رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: أحمد قبلان العازمي 23 سبتمبر، 2026 0 تعليق

وقفات مع الحائية – الوقفة الثانية – القرآن كلام الله غير مَخلوق

  • منهج السلف قائم على إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل
  •  القرآن كلام الله تعالى منه بدأ وإليه يعود تكلم الله به حقيقة على الوجه اللائق بجلاله وهو غير مخلوق

سبق أن قرر الناظم في مطلع منظومته أصلًا عظيمًا من أصول الاعتقاد، وهو أن مصدر التلقي والاستدلال هو كتاب الله وسنة رسوله -[-، فقال:

             ودِنْ بِكتابِ اللهِ والسّننِ التي                    أتتْ عن رسـولِ الله تنجو وتربَح                   ُ

 وبعد هذا، انتقل إلى تطبيقه على جملة من مسائل الاعتقاد، ومن أهمها مسألة كلام الله -تعالى- والقول في القرآن، فقال:

                    وقــل غيرُ مخلــوقٍ كـلامُ مليكـنا                      بـذلك دان الأتقيـاءُ وأفصحـوا

                     ولا تكُ في القرآن بالوقف قائلًا                      كمـا قال أتباعٌ لجهمٍ وأسجحوا                         

                    ولا تــقــل القــرآنُ خلـــقٌ قرأتُــه                      فإن كــلامَ الله باللفــظ يوضــحُ

تتضمن هذه الأبيات تقرير عقيدة أهل السنة في القرآن العظيم، والرد على ثلاث مقالات منكرة ظهرت وهي: القول بخلق القرآن، والوقف فيه، ومسألة اللفظ بالقرآن.

نزل القرآن بلسان عربي مبين

     القرآن كلام الله -تعالى-، أنزله -سبحانه- بلسان عربي مبين، قال -تعالى-: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء)، تلقّاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل -عليه السلام-، وبلَّغه أصحابه، فقرؤوه وتدبروه وعملوا به، وفهموا خطاب الله على مقتضى اللسان العربي، ولم يُنقل عنهم أنهم جعلوا آيات الصفات ألغازًا أو طلاسم لا تدل ظواهرها على معانٍ مفهومة.

     ولهذا كان منهج السلف قائمًا على إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله -صلى الله عليه وسلم -، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ فصفات الخالق تليق بكماله وجلاله، ولا يلزم من الاشتراك في أصل الاسم أو المعنى تماثل الخالق والمخلوق.

بداية الانحراف في باب الصفات

      ظهرت بعد القرن الأول مقالات منحرفة في باب أسماء الله وصفاته، وكان من أشهر من ارتبط اسمه ببدايات هذا الانحراف الجعد بن درهم، ثم الجهم بن صفوان، ومن بعدهما طوائف من أهل الكلام، وكان من أصول هذا الاتجاه نفي عدد من صفات الله -تعالى- أو تأويل النصوص الواردة فيها بدعوى أن إثبات ظاهرها يفضي إلى التشبيه. وهذه الدعوى تخالف منهج الصحابة ومن تبعهم بإحسان؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، وقد فهموا منه إثبات الصفات لله -تعالى- على الوجه اللائق به، دون أن يفهموا منها مماثلة الله لخلقه.

      فالقول بأن إثبات الكلام لله يستلزم تشبيهه بالمخلوق غير صحيح؛ لأن كلام الله صفة تليق به -سبحانه-، وكلام المخلوق صفة تليق بالمخلوق، كما أن ذات الله لا تشبه ذوات خلقه، فكذلك صفاته لا تشبه صفاتهم، قال -تعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11).

آيات الصفات طريق إلى معرفة الله

     ليست آيات الصفات بابًا نظريًا مجردًا، وإنما هي من أعظم ما يزيد العبد معرفة بربه، ويقربه إليه، ويهذب عبادته وسلوكه، فحين يقرأ المؤمن قوله -تعالى-: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (المائدة: 54)، يعلم أن الله يحب من عباده من شاء، فيسعى إلى الأعمال التي تنال بها محبته، وحين يقرأ قوله -سبحانه-: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} (النساء: 93)، يدرك أن الله يغضب على من شاء من عباده بسبب معاصيهم، فيجتهد في اجتناب أسباب غضبه، وهكذا تتحول معرفة أسماء الله وصفاته إلى إيمان وخشية ومحبة ورجاء وعمل، لا إلى جدل كلامي مجرد.

معنى قول الناظم:

«وقل غير مخلوق كلام مليكنا»

       يقرر الناظم هنا عقيدة أهل السنة والجماعة: أن القرآن كلام الله غير مخلوق؛ لأن الكلام صفة من صفات الله -تعالى-، وصفاته -سبحانه- ليست مخلوقة، وقد دل القرآن على نسبة الكلام إلى الله صراحة، فقال -تعالى-: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} (التوبة: 6)، والمقصود به القرآن، وقال -سبحانه-: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} (النساء: 164)، وهذا من أوضح الأدلة على إثبات صفة الكلام لله عزوجل، وفي قصة موسى عليه السلام قال -تعالى-: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إإِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} (طه). فالمنادي هو الله -سبحانه-، والكلام كلامه -جل وعلا-.

الفرق بين صفات الله

 والأعيان المضافة إليه

      من المسائل التي تعين على فهم هذا الباب التفريق بين الصفة القائمة بالموصوف وبين العين المخلوقة المضافة إلى الله، فعندما يقال: ناقة الله أو بيت الله، فالناقة والكعبة أعيان مخلوقة قائمة بذاتها، وإضافتها إلى الله إضافة تشريف وتكريم، أما العلم والكلام والمحبة والغضب ونحوها، فهي صفات وليست أعيانًا مستقلة قائمة بذاتها؛ فإذا أضيفت إلى الله -تعالى- فهي صفاته -سبحانه- على الوجه اللائق بجلاله، ومن هنا يظهر الخطأ في قياس قولنا: «كلام الله» على قولنا: «بيت الله» أو «ناقة الله»؛ فالبابان مختلفان.

مِحنة القول بخلق القرآن

     تحولت مسألة خلق القرآن في العصر العباسي إلى فتنة عظيمة عُرفت في كتب التاريخ والعقيدة بـالمحنة، وذلك في عهد المأمون ثم المعتصم ثم الواثق؛ حيث امتُحن العلماء في هذه المسألة امتحانا عظيمًا، وكان من أشهر من ثبت فيها الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-، فتعرض للسجن والأذى والضرب، وظل متمسكًا بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، حتى رفع الله المحنة في عهد المتوكل، وقد أصبحت هذه المحنة شاهدًا تاريخيًا على خطورة أهل الكلام وقربهم من السلطان وتأثره بكلامهم الخالي من الدليل الشرعي.

«ولا تك في القرآن بالوقف قائلًا»

ثم انتقل الناظم إلى مسألة أخرى فقال:

ولا تكُ في القرآن بالوقف قائلًا

                                     كما قال أتباعٌ لجهمٍ وأسجحوا

     والمقصود بـالوقف أن يقول القائل: القرآن كلام الله، ولكني أتوقف فلا أقول: مخلوق ولا غير مخلوق، وقد اشتد إنكار أئمة السلف لهذه المقالة؛ لأن المسألة عندهم محسومة: القرآن كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته، وصفاته غير مخلوقة.

     فالوقوف في موضع ظهر فيه الحق قد يؤدي إلى تلبيس المسألة على الناس وإضعاف بيان الاعتقاد الصحيح؛ ولهذا لم يعدَّه السلف ورعًا محمودًا، بل أنكروا على من اتخذه سبيلًا لإحداث الشك في أصل واضح، والورع المحمود لا يعني التوقف عن بيان الحق بعد ظهوره، وإنما يكون في مواضع الاشتباه وعدم العلم؛ أما حيث قام الدليل واتضح سبيل أهل السنة، فالواجب بيان الحق.

مسألة «لفظي بالقرآن مخلوق»

ثم قال الناظم:

ولا تقل القرآنُ خلقٌ قرأتُه

                                فإن كلامَ الله باللفظ يوضحُ

     وهنا تأتي المسألة المعروفة عند العلماء بـمسألة اللفظ بالقرآن، وقد حذر السلف من إطلاق عبارة: «لفظي بالقرآن مخلوق»؛ لأنها عبارة مجملة محتملة. فإن كان المراد بـ«الملفوظ» القرآن نفسه؛ فالقرآن كلام الله غير مخلوق. وإن كان المراد حركة اللسان وصوت القارئ وفعله، فهذه من أفعال العباد وهي مخلوقة، ولهذا كان الأسلم ترك الألفاظ المجملة التي تحتمل حقًا وباطلًا، والتزام العبارة الواضحة التي جاءت عن أئمة السنة.

القرآن كلام الله غير مخلوق

      فلا يقال بإطلاق: «لفظي بالقرآن مخلوق»، ولا يقال بإطلاق: «لفظي بالقرآن غير مخلوق»؛ لأن لفظ الإنسان وقراءته يتضمنان فعل العبد المقروء بصوته، بينما القرآن الذي يتلوه هو كلام الله -تعالى-.

  •  الخلاصة: وضوح الاعتقاد وسلامة العبارة

       تجمع هذه الأبيات الثلاثة منهجًا مهمًا في أبواب الاعتقاد: الرجوع إلى الكتاب والسنة، وفهم النصوص على منهج الصحابة والسلف، وإثبات ما أثبته الله لنفسه من غير تمثيل ولا تعطيل، والابتعاد عن العبارات المجملة والمحدثة التي تفتح أبواب الالتباس والجدل؛ فالقرآن كلام الله -تعالى-، منه بدأ وإليه يعود، تكلم الله به حقيقة على الوجه اللائق بجلاله، وهو غير مخلوق، وما كان من صوت القارئ وحركة لسانه وفعله فهو من أفعال العباد المخلوقة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك