باب: من أدرك مالَه بِعينِه عند مُفْلس
- مَن وجد مالَه بِعينه عند مُفلسٍ دون زيادة أو نقصان أو تغيير فهو أحقُّ باسترداده من سائر الغُرماء
- عُني الإسلام عنايةً بالغةً بحفظ أموال الناس وصيانتها من الضياع ووضع لذلك من الضوابط والأحكام ما يحفظ لكل إنسان حقَّه وماله
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ؛ فَوَجَدَ الرَّجُلُ عِنْدَهُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا»، أخرجه مسلم في المساقاة (2/1193) باب: من أدرك ما باعه عند المشتري، وقد أفلس، فله الرجوع فيه، وأخرجه البخاري في الاستقراض (2402) باب: إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة، فهو أحقُّ به.
- وقوله: «إذا أفلسَ الرّجل» أفلس الرجلُ في اللغة: صارَ ذا فلوس؛ بعد أنْ كان ذا دنانير، والمُفلس في عُرف العَرب: مَنْ لا مالَ له، عَيناً، ولا عَرَضاً، ولا غيره. ولذلك لمّا قال النّبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه -رضي الله عنهم-: «أتدْرُونَ مَنْ المُفلس؟ قالوا: فأجابوه بما هو المعروف عندهم، بقولهم: مَنْ لا درهمَ له، ولا متاع.
وهو في عُرف الشّرع: عبارة عن مديونٍ قَصُر ما بيده عنْ وَفَاء ما عليه من الدّيون، فطلبَ الغُرَماء أخذَ ما بيده، وإذا كان كذلك؛ فللحاكم أنْ يَحْجرَ عليه، ويمنعه مِنَ التّصرف فيما بيده، ويحصله ثمّ يَجمعُ الغُرَماء، فيقسمه عليهم، وهذا هو مذهب الجُمهور من الصحابة وغيرهم، كعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وعروة بن الزبير، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وقال النخعي والحسن البصري وأبو حنيفة: ليس للحاكم أنْ يَحجر عليه، ولا يمنعه من التصرف في ماله، لكنْ يحبسه ليُوفي ما عليه، وهو يبيع ما عنده. والحديث الحُجة للجمهور على هؤلاء.
إذا أفلس مشتري السلعة
اختلف العلماء في مُشتري السّلعة: إذا أفلسَ أو ماتَ، ولا وفاءَ عنده بثمنها، ووُجِدت عنده. فقال الشافعي: صاحبها أحقُّ بها في الفلس والموت. وقال أبو حنيفة: صاحبها أسْوة الغُرَماء فيها. وقال مالك: هو أحق بها في الفلس، دون الموت.
وسبب الخلاف: معارضة الأصل الكلي للأحاديث، وذلك: أنّ الأصل أنّ الدّين في ذمّة المفلس والميت، وما بأيديهما؛ محل للوفاء، فيشترك جميعُ الغرماء فيه، بقَدْر رُؤُوس أموالهم، ولا فرق في هذا مِنْ أن تكون أعيانُ السّلع موجودة، أو لا؛ إذْ قد خرجت عن مِلْك بائعها، ووجبت أثمانها لهم في الذّمة بالإجماع، فلا يكون لهم إلا أثمانها إنْ وجدت، أو ما وجد منها، فتمسّك أبو حنيفة بهذا، وردّ الأخبار؛ بناء على أصله في رد أخبار الآحاد عند معارضة القياس، وأمّا الشافعي ومالك: فتمسّكا بالأخبار الواردة في الباب، وخصّصا بها تلك القاعدة.
وأما مالك: فإنه فرق بين الفلس والموت، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «أيُّما رجُلٍ باع متاعاً، فأفلَس الَّذي ابتاعه ولم يقبِضِ الَّذي باعه مِن ثَمَنِه شيئاً، فوجَد متاعَه بعينِه، فهو أحَقُّ به، وإنْ مات المُشتري؛ فصاحبُ المتاعِ أُسوةُ الغُرَماءِ». وزاد في روايةٍ: «وإن كان قد قضى مِن ثَمَنِها شيئاً؛ فهو أُسوةُ الغُرَماءِ فيها». أخرجه أبو داود (3520)، ومالك (2497)، والبيهقي (11365). وهو الصحيح.
قال أبو العباس القرطبي: «وقد تعسّف بعض الحنفيّة في تأويل أحاديث الإفلاس؛ تأويلات لا تقوم على أساس؟ ولا تتمشّى على لُغة، ولا قياس؟ فلنضربْ عن ذِكْرها، لوضُوح فسادها». انتهى. «المفهم».

صور تغير السلعة
- وقوله: «فَوَجَدَ الرَّجُلُ عِنْدَهُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا» مقتضى الحديث: أنّه لو وجدها قد تغيّرت عن حالها، أو وَجَد بعضَها؛ لمْ يكنْ له أنْ يأخذها، وهذا ظاهر، لكنْ العلماء فصّلوا التغير إلى ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: تغير انتقال، كالثّوب المُتغيّر بقَطْعه قُمُصاً أو غيرها، وكالحنطة المتغيرة بخلطِ مُسوّس بها، أو بغير نوعها، أو بطحنها، أو خبزها. وكالخشبة المتغيرة بجعلها بابا، أو غيره، فهذا النوع مفوت، ليس له الرجوع معه.
- النوع الثاني: تغير غير انتقال، كالمُتغيّر بالمَرَض اليسير، وكخلط القمح بمثله. فهذا له الرجوع فيه؛ إذْ لا أثر لذلك التغير. ومن هذا النوع وجدان بعض السلعة، فله أنْ يأخذها، ويضرب معهم بسهمه فيما بقي.
- النوع الثالث: تغيّر بإضافة غير السلعة إليها، كالأرض تُبْنى، والغَزل يُنْسج، فهذا يرجع في سلعته، ويدفع قيمة البناء، والنسج، وله مشاركة الغرماء في تلك القيمة؛ إنْ بقي له مِنْ دَينه شيء.
جميع الدَّين داخلٌ في المحاصّة
قال القرطبي: «وما تقدم مِنَ الأحاديث في المُفْلس، تدلُّ على أن جميع ما عليه من الدَّين يدخل في المحاصّة، ما حلّ منها، وما لمْ يحل، وهو قول الجمهور، خلا أنّ الشافعي قال في أحد قوليه: لا يحلُّ عليه مِنْ دينٍ مؤجل، وهذا ليس بصحيح للأحاديث المتقدمة؛ ولأنّه إذا خربت ذمّة المُفْلس، فقد لا تنعمر، فلا يحصل لمنْ تأخّر دينه شيء؛ مع أنّه يُمكنُ أنْ يكونَ عوض دينه موجوداً حال الفلس، أو بدله، فيُؤخذ شيئه ولا يحصل له شيء، وإذا كان ذلك في الفلس كان الموت بذلك أولى، وهو متفقٌ عليه، إلا ما يُحكى عن الحسن أنه قال: لا يحلّ ما على الميت من دينٍ مُؤجّل. وهو محجوج بما تقدم؛ وبأنّ الدّينَ إمّا أنْ يَبقى متعلقاً بذمّة الميت، وهو محال، لذهابها، أو بذمّة الورثة، وهو محال لعدم الموجب، ثمّ لا يلزم صاحب الدّين اتّباع ذمّتهم، وتسليم التركة إليهم، أو يبقى هذا الدّين ليس في ذمة؛ فلا يُطالب به أحد، وهو محال، فلمْ يبق إلا ما ذكرناه، والله -تعالى- أعلم». (المفهم).
من فوائد الحديث
- في هذا الحديثِ يَضبِطُ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَعامُلَ صاحبِ الدَّينِ إذا وَجَدَ دَينَه عندَ غَريمِه المُفلِسِ.
- وأنَّ مَن وَجَدَ مالَه بِعَينِه دونَ زِيادةٍ، أو نُقصانٍ، أو تَغييرٍ عندَ إنسانٍ مُفلِسٍ، لا تَتَّسِعُ أموالُه لِسَدادِ دُيونِه؛ فإنَّه أحقُّ باستردادِ مالِه مِن بَقيَّةِ الغُرَماءِ.
- وفي الحديث: اهتمام الإسلامُ اهتماماً بالغاً بحِفظِ أموالِ النَّاسِ، والحرَصَ على عدَمِ ضَياعِها؛ ولذا وضَعَ ضَوابطَ وحَدَّ حُدوداً تَحفَظُ لكلِّ إنسانٍ مالَه.
لاتوجد تعليقات