر سمو الفقه الإسلامي ورقيه أن هذه الضريبة لا تؤخذ إلا مرة واحدة في السنة كما قال ابن قدامة معللا ذلك: أنه حق يؤخذ من التجارة فلا يؤخذ أكثر من مرة في السنة كالزكاة.

تقدير الضريبة

       ويستند تقدير الضريبة إلى مبدأ المعاملة بالمثل، ودليل ذلك ما روي أن عاشرا - أي جابي الضريبة- كتب إلى عمر - رضي الله عنه -: كم نأخذ من تجار أهل الحرب ؟ فقال: كم يأخذون منا ؟ فقال: هم يأخذون العشر، فقال: خذ منهم العشر، وروي عنه أنه قال لعشاره: خذوا منهم ما يأخذون منا، فإن أعياكم ذلك فخذوا منهم العشر. وعلى هذا لو أخذت الدول الأخرى من تجار المسلمين أقل من ذلك فإن على الدولة الإسلامية أن تأخذ مثل ذلك من تجارهم، أما لو كانوا يأخذون الكل من تجار المسلمين فإنا لا نأخذ منهم مثل ذلك؛ لأن أخذ الكل غدر بالأمان الذي منحناه لمن دخل بلاد الإسلام ولا يصح في ديننا الغدر، وإذا شرط الحربيون في أمان الرسل ألا يأخذ عاشر المسلمين منهم شيئا مطلقا ؛ فإن بعض الفقهاء يرى أن للمسلمين أن يشترطوا لهم ذلك وأن يوفوا لهم به إذا كانوا يعاملون رسلنا بمثل هذا. ويمكن للإمام أن لا يأخذ منهم شيئا إذا دخلوا في نقل بضاعة بالناس حاجة إليها وهو قول الشافعي والقاضي من الحنابلة لأن في رفع الضريبة عنهم تحقيق نفع ومصلحة للمسلمين كما روى الزهري عن عمر أنه كان يأخذ من النبط من القطنية العشر ومن الحنطة والزبيب نصف العشر ليكثر الحمل إلى المدينة وهذا يدل على أنه يخفف عنهم إذا رأى المصلحة فيه وله الترك إذا رأى فيه المصلحة.

رابعًا: خروج الدبلوماسي بمتاعه وماله

       عند رجوع المبعوث الدبلوماسي إلى بلاده فإنه لا يمنع من الخروج بمتاعه وماله غير السلاح وما أشبه ذلك مما يتقوى به أعداء الدولة الإسلامية، فإن اشترى شيئا من ذلك منع من إخراجه إذ قد يكون فيه ضرر على المسلمين بإفشاء أسرارهم العسكرية، قال الإمام مالك: كل ما هو قوة على أهل الإسلام مما يتقوون به في حروبهم من كراع أو سلاح مما يعلم أنه قوة في الحرب فإنهم لا يباعون ذلك. وقال أبو يوسف: ولا ينبغي للإمام أن يترك أحدا من أهل الحرب يدخل بأمان أو رسولا من ملكهم يخرج بشئ من الرقيق أو السلاح أو بشئ يكون قوة لهم على المسلمين، فأما الثياب والمتاع فهذا وما أشبهه لا يمنعون منه. ومن هنا يظهر لنا أن الفقه الإسلامي قد سبق القانون الدولي الحديث المتمثل في اتفاقية فيينا في تقريره ضوابط الامتيازات الدبلوماسية التي تمنح للرسل والسفراء والمبعوثين ومن معهم تيسيرا لهم ليقوموا بمهامهم خير قيام، وبتوازن دقيق يحافظ على سيادة الدولة الإسلامية ونفاذ أحكامها وقوانينها مع مراعاة طبيعة عمل المبعوث الدبلوماسي.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك