خواطر الكلمة الطيبة .. جهود علماء أهل السُنَّة في مواجهة دعوات منكـري السُـنَّـة
- الكتاب والسُنَّة أصلان متلازمان في معرفة الإسلام وفهم أحكامه ولا يصح الفصل بينهما
- السُنَّة بيان للقرآن فهي تفسر مجُمله وتخصّص عامّه وتقيد مطلقه وتبين كيفية تطبيق أحكامه
- الاستغناء عن السُنَّة يؤدي إلى اضطراب فهم القرآن ويفتح الباب أمام التفسيرات الفردية والمنحرفة للنصوص
- تجربة الخوارج مثال مبكر لخطورة سوء فهم النصوص وتنزيلها بعيدًا عن فقه الصحابة ومنهجهم
- التشكيك في السُنَّة ظاهرة متجددة تتغير صورها من عصر إلى آخر وإن اختلفت دوافع أصحابها ومناهجهم
- علماء الحديث أقاموا منهجًا علميًا دقيقًا لحفظ السُنَّة وتمييز صحيحها من ضعيفها وهو من أبرز مظاهر حفظ الله لدينه
- كان لعلماء أهل السُنَّة والدعوة السلفية دور بارز في العصر الحديث في مواجهة دعوات إنكار السُنَّة والشبهات المثارة حول حجيتها
- الدفاع عن السُنَّة دفاع عن فهم الإسلام نفسه لأن جانبًا كبيرًا من تفاصيل العقيدة والعبادات والأحكام لا يمكن فهمه على وجهه الصحيح دون البيان النبوي
بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق، وأنزل عليه القرآن الكريم، وأوحى إليه السُنَّة النبوية المبينة له، وقد قال -صلى الله عليه وسلم -: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، ومن هنا كان منهج الإسلام قائمًا على أصلين عظيمين: كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم -؛ فلا يستغني أحدهما عن الآخر في فهم الدين واستنباط أحكامه. فالسُنَّة تبيّن مجمل القرآن، وتخصص عامه، وتقيد مطلقه، وتوضح أحكامه، قال -تعالى-: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44)؛ ولذلك فإن محاولة فهم القرآن بعيدًا عن السُنَّة تفتح باب الانحراف في فهم النصوص وتنزيلها على غير مراد الله -تعالى-.
تربية الصحابة على تعظيم السُنَّة
ربّى النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على تلقي الدين من الكتاب والسُنَّة، وعلى حفظ سنته ونقلها؛ فقال لعبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- حين كان يكتب ما يسمعه منه: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق»، وأشار إلى فيه -صلى الله عليه وسلم -.
وبعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم - حمل الصحابة هذه الأمانة؛ فحفظوا سنته، ونقلوها إلى من بعدهم، وربطوا بين النص القرآني وبيانه النبوي؛ فكان ذلك من أعظم أسباب سلامة الفهم واستقامة المنهج.
الخوارج وفهم القرآن بمعزل عن السُنَّة
من أبرز النماذج التاريخية التي تكشف خطورة الانحراف في فهم النصوص ظهور الخوارج؛ فقد عُرفوا بكثرة العبادة مع ضعف الفقه وسوء تنزيل النصوص على الوقائع، وقد ناظرهم عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- قبيل وقعة النهروان، ورد عليهم بالقرآن والسُنَّة وفهم الصحابة، فكشف الخلل في منهجهم، ورجع بسبب مناظرته عدد منهم.
ومن أخطر مسالك الخوارج أنهم كانوا يأخذون نصوصًا نزلت في الكفار فينزلونها على المسلمين، ولذلك قال ابن عمر -رضي الله عنهما- في وصفهم: «انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين»، وهنا تظهر أهمية السُنَّة وفهم السلف في ضبط دلالات النصوص ومنع الانحراف في تفسيرها وتنزيلها.

صور متجددة للطعن في السُنَّة
لم تتوقف محاولات التشكيك في السُنَّة عند عصر الخوارج. بل ظهرت عبر التاريخ في نماذج مختلفة؛ فمن الناس من دعا إلى الاكتفاء بالقرآن، ومنهم من رد أحاديث الآحاد أو قلل من حجيتها، ومنهم من قدّم العقل أو الذوق أو الكشف على النصوص الشرعية، وتختلف هذه الاتجاهات في منطلقاتها ودرجاتها، لكنها تلتقي عند نقطة خطيرة، وهي إضعاف مكانة السُنَّة في الاستدلال وفهم الدين.
وفي العصر الحديث تجددت الدعوات إلى ما يسمى بـ«القرآنية»، التي تزعم إمكان الاكتفاء بالقرآن والاستغناء عن السُنَّة، مع أن كثيرًا من تفاصيل الصلاة والزكاة والحج وغيرها إنما عُرفت من بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - وتطبيقه العملي.
جهود العلماء في حفظ السُنَّة
قيّض الله للسنة في كل عصر علماء يدافعون عنها، ويكشفون الشبهات المثارة حولها، ويضعون القواعد الدقيقة لقبول الأخبار وتمييز صحيحها من ضعيفها، وبرز في ذلك أئمة كبار، منهم الإمام مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن وغيرهم، فخدموا السُنَّة رواية ودراية، وأصّلوا حجيتها ومكانتها في التشريع، وكان للإمام الشافعي على وجه الخصوص إسهام بارز في تقرير حجية السُنَّة وبيان منزلتها من القرآن، ولا سيما في كتابه (الرسالة).
واستمر هذا الجهد في العصور المتأخرة والمعاصرة، فكتب العلماء في وجوب اتباع السُنَّة والرد على منكريها والمشككين في حجيتها، ومنهم الشيخ عبدالعزيز ابن باز والشيخ عبدالمحسن العباد وغيرهما من علماء السُنَّة.
علماء السُنَّة ومواجهة الشبهات المعاصرة
كان لعلماء الدعوة السلفية في العصر الحديث إسهام واضح في مواجهة الشبهات المتعلقة بحجية السُنَّة، ولا سيما ما أثير حول أحاديث الآحاد والاحتجاج بها في العقيدة والأحكام، وقد أكدوا أن الحديث الصحيح حجة يجب قبوله والعمل به وفق قواعد أهل الحديث وأصول الاستدلال، وأن تقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد لا يعني إسقاط حجية الحديث الصحيح لمجرد كونه آحادًا، وأسهمت هذه الجهود العلمية والدعوية في ترسيخ مكانة السُنَّة، وكشف كثير من الشبهات التي راجت في بعض المراحل، وربط الأجيال بمنهج السلف في تلقي النصوص وفهمها.
السُنَّة ضمانة لوحدة المنهج
إن قضية السُنَّة ليست مسألة علمية فرعية، بل تتصل بأصل فهم الإسلام؛ فالقرآن نفسه أمر بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال -تعالى-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: 7)، وقال سبحانه: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (النساء: 80)، ومن ثم فإن المحافظة على السُنَّة الصحيحة والرجوع إليها بفهم الصحابة والسلف الصالح تمثل صِمَام أمان يحفظ للأمة عقيدتها وعبادتها ومنهجها، ويحميها من التفسير المنفلت للنصوص والأهواء المتجددة، فالكتاب والسُنَّة ليسا طريقين منفصلين، وإنما هما أصلان متلازمان لهداية الأمة، وبقدر تمسك المسلمين بهما، وفهمهما على منهج السلف، تستقيم لهم بوصلة الطريق.
لاتوجد تعليقات