شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: البَيْع والرّهن
- الرّهن وسيلة لحفظ الحقوق وتوثيق الديون وقد ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع
- يكشف الحديث جانبًا عظيمًا من زهد النبي -صلى الله عليه وسلم - وتواضعه وكرمه فقد بلغ به البذل وعدم الادخار أن احتاج إلى رهن دِرعه من أجل الطعام
- الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله فاتخاذ وسائل الحماية والاحتياط من تمام التوكل المشروع
عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَاماً إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعاً لَهُ مِنْ حَدِيدٍ. الحديث رواه مسلم في المساقاة (3/1226) باب: الرّهن وجوازه في الحَضر والسّفر، ورواه البخاري في الرّهن (2509) باب: مَن رهنَ درعه.
- قولها: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَاماً إِلَى أَجَلٍ» وفي حديث أنس -رضي الله عنه - قال: «ولقد رَهَنَ النّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - دِرْعه بشَعير، ومشيتُ إلى النّبي -صلى الله عليه وسلم - بخبزِ شَعيرٍ وإهالةٍ سَنِخَةٍ، ولقد سمعته يقول: «ما أصْبَحَ لآل محمد -صلى الله عليه وسلم - إلا صاعٌ ولا أمْسى، وإنّهم لتِسْعة أبيات». رواه البخاري (3508)، أي: اشْتَرى -صلى الله عليه وسلم - مرَّة مِن يَهوديًّ شَعيراً بثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، ورَهَن عِندَه دِرعَه التي يَحْتمي بها في الحرْبِ مُقابِلَ ذلِك؛ لأنَّه لم يَبْقَ في بَيتِه أيُّ شَيءٍ مِنَ الطَّعامِ.
وسَمِع أنسٌ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «ما أَمْسى عِندَ آلِ مُحَمِّد صاعُ بُرٍّ، ولا صاعُ حَبٍّ»، أي: لم يَبْقَ عندَهم أيُّ شيءٍ مِنْ قَمْحٍ أو شَعيرٍ، وما قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم -
- قولَه: هذا تَضجُّراً أو شاكياً- حاشاهُ مِنْ ذلك- وإنَّما قالَه مُعتذِراً عن إجابةِ الدَّعوةِ على الطَّعامِ المُتواضعِ، ولرَهْنِه دِرْعَه عندَ اليَهوديِّ، ثمَّ قال أَنَسٌ -رضي الله عنه -: «وإنَّ عِندَه لَتِسعَ نِسوةٍ» أي: في حِينِ أنَّ لَدَيه تِسعَ زَوجاتٍ، هنَّ في أمَسِّ الحاجةِ إلى الغِذاءِ، ففيه إظهارٌ للسَّببِ في شِرائِه إلى أجَلٍ، ورَهْنِ الدِّرعِ، ولابن حبان: أن قيمة الطعام كانت ديناراً، وزاد أحمد من طريق في آخره: «فما وَجَد مَنْ يفتكها به حتى مات».

ورَهَنه دِرْعاً مِنْ حَديد
- قولها: «ورَهَنه دِرْعاً مِنْ حَديد» والرّهن: هو المالُ الذي يُجْعل وثيقة بالدَّين، ليَسْتوفي مِنْ ثمنه؛ إنْ تعذَّر استيفاؤه مِنَ الغَريم، وهو جائزٌ بالكتاب والسنة والإجْماع؛ قال الله -تعالى-: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} (البقرة: 283)، قال الحافظ: «وإنما قيَّده بالسّفر؛ لأنّه مظنةُ فَقْد الكاتبِ، فأخْرَجه مَخرج الغالب، فلا مفهومَ له، لدلالة الحديث على مَشروعيته في الحَضَر، وهو قول الجُمهور». فتح الباري: (5 /140).
من فوائد الحديث
- جوازُ مُعاملة الكفّار فيما لمْ يَتحقّق تحريمُ عَين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفسادِ مُعتقدهم ومُعاملاتهم فيما بينهم، واسْتُنبط منه: جواز مُعاملة مَنْ أكثرُ ماله حَرام، قاله الحافظ ابن حجر.
- ومعاملة الكفار وأهل الكتاب؛ ليست مِنَ الرُّكُون إليهم المَنْهيّ عنه، قال الصّنعاني: وهو معلوم منَ الدين ضرورة، فإنّه -صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أقاموا بمكة ثلاث عشرة سنة؛ يُعاملون المشركين، وأقام في المدينة عشراً يعامل هو وأصحابه أهل الكتاب وينزلون أسواقهم. انتهى.
- قال الحافظ: وفيه: جوازُ بيع السّلاح ورَهْنه وإجارته، وغير ذلك مِنَ الكافر، ما لمْ يَكن حربيّاً. انتهى. فليس في الحديث دليلٌ على جوازِ بَيعِ السّلاح على الكفّار، لأنّ الدّرعَ ليس مِنَ السلاح أولاً، ولأنّ الرّهن ليس بيعاً أيضاً، ولأنّ الذي رَهَن عنده النبي -صلى الله عليه وسلم - دِرْعه؛ في حِساب المُسْتأمنين الذين هم تحتَ حماية الدّولة المسلمة، فلا يُخْشَى منهم سَطْوة أو خِيانة، وإلا فإنّ إعانة الكفّار والأعداء بالأسلحة، مُحرّمة وخيانة كبرى.
- وفيه: ثُبُوت أملاك أهل الذّمة في أيديهم.
- وجوازُ شراء الطّعام وغيره بالثّمن المُؤجّل،؛ لأنّ الرّهن إنّما يُحتاج إليه حيثُ لا يتأتى الإقباض في الحال غالباً.
- وفيه: جواز اتخاذ الدُّرُوع والعُدَد، وغيرها مِنْ آلاتِ الحَرب، وأنّه غير قادحٍ في التوكل، وأنّ قُنْية آلة الحَرب، لا تدلّ على تحبيسها؛ قاله ابن المنير.
- وفيه: تسمية الشّعير بالطّعام، خلافاً لمن قصر التّسمية على الحِنْطة، فقد ثبت في بعض الطرق، أنّه عشرون أو ثلاثون صَاعاً من شعير.
- وأنّ أكثرَ قُوت ذلك العَصر: الشّعير، قاله الداودي.
- وأنّ القولَ قولُ المُرتَهن في قيمة المَرْهُون مع يمينه؛ حكاه ابن التيِّن.
- وفيه: ما كان عليه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - مِنَ التواضع، والزُّهد في الدنيا، والتقلّل منْها، مع قُدْرته عليها، والكرم الذي أفْضى به إلى عدم الادّخار، فقدْ كان يُنفِقُ كُلَّ ما أفاءَ اللهُ عليه مِن الأموالِ على الفُقراءِ والمُحتاجينَ وفي سَبيلِ اللهِ، حتى احتاج إلى رَهْن درعه.
- وفيه: الصّبر على ضِيق العيش، والقناعة باليسير، وفضيلة لأزواجه لصبرهنَّ معه على ذلك.
- قال العلماء: الحِكمة في عُدُوله -صلى الله عليه وسلم - عن مُعاملة مَياسير الصحابة إلى مُعاملة اليهود؛ إمّا لبيان الجواز، أو لأنّهم لمْ يكنْ عندهم إذْ ذاك طعام فاضل عن حاجة غيرهم، أو خشي أنّهم لا يأخذون منه ثمناً أو عوضاً، فلمْ يُرد التضييق عليهم، فإنّه لا يَبعد أنْ يكون فيهم إذْ ذاك مَنْ يقدِر على ذلك وأكثر منه، فلعله لم يُطلعهم على ذلك، وإنّما اطّلع عليه مَنْ لمْ يكنْ مُوسراً به ممّن نقل ذلك، والله أعلم. انتهى.
- وفيه: مُباشَرةُ الشَّريفِ والعَالِمِ شِراءَ الحَوائجِ بنَفسِه، وإنْ كانَ لَه مَن يَكفيهِ؛ لأنَّ جَميعَ الصحابة كانوا حَريصينَ على كِفايةِ أمرِ النبي -صلى الله عليه وسلم - وما يَحتاجُ إلى التَّصرُّف فيه، رغبةً منهم في رِضاه وطَلبِ الآخرةِ والثَّوابِ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ويجوز رَهنُ العبد المُسْلم من كافر، بشرط كونه في يد مسلم، واختاره طائفةٌ مِنْ أصحابنا، ويجوز أنْ يَرهن الإنسان مال نفسه على دين غيره، كما يجوز أن يضمنه وأولى، وهو نظير إعارته للمرهن، وإذا اختلفَ الرّاهن والمُرتهن في قَدْر الدين؛ فالقولُ قولُ المُرتهن، ما لمْ يَدّعِ أكثر مِنْ قيمة الرّهن، وهو مذهب مالك.
ولا ينفكُ شيءٌ مِنَ الرّهن حتّى يَقضِي جميعَ الدّين، وهو مذهب أحمد وغيره. وإذا لمْ يَكنْ للمَديون وفاء غير الرّهن؛ وَجَب على ربّ الدين إمهاله حتى يبيعه، فمتى لمْ يُمكن بيعه إلا بخروجه منَ الحَبْس، أو كان في بيعه وهو في الحَبْس ضررٌ عليه؛ وَجَب إخراجه، ويضمن عليه، أو يمشي معه هو أو وكيله.
وقال مالك: يلزمُ الرّهن بمُجرّد العَقْد قبل القبض؛ لأنّه عَقدٌ يلزم بالقبض، فلزِمَ قبله كالبيع، وهو رواية عن أحمد؛ لقول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (المائدة: 1)؛ قال الزجاج: أي العقود التي عقد الله عليكم، وعقدتم بعضكم على بعض، والله أعلم. «الاختيارات الفقهية» (1 /478).
لاتوجد تعليقات