رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 11 أغسطس، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: مَنْ اسْتَلَفَ شيئاً فقَضَى خَيراً منْه، وخَيْركُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً

  • على المُقترِض  اسْتحضارُ نيّة الأدَاء عند الأخْذ والعَزم على ذلك والمُسارعة بتسديد الدَّين وعدم تأخير السّدَاد عند القُدرة على القَضَاء
  • السيرةُ النّبويّة فيها كثير مِنَ المواقف الدالة على حِلْمه وعَفْوه - صلى الله عليه وسلم - الذي شَمل المُسْلم والكافر والصّديقَ والعدو
  • مِنْ آداب الدّائن المُقْرِض أنْ يكون حَسَن الطّلب إذا جاءَ وقتُ سدادِ دَيْنِه فيَطلب ماله وحقّه بأدَب وبأحسنِ طريقة وألطفِ عبارة
 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- حَقٌّ؛ فَأَغْلَظَ لَهُ؛ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا»، فَقَالَ لَهُمْ: «اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا؛ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ» فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّا سِنّاً هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: «فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ؛ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَوْ خَيْرَكُمْ، أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً»؛ الحديث رواه مسلم في المساقاة (3/1224) وبوّب عليه بمثل تبويب المنذري.

        في هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو هُريرةَ - رضي الله عنه - أنَّ رجُلًا كانَ لَه عَلى رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - دَيْنٌ، فَجاء إلى رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَطلُبُ منه قَضاءَ الدَّينِ، وأساءَ في طَلَبِه مِنَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بأنْ غلَّظَ وشدَّدَ في المُطالَبةِ، «فَهَمَّ بِه أصْحابُ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - و-رَضيَ اللهُ عنهم-»، أي: أرادُوا به شرّاً وإيذاءً، إمّا بالقوِل أو بالفعلِ، أو بأخذه لِيُقام عليه الحُكم. ولكِنَّهم مَنَعوا أنْفُسَهم مِنْ ذلك؛ أدَباً مَعه - صلى الله عليه وسلم -. فَقالَ لهم - صلى الله عليه وسلم -: «دَعُوهُ» أي: اتْرُكوه ولا تَتعرَّضُوا له، وهذا مِن حُسْنِ خُلقِه - صلى الله عليه وسلم - وكرَمِه، وقوَّةِ صَبْرِه على الجُفاةِ، مع قُدرتِه على الانتقامِ منهم. قوله: «فَإنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مَقالاً» أي: فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قَدْ جَعَلَ لِصاحِبِ الحَقِّ-سَواءً كانَ دائِناً أو مُؤَجِّراً أو أجِيراً- الحَقَّ في المُطالَبةِ بِحَقِّهِ، شَريطةَ عَدَمِ التَّعَدِّي عَلى غَيرِه؛ قال المناوي: «إنّ لصَاحب الحَقّ» أي: الدَيْن، «مقالاً» أي: صَولةَ الطّلب، وقوّة الحُجّة».

إنّ لصَاحبِ الحقّ مَقَالاً..

       وقال النووي: «إنّ لصَاحبِ الحقّ مَقَالاً» فيه: أنّه يُحْتمَل مِنْ صاحب الدَيْن الكلام المُعْتاد في المُطالبة، وهذا الإغلاظ المَذْكور؛ مَحْمولٌ على تّشدّدٍ في المُطالبة، ونحو ذلك منْ غيرِ كلامٍ فيه قدحٌ أو غيره، ممّا يَقتضي الكُفْر، ويُحْتمَل أنّ القائلَ الذي له الدَّين؛ كان كافراً مِنَ اليهود أو غيرهم، والله أعلم». وقال القرطبي في «المفهم»: «وقوله: كان لرجلٍ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دَيْن، فأغلظ له» هذا الرجل كان مِنَ اليَهود، فإنّهم كانوا أكثر مَنْ يُعامل بالدَّين، وحُكِي: أنّ القول الذي قاله، إنّما هو: إنّكم يا بني عبدالمطلب مُطلٌ! وكذبَ اليهودي، لمْ يكنْ هذا معروفاً مِنْ أجْداد النّبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أعمامه، بل المعروف منْهم: الكرَم، والوَفاء، والسَّخاء، وبعيدٌ أنْ يكون هذا القائل مُسْلماً؛ إذْ مقابلة النّبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك؛ أذى للنّبي - صلى الله عليه وسلم -، وأذاه كُفْر». «المُفْهِم لما أَشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم». وقد جاء في الحديث: عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنه -: أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ طَلبَ حَقّاً، فليَطْلبه في عَفَافٍ، وافِياً أو غيرَ واف». رواه ابن ماجة وصحّحه الألباني.

الدَّينُ الذي اسْتَدانه النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -

       وكان الدَّينُ الذي اسْتَدانه النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - جَمَلاً، فقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأصْحابِه -رَضيَ اللهُ عنهم-: «اشْتَرُوا لَه سِنًّا» أي: بَعيرًا مُسَاوياً لِبَعيرِه في السِّنِّ، فَأَعْطوه إيَّاهُ، فَلَم يَجِدوا إلَّا بَعيراً هو أفضَلَ مِنْ بَعيرِه في الثَّمنِ، والحُسنِ والسِّنِّ، فَأَمَرَهُم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُعْطوه إيَّاه، وأنْ يُسَدِّدوا لَه الدَّينَ بأَفضَلَ ممّا أُخذ مِنه، وأكْثَرَ قِيمةً. وعلَّلَ - صلى الله عليه وسلم - الأمرَ بإعطائِه الأفضلَ، بقولِه: «فَإنَّ مِنْ خَيرِكُم أحْسَنَكم قَضاءً» أي: فإنَّ أفْضَلَكُم في مُعامَلةِ النَّاسِ، وأكْثَرَكُم ثَوابًا؛ أحْسَنُكم قَضاءً لِلحُقوقِ الَّتي عليه دَينًا أو غَيرَهُ.

السّماحة مِنَ الدائن والمُقْرِض

       فمن هَدْي نبينا - صلى الله عليه وسلم - في الدَيْن: السّماحة مِنَ الدائن والمُقْرِض، والمُسَارعة في القضاء والسّداد، ومِنْ آداب الدّائن والمُقْرِض التي علّمها لنا النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنْ يكون حَسَن الطّلب إذا جاءَ وقتُ سدادِ دَيْنِه، فيَطلب ماله وحقّه بأدَب، وبأحسنِ طريقة، وألطفِ عبارة، وهنيئاً لمَنْ رزقه الله حُسْن التقاضي، فقد دَعا النبي - صلى الله عليه وسلم - له بالرّحمة، كما مضى معنا: حديث جابر بن عبدالله - رضي الله عنه -: أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رَحِمَ الله عبدًا سَمْحاً إذا بَاع، سمْحاً إذا اشْتَرى، سَمْحاً إذا قَضَى، سَمْحاً إذا اقْتَضى». رواه البخاري.

إحسان النبي - صلى الله عليه وسلم -

        وهذا الموقف النّبوي مع هذا الرجل الذي أغلظَ له القول في طَلبه لدَيْنه: ليس فيه عَفْوه عمّن أسَاءَ إليه فقط؛ بل إحْسَانه إليه، كما قال الله -تعالى-: [وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصّلت: 34)، قال السّعدي: «أي: فإذا أسَاءَ إليك مُسيءٌ مِنَ الخَلق، خُصُوصاً مَنْ له حقٌّ كبيرٌ عليك، كالأقارب والأصْحاب ونحوهم، إساءَة بالقول أو بالفعل؛ فقابله بالإحْسان إليه، فإنْ قَطَعك فَصِلْهُ، وإنْ ظلمك، فاعفُ عنه، وإنْ تكلم فيك، غائباً أو حاضراً، فلا تقابله، بل اعفُ عنه، وعامله بالقول اللّيّن، وإن هجرك، وترك خِطابك، فَطيِّبْ له الكلام، وابذُلْ له السّلام، فإذا قابلتَ الإساءة بالإحْسان؛ حَصَل فائدة عظيمة».

اسْتحضارُ نيّة الأدَاء عند الأخْذ

        أمّا المَدِين والمُقترِض: فعليه اسْتحضارُ نيّة الأدَاء عند الأخْذ، والعَزم على ذلك، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أخَذَ أمْوالَ الناسِ يُريدُ أداءها؛ أدّى اللهُ عنه، ومَنْ أخَذَها يُريدُ إتْلافَها؛ أتلفه الله». رواه البخاري. وعليه كذلك المُسارعة بتسديد الدَين، وعدم تأخير السّدَاد عند القُدرة على القَضَاء، فهذا أقلّ ما يُقابل به معروف الدّائن، والتأخر في السّداد مع القُدْرة عليه مِنَ الظُّلم المُحرّم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْم». رواه البخاري. ومطل الغِني: أي التّسويف وعدم القضاء مع القُدرة. وإذا حان وقت السداد؛ ولمْ يجد المَدينُ والمُقْترض ما يُسدّد به دَيْنه، فليَعتذر، وينبغي عليه أنْ يَجتهدَ في الوَفاء، ولوْ أنْ يستدينَ مِنْ إنسانٍ آخر؛ ليردّ للأول دَيْنه الذي حانَ وقت سداده، وقد فعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -.

من فوائد الحديث

  • أنّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ مُعلِّماً رَحيماً، ومُؤدِّباً رَفيقاً، ومُربِّياً حَليماً، فكانَ إذا رَأى خَطأً لا يُعنِّفُ، ولا يَزجُرُ ولا يُنفِّرُ، وإذا رَأى صَواباً مدَحَهُ، وأثْنى عليهِ وشَكَرَ له، وجَزى عليه خَيراً، فما أظلّت الخَضْراء، وما أقلّت الغَبْراء، أحسن خُلُقَاً مِنْ نبينا محمّد - صلى الله عليه وسلم -.
  • وفيه: حلمه - صلى الله عليه وسلم - مع مَنْ جَهل عليه، وعَفْوه عمّن ظَلَمه، وإحسانه لمن أساء إليه، قال الله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} (المائدة: 13)، قال السّعدي: «أي: لا تُؤاخذُهم بما يَصْدر منهم مِنَ الأذَى، واصْفح، فإنّ ذلك مِنَ الإحْسَان».
  • والسيرةُ النّبويّة فيها الكثير مِنَ الأمثلة والمواقف، الدالة على حِلْمه وعَفْوه - صلى الله عليه وسلم - الذي شَمل المُسْلم والكافر، والصّديقَ والعدو.
  • وفيه: جوازُ المُطالبة بالدَّين إذا حلَّ أجلُه، ولا ينبغي للمَدين مُجافاة صاحب الحق.
  • وفيه: التَّوكيلُ في قَضاءِ الدَّينِ.
  • وَفيه: القَرْضُ في الحَيوانِ.
  • وَفيه: أنَّ مَن عليه دَينٌ مِن قَرضٍ أو غَيرِه؛ يجوز لَه أنْ يَرُدَّه بأَجوَدَ مِن الَّذي عليه، دونَ أنْ يَشترِطَ المقرِضُ ذلك؛ فذَلِك مِن مَكارِمِ الأخلاقِ المَحْمودةِ عُرفًا وشَرعًا.
  • قال الحافظ ابن حجر: «وفيه: جوازُ وفاء ما هو أفْضلُ مِنَ المِثل المقترَض، إذا لمْ تقع شَرطيّة ذلك في العَقد، فيَحْرمُ حينئذ اتفاقاً، وبه قال الجُمهور».
  • وفيه: الصَّبرُ عَلى خُشونةِ قَولِ الغَريمِ.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك