باختصار .. العلم المستدام
العلم بناء لا يكتمل دفعة واحدة، ولا يتحقق بكثرة القراءة وحدها، وإنما تُشَيّده الأيام لبنةً بعد لبنة؛ بالتدرج والمداومة والمراجعة، حتى يُثمر رسوخًا في الفهم، ونضجًا في النظر، ولذلك وجَّه الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى دوام الاستزادة منه فقال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه: 114).
ومن هنا تأتي حاجتنا إلى العلم المستدام؛ ذلك العلمٍ الذي يقوم على منهج متدرج ومتواصل، ويجعل التعلّم مشروعًا ممتدًا في حياة الإنسان، يبني فيه اللاحق على السابق، ويجمع بين التأصيل والمراجعة والعمل؛ حتى ينتقل بالمتعلم من المعرفة إلى الفهم، ومن الفهم إلى الرسوخ، ويظل له كل يوم نصيب متجدد من ميراث النبوة.
وتزداد الحاجة إلى هذا المنهج في زمن لم تعد فيه المشكلة ندرة المعلومات، بل كثرتها وتشتتها؛ فالمقاطع والمنشورات ومحركات البحث تضع بين أيدينا كمًّا هائلًا من المعرفة في لحظات، لكنها لا تصنع بالضرورة طالب علم راسخًا.
ومن هنا تتجلى قيمة المداومة التي أرشد إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدْومُها و إن قَلَّ»؛ فالعبرة ليست بضخامة البدايات، وإنما بحُسْن الطريق وبركة الاستمرار: صفحات قليلة تُقرأ بوعي كل يوم، وآية تُتَدبر، وحديث يُفهَم ويُراجَع، ومسألة تضبط، كل ذلك يصنع مع الأيام بناءً علميًا متينًا قد لا تصنعه بدايات حماسية سرعان ما يعقبها الفتور والانقطاع.
غير أن المداومة وحدها لا تكفي؛ فلابد معها من منهج صحيح يبدأ فيه طالب العلم بالأصول قبل الفروع، والمحكمات قبل دقائق المسائل، ويتدرج من المختصرات إلى المطولات، ويرجع إلى أهل العلم فيما يُشْكِلُ عليه، امتثالًا لقوله -تعالى-: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43)، وهكذا يكتمل البناء العلمي بأركان متكاملة: مداومة تحفظ الصلة بالعلم، ومنهج يقي من التشتت، وتلقٍّ يصحح الفهم، ومراجعة تثبّت العلم وترسّخه.
ومع استمرار هذا البناء تتكوّن الثمرة الأهم للعلم المستدام، وهي المَلَكة العلمية؛ فلا يبقى طالب العلم مجرد حافظ للمعلومات، بل يصبح قادرًا على الفهم والنظر، وجمع النصوص، والتمييز بين الأصول والفروع، والقطعي والظني، ومواضع الاتفاق والخلاف، وهنا يظهر الفرق بين من يجمع المعلومات ومن يبني منهجًا.
إن أمتنا في زمن المعرفة السريعة لا تحتاج إلى مزيد من المعلومات المتناثرة بقدر حاجتها إلى عقول راسخة، ومناهج منضبطة، وطلاب علم صنعتهم المداومة، وربَّاهم التدرج، وهذَّبهم العلم والعمل؛ فالعلم النافع هو الذي يهدي القلب، ويستقيم به العمل، ويمتد نفعه إلى الناس؛ قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} (محمد: 17).
لاتوجد تعليقات