رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أمير الحداد 16 سبتمبر، 2026 0 تعليق

الجنّة ونَعيمُها

- لا شك أن الله ذكر لنا من نعيم الجنة ما يجعل العاقل يعمل بجد؛ ليكون من أهلها، وفي الدنيا يشتاق لها؛ فذكر من أنهارها وأشجارها وقطوفها ولباسها ونسائها وأسرتها، قصورها، وتربتها، ورائحتها، وغرسها، ، وحصبائها، وفاكهتها، وأكلها، كأنما يراها أحدنا رأي العين؛ ليشتاق لها، ويعمل لأجلها، ويدعو الله أن يكون من أهلها!

- سمعت في المذياع قولًا لابن عباس يصف الجنة، لا أذكر تفصيله.

- دعني أبحث لك، عن قول ابن عباس في الجنة.

وبالفعل تناول (أبو أحمد) الهاتف وفي ثوان وجد ما يريد:

- اسمعوا ماذا وجدت يقول ابن عباس: «ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، وهي والله نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مَشيد، ونهر مطرد، وفاكهة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة. وعن صفة بنائها قال - صلى الله عليه وسلم -: «لبنة ذهب ولبنة فضة» عالية سليمة بهية، ملاطها المِسك الأذفر، وحصَباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتُربتها الزعفران».

كنت مع ثلاثة من رواد المسجد بين العشاءين، في مكتبة المسجد نتناول الرطب والمشروبات الباردة والساخنة التي أحضرها (أبو سالم).

تابع شيخنا حديثه:

- ولو أن أحدنا تدبر القرآن، وهو يقرؤه أو يسمعه سواء في الصلاة أو خارج الصلاة، لا يملك أمام هذا الوصف المشوق للجنة إلا أن يقول: «رب أدخلني الجنة، رب أدخلني الجنة..».

استدرك عليه  (أبو سالم):

- اسمح لي يا شيخ، سمعت حديثا أن من سأل الله الجنة سبعا أدخله الله الجنة.

- نعم، الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «ما استجار عبد من النار سبع مرات في يوم إلا قالت النار: يا رب إن عبدك فلانا قد استجارك مني فأجره، ولا يسأل الله عبد الجنة في يوم سبع مرات إلا قالت الجنة: يا رب إن عبدك فلانا سألني، فأدخله» (السلسلة الصحيحة)، وفي حديث آخر في صحيح الجامع عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «ما سأل رجل مسلم الله الجنة ثلاثا إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ولا استجار رجل مسلم الله من النار ثلاثا إلا قالت النار: اللهم أجره مني».

         ولنعد إلى سياق حديثنا، عن الجنة فهي دار الخلد، فنعيمها لا ينقص ولا يتغير ولا ينقطع، وهي دار السلام، وجنات عدن، وجنة المأوى، ودار المقامة، وهي درجات أدناها ربض الجنة، وأعلاها الفردوس، وأقل نعيمها عشرة أضعاف أعلى نعيم أهل الدنيا، ليس فيها من الدنيا إلا الأسماء، الرمان ليس الرمان، واللبن ليس اللبن، والحرير ليس الحرير، والخمر ليس الخمر، والعسل ليس العسل، هي أسماء عرفناها في الدنيا، ولكنها أكمل ما تكون في الأخرة: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة:25).

- وماذا عن الحُور العِين؟

- كنت أنتظر منك يا (أبا سالم) هذا السؤال!

- قالها شيخنا مبتسما، ذلك أن (أبا سالم) أعزب لم يتزوج مع أنه بلغ الخمسين!

- الحور العين، وصفهن الله -تعالى- في قوله: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْنَّهُ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}(الرحمن:56)، {كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} (الواقعة: 23)، «ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض، لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها» (البخاري)، وآخر من يدخل الجنة وقد كان يعذب في النار! وأقلهم درجة: «يدخل بيته في الجنة فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين فتقولان: الحمدلله الذي أحياك لنا وأحيانا لك، فيقول: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت» (مسلم) وهو أقل أهل الجنة!

«وفي الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلًا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون» (متفق عليه).

          والحُور العين يعرفون أزواجهم من الدنيا كما في الحديث: عن معاذ بن جبل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا، إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا» (صحيح الترمذي) ظهرت علامات السرور والاستحسان على وجوه جميع الحضور!

استدرك الشيخ:

- ولكن من كمال سعادة المؤمن في الجنة أن يجتمع وأهله وأبناؤه وآباؤه، قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (الطور:21).

        وقال -تعالى- عن دعاء الملائكة: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (غافر:8) ، وقال -تعالى-: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ} (الزخرف:٧٠)، وقال -تعالى-: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} (يس:٥٦)، ولا شك أن جمال الزوجة في الجنة يفوق جمال الحور العين، والرجل لا يرغب في غيرها إن كانت معه في الجنة، ولكل أحد قمة السعادة واللذة، وفي الحديث: «وما في الجنة أعزب» (مسلم)، لا رجل ولا امرأة، الكل يعيش مع أحب الناس إليه، والمرأة إن تزوجت بأكثر من رجل تكون لأحسنهم إليها، والعزباء تتزوج بمن تريد في الجنة، دون شحناء ولا بغضاء ولا عداوة؛ بل الكل في قمة السعادة والرضا.

- وهل هذا النعيم موجود الآن؟!

- بالتأكيد ألم تسمع حديث الحورية التي تدعو على من تؤذي زوجها؟! فكل هذا النعيم موجود الآن، وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عند دخول رمضان تفتح أبواب الجنة الثمانية فلا يغلق منها باب، بل تفتح أبواب الجنة كل اثنين وخميس!

        كما في حديث أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس؛ فيغفر الله -عز وجل- لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقول -عز وجل-: أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظِروا هذين حتى يصطلحا» (مسلم)، فالجنة موجودة الآن بكل نعيمها والمؤمن يدخل فيها لآخرته، كما في الحديث عن أم المؤمنين (أم حبيبة) -رضي الله عنها- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى في يوم وليلة اثنتى عشرة ركعة  تطوعا غير فريضة، بنى الله له بيتًا في الجنة» (مسلم)، وفي الحديث الآخر عن معاذ بن أنس الجهني - رضي الله عنه - قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ: قل هو الله أحد عشر مرات بني الله له قصرًا في الجنة» (صحيح الجامع).

         وفي الحديث الآخر عن جابر بن عبدالله قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة» (صحيح الترمذي).

فالعبد يسعى في الدنيا أن يكون له ملك في الجنة: قصر، بيت، نخل، بهذه الأعمال لعل الله بسببها يدخله الجنة ويجيره من النار.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك