رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. ناظم المسباح 23 سبتمبر، 2026 0 تعليق

سلسلة الأخلاق الإسلامية .. العزم والعزيمة قوة القلب التي تحوِّل المعرفة إلى عمل(2-2)

  •  العزيمة ليست هِبة مُغلّقة يولد بها بعض الناس ويحرم منها آخرون بل خُلُق ينمو بالإيمان ويتقوى بالعمل
  •  الأمم مثل الأفراد لا تنهض بكثرة ما تعرف فحسب بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى مؤسسات وعادات ومنجزات

استكمالا لما بدأناه في العدد الماضي عن العزم والعزيمة؛ حيث ذكرنا أنَّ العزيمة خُلُق إيماني وسلوكي يجمع بين وضوح الغاية، وقوة القرار، ومباشرة السبب، والصبر حتى تمام العمل، وهي لا تعني أن يندفع المرء بلا بصيرة، ولا أن يتشبث برأيه بعد ظهور خطئه؛ فالعزيمة المحمودة هي العزيمة على الرشد، يقودها العلم، وتسبقها المشورة، ويصحبها التوكل، ويحرسها الصبر' ثم ذكرنا العزم في القرآن الكريم، والمنهج النبوي في صناعة العزيمة، ثم ذكرنا مجالات العزيمة وهي: العزيمة في العبادة، والعزيمة في التوبة، والعزيمة في طلب العلم، والعزيمة في الدعوة والإصلاح، والعزيمة في المسؤولية والقيادة

صفات صاحب العزيمة

  •  وضوح الغاية: يعرف لماذا يعمل، فيحسن ترتيب أولوياته ولا تسرقه التفاصيل عن مقصده.
  •  الصدق والإخلاص: لا يطلب مجرد الصورة أمام الناس، بل يريد وجه الله والنتيجة النافعة.
  •  المبادرة: لا ينتظر اكتمال الظروف؛ يبدأ بما يملك ثم يحسن ما بدأه.
  •  الصبر والثبات: يتحمل بطء النتائج، ويستفيد من العثرات بدل أن يستسلم لها.
  •  المرونة: يثبت على المبدأ، لكنه يغير الوسيلة إذا ظهر ما هو أصلح.
  •  الشجاعة: يواجه المسؤولية، ويقول الحق بعلم وعدل وأدب.
  •  المحاسبة: يراجع تقدمه، ويصحح تقصيره، ولا يخدع نفسه بالأماني.

      وبهذه الصفات تجتمع الهمة والعزيمة والثبات, فالهمة ترفع سقف الغاية، والعزيمة تطلق الحركة، والثبات يحفظها حتى تنضج الثمرة، قال ابن القيم رحمه الله: «الدين مداره على أصلين: العزم والثبات»؛ فمن عرف الخير ولم يعزم عليه بقي متأخرًا، ومن عزم ثم لم يثبت انقطع في منتصف الطريق.

موانع العزيمة العجز والكسل

     العاجز يتوقف لعدم القدرة، أما الكسول فيترك ما يقدر عليه تثاقلًا. وكثرة الاستجابة للكسل تصنع نفسًا تهرب من كل تكليف، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ بالله من العجز والكسل. وعلاجهما أن يصغر الإنسان نقطة البداية، ويحدد أول خطوة، ويؤديها قبل أن يفتح باب المساومة مع نفسه.

التسويف وطول الأمل

     «سوف» كلمة صغيرة تهدر أعمارًا كاملة؛ يؤجل بها المرء توبته، وعلمه، وصحته، ومشروعه، حتى تصبح الأعمال المتروكة أثقالًا نفسية تزيده عجزًا. والعلاج أن يحول النية إلى موعد، والموعد إلى فعل محدد، وأن يتذكر أن الفرص لا تبقى، وأن أنسب وقت للبداية هو أقرب وقت ممكن.

الخوف من الفشل ونظر الناس

     قد لا يخاف الإنسان من صعوبة العمل بقدر ما يخاف من نقد الناس أو ظهور نقصه. فيختار سلامة الصورة على شرف المحاولة. والمؤمن مطالب ببذل السبب، لا بضمان النتيجة؛ فإن نجح شكر، وإن أخفق تعلم، وفي الحالين يكون قد خرج من سجن الوهم إلى ميدان التجربة.

تشتت الغايات

     من أراد أن يبدأ كل شيء في وقت واحد غالبًا لا يُتم شيئًا؛ فكثرة الأهداف المفتوحة تستنزف الانتباه، وتمنح النفس شعورًا زائفًا بالحركة، والعلاج أن يختار الإنسان في كل مرحلة مقصدًا رئيسًا، ويجعل سائر أعماله خادمة له أو مؤجلة بوعي.

المعاصي والصحبة المثبّطة

     المعصية تضعف حياة القلب، وتثقل الطاعة، وتبدد التركيز؛ كما إن الصحبة الفاترة تزين التأجيل وتخفض سقف الطموح، قال -تعالى-: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (المطففين: 14)، ومن أراد قوة العزم فليحرس قلبه، وليصحب من يذكره إذا غفل، ويعينه إذا فتر، ويرفعه إلى معالي الأمور.

برنامج عملي لبناء العزيمة

  1. صحّح الوجهة: اختر غاية ترضي الله وتنفعك وتنفع الناس. ليست قيمة الهدف في ضخامته، بل في صدقه ونفعه واتصاله برسالتك.
  2. استخِر واستشِر: اجمع المعلومات، واستمع إلى أهل الخبرة، ثم استخِر الله؛ فإذا ظهر وجه الصواب فلا تعد فتح القرار كل يوم بلا سبب جديد.
  3. حوّل الغاية إلى فعل: لا تقل: أريد طلب العلم، بل حدد كتابًا ووقتًا ومقدارًا. ولا تقل: أريد إصلاح صحتي، بل حدد عادة قابلة للقياس تبدأ اليوم.
  4. ابدأ بأصغر خطوة نافعة: البداية الصغيرة تكسر رهبة المهمة، وتمنح النفس دليلًا عمليًا على قدرتها. والثبات على القليل خير من اندفاع كبير ينقطع.
  5. أغلق منافذ التراجع: أبعد الملهيات، واضبط البيئة، واربط العمل بوقت ثابت، وأخبر شخصًا موثوقًا يتابعك؛ فالإرادة تقوى بالنظام ولا ينبغي أن تُستنزف في القرار نفسه كل يوم.
  6. درّب نفسك على احتمال المشقة: خصص كل يوم عملًا نافعًا تؤديه ولو لم تكن تشتهيه النفس. بهذه المجاهدة تتكون ملكة الانضباط، قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنكبوت: 69).
  7. راجع ولا تجلد ذاتك: اسأل في نهاية الأسبوع: ماذا أنجزت؟ ما العائق الحقيقي؟ وما التعديل المطلوب؟ المحاسبة تصحح المسار، أما جلد الذات فيستهلك الطاقة من غير إصلاح.
  8. إذا تعثرت فاستأنف سريعًا: لا تجعل يومًا ضعيفًا يتحول إلى انقطاع طويل. قاعدة صاحب العزيمة: لا بأس أن أتعثر، لكن لا أختار البقاء حيث سقطت.
  9. أكثر من الدعاء: اسأل الله الثبات والعزيمة على الرشد، واستحضر أن القلوب بين يديه، وأن النجاح توفيق منه قبل أن يكون ثمرة تخطيطك.

العزم ليس قسوة على النفس

      من الأخطاء أن تُفهم العزيمة على أنها استنزاف دائم للنفس أو تجاهل لحاجتها إلى الراحة. الشرع يرفض الغلو كما يرفض الكسل؛ والنفس تحتاج إلى تدرج، والجسد له حق، والراحة المنظمة تعين على الاستمرار. العزيمة ليست أن تعمل بلا توقف، بل أن تحفظ اتجاهك، وأن تجعل راحتك جزءًا من الاستعداد لا بابًا للانقطاع، ومن الأخطاء كذلك تحويل العزم إلى عناد؛ فصاحب العزيمة يرجع إلى الحق إذا تبين له خطؤه، لأن غايته ليست إثبات ذاته بل إصابة الرشد. الثبات يكون على المبادئ، أما الوسائل والآراء البشرية فتخضع للمراجعة والتصحيح.

ثمرات العزيمة

  •  تقوية الصلة بالله؛ لأن العبد يجمع بين العمل والاستعانة والتوكل.
  •  الثبات على الطاعة ومقاومة دواعي المعصية والفتور.
  •  تحويل العلم من معلومات محفوظة إلى سلوك وأثر.
  •  رفع مستوى الطموح، وحسن استثمار الوقت والقدرات.
  •  اكتساب الشجاعة والمبادرة وتحمل المسؤولية.
  •  الصبر على البلاء، والقدرة على استئناف الطريق بعد الإخفاق.
  •  صناعة أفراد نافعين وأمّة لا تستسلم للوهن أو التبعية، والأمم، مثل الأفراد، لا تنهض بكثرة ما تعرف فحسب، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى مؤسسات وعادات ومنجزات، فإذا شاعت فيها الجدية، واحترام الوقت، وإتقان العمل، والصبر على المشروعات الطويلة، تحولت الطاقات المبعثرة إلى قوة حضارية، أما إذا استبدلت العمل بالشعارات، والمحاسبة بالتسويغ، والمبادرة بانتظار الآخرين، ضعفت وإن كثرت مواردها.

ابدأ ثم اثبت

      العزيمة ليست هبة مُغلّقة يولد بها بعض الناس ويحرم منها آخرون؛ بل خُلُق ينمو بالإيمان، ويتقوى بالعمل، ويترسخ بالتكرار، كل مرة تقاوم فيها التسويف، وتفي فيها بوعد قطعته لنفسك، وتنهض فيها بعد تعثر؛ فأنت تبني في داخلك إنسانًا أقوى، لا تحتقر البداية الصغيرة، ولا تجعل ضخامة الغاية سببًا للتراجع. انظر إلى ما ينفعك، واستعن بالله، وخذ أول خطوة، ثم التي تليها. وإذا وضحت لك الوجهة بعد الاستخارة والمشورة، فلا تترك التردد يستهلك عمرك: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحـِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(آل عمران:159)، واجعل لسان حالك: سأطلب ما ينفعني، وأبذل ما أستطيع، وأستمد قوتي من ربي، وأتعلم من عثرتي، وأمضي ما دام الطريق رشدًا؛ فالمعالي لا تُنال بالتمني، وإنما بعلم يبصر، وإيمان يحرك، وعزم يبدأ، وصبر يتمم المسير.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك