رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أحمد الشحات 11 أغسطس، 2026 0 تعليق

سلسلة محاضرات مركز تراث للتدريب  .. المنظومة الإدارية في المؤسسات الخيرية

  • الإدارة هي تحقيق الأهداف من خلال الآخرين بأقل جهد وتكلفة ووقت ممكن مع المحافظة على مستوى الجودة والفاعلية
  • العمل الخيري والتطوعي والدعوي والإغاثي من أشرف مجالات العمل الإنساني وأعظمها أثرًا في حياة الأفراد والمجتمعات
  • تمتلك المؤسسات الدعوية والخيرية ميزة عظيمة لا تتوافر في كثير من المؤسسات الأخرى وهي الدافعية الإيمانية لدى العاملين والمتطوعين
  • العمل الخيري لا يسعد المستفيد وحده بل يحقق للعامل فيه سعادة نفسية وروحية عميقة إذ يشعر بقيمة وجوده ونفعه لمجتمعه
 

في إطار سلسلة المحاضرات التثقيفية التي ينظمها مركز تراث للتدريب التابع لقطاع الإعلام والتدريب بجمعية إحياء التراث الإسلامي، عقد المركز دورة تدريبية مكثفة عبر البث المباشر من خلال برنامج زووم، قدَّمها الدكتور أحمد الشحات، وذلك يوم الأحد الموافق 2 أغسطس 2026، وذلك ضمن جهود المركز في نشر المعرفة الإدارية، وتطوير المهارات المهنية، وتأهيل الكفاءات من خلال برامج تدريبية متخصصة تواكب احتياجات العاملين والمهتمين، وهذا تلخيص لما جاء في تلك المحاضرة

        العمل الخيري والتطوعي والدعوي والإغاثي من أشرف مجالات العمل الإنساني، وأعظمها أثرًا في حياة الأفراد والمجتمعات؛ لما يحققه من تفريج للكرب، وإعانة للمحتاج، ونشر للخير، وترسيخ لمعاني التكافل والتراحم، غير أن صدق النية، ونبل المقصد، وتوافر الموارد البشرية والمادية، لا تكفي وحدها لتحقيق النتائج المنشودة، ما لم تصحبها إدارة واعية تحسن التخطيط، وتنظم الجهود، وتوزع المسؤوليات، وتتابع التنفيذ، وتقوّم النتائج. فالإدارة في حقيقتها ليست مجموعة من الإجراءات الجامدة، ولا قيودًا تعوق العمل، وإنما هي أداة لتحويل النوايا الحسنة إلى نتائج، والطاقات المتفرقة إلى إنجازات، والمبادرات العابرة إلى أعمال مؤسسية مستدامة، ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن دور الإدارة في زيادة إنتاجية العمل الخيري والتطوعي، وتعظيم أثره، وحماية موارده وجهوده من الهدر والاضطراب.

العمل الخيري طريق إلى سعادة الإنسان

        ينطلق المسلم في أعماله الخيرية والتطوعية من دافع إيماني عميق، لا من مجرد الرغبة في الظهور أو تحقيق المصالح الشخصية، فهو يدرك أن نفع الناس، والسعي في قضاء حوائجهم، وتفريج كرباتهم، من أعظم أبواب القرب إلى الله تعالى، وقد جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». وتكشف هذه النصوص أن العمل الخيري لا يسعد المستفيد وحده، بل يحقق للعامل فيه سعادة نفسية وروحية عميقة؛ إذ يشعر بقيمة وجوده، ونفعه لمجتمعه، ويستشعر معية الله وعونه وجزاءه، فالإنسان حين يسعد الآخرين يعود أثر ذلك إلى قلبه قبل أن يصل إليهم؛ ولذلك فإن العمل التطوعي باب من أبواب السكينة والرضا، ووسيلة لبناء النفس وتزكيتها، فضلًا عن أثره المباشر في المجتمع.

الدافع الإيماني أساس فاعلية العمل

       تمتلك المؤسسات الدعوية والخيرية ميزة عظيمة لا تتوافر بالمقدار نفسه في كثير من المؤسسات الأخرى، وهي الدافعية الإيمانية لدى العاملين والمتطوعين، فالنظريات الإدارية المعاصرة تبذل جهودًا كبيرة في البحث عن وسائل التحفيز، وبناء الولاء، وتنمية الدافعية الذاتية لدى الموظفين؛ لأن الإنسان ليس آلة تتحرك بالأوامر واللوائح فقط، بل له مشاعر ودوافع واحتياجات نفسية ومعنوية، أما المسلم فإنه يجد في نصوص الوحي من الحوافز ما يدفعه إلى البذل والإتقان والصبر، ويجعله يستشعر أن جهده محفوظ عند الله، حتى إن لم يره الناس أو يشكروه. ومع ذلك، لا ينبغي أن يؤدي الاعتماد على الدافع الإيماني إلى إهمال الوسائل الإدارية؛ لأن الحماسة الصادقة قد تضعف مع غياب التنظيم، والنوايا الحسنة قد لا تتحول إلى نتائج عند غموض الأدوار، وتداخل المسؤوليات، وغياب المتابعة، ومن هنا يتحقق التوازن المطلوب بين أمرين متكاملين:
  • أولهما: المحافظة على الدافع الشرعي والإيماني للعمل.
  • وثانيهما: الاستفادة من قواعد الإدارة ووسائلها في تنظيم هذا العمل وتعظيم أثره.

الإدارة ضرورة في المؤسسات الخيرية

يظن بعض الناس أن الإدارة إنما يحتاج إليها أصحاب الشركات التجارية والمشروعات الربحية؛ لأنهم يتعاملون مع حسابات المكسب والخسارة، أما الأعمال الخيرية والتطوعية فيكفي فيها الإخلاص والحماسة، وهذا التصور غير صحيح؛ فالعمل الخيري أكثر حاجة إلى الإدارة الرشيدة؛ لأن موارده في الغالب محدودة، وأمواله أمانات وتبرعات، والعاملين فيه قد يكون كثير منهم من المتطوعين، كما أن المستفيدين منه أصحاب حاجات ملحة لا تحتمل العشوائية أو التأخير. وقد تتوافر للمؤسسة أموال كثيرة، وأفكار متميزة، وكفاءات بشرية مؤهلة، ثم تكون نتائجها محدودة بسبب ضعف الإدارة، فالإدارة هي التي تربط بين هذه العناصر، وتضعها في مسار واحد، وتمنع تضاربها أو تعطلها، ولهذا يمكن القول إن كثيرًا من المبادرات الخيرية لا تفشل بسبب ضعف النيات، أو قلة الموارد، أو رداءة الأفكار، وإنما تفشل بسبب غياب الخطة، وعدم وضوح المسؤوليات، وضعف التواصل، وغياب المتابعة والتقييم.

الإدارة تحول النوايا إلى نتائج

       قد يجتمع فريق من المتطوعين المؤمنين برسالة معينة، ويمتلكون الحماسة والخبرة، وتتوافر لهم الموارد اللازمة لتنفيذ حملة إغاثية أو ملتقى شبابي أو مشروع دعوي، لكنهم إذا تحركوا دون خطة واضحة فقد يقعون في الارتباك وتضارب الأدوار، فإذا لم يعرف كل فرد مهمته، ولم تحدد جهة اتخاذ القرار، ولم توجد آلية للتواصل في الظروف الطارئة، فقد تضيع الأوقات، وتتكرر الجهود، وتبقى أعمال ضرورية دون تنفيذ. وقد يخرج المتطوعون من التجربة وقد خفت حماسهم، لا لضعف إيمانهم بالفكرة، ولكن لسوء التنظيم الذي أحاط بها، أما إذا سبق التنفيذَ إعدادُ خطة واضحة، وتوزيعٌ للمهام، وتحديدٌ للصلاحيات، ووضعٌ لآليات التواصل والمتابعة والدعم، فإن الفريق نفسه يستطيع تحقيق نتائج أفضل بموارد أقل، وإذا أضيف إلى ذلك تقييم التجربة بعد انتهائها، وتوثيق ما وقع فيها من نجاحات وإخفاقات، فإن المؤسسة تنتقل تدريجيًا من العمل العفوي إلى العمل المؤسسي الاحترافي، وهنا تظهر العبارة الجامعة لمعنى الإدارة: الإدارة تحول النوايا إلى نتائج، والجهود إلى إنجازات، والخبرات المتفرقة إلى معرفة مؤسسية مستدامة.

مفهوم الإدارة وغاياتها

          تعرف الإدارة بأنها: تحقيق الأهداف من خلال الآخرين، بأقل جهد وتكلفة ووقت ممكن، مع المحافظة على مستوى الجودة والفاعلية، ولا يقصد بتقليل الجهد دعوة العاملين إلى الراحة أو التخفف من المسؤولية، وإنما المقصود ترشيد الجهود، ومنع إهدار الطاقات في أعمال متكررة أو متعارضة أو قليلة الجدوى، فإذا كان فريق مكونا من عشرة أفراد يستطيع تنفيذ أربع حملات منظمة بدلًا من حملتين عشوائيتين، فإن الإدارة قد ضاعفت إنتاجيته دون أن تستنزف أفراده. كما أن تقليل التكلفة لا يعني البخل أو الإخلال بجودة الخدمة، وإنما يعني حسن استخدام الأموال؛ لأن ترشيد تكلفة مشروع واحد قد يتيح تنفيذ مشروع آخر، ويفتح بابًا أوسع للنفع، أما توفير الوقت فيتحقق من خلال التخطيط المسبق، ووضوح الأدوار، وسرعة التواصل، وتجنب التردد والتداخل في اتخاذ القرارات.

العمل المؤسسي لا يقوم على الفرد الخارق

       ترفض الإدارة الرشيدة فكرة «الشخص الذي يفعل كل شيء»، مهما كان هذا الشخص نشيطًا أو موهوبًا؛ لأن الاعتماد المفرط على فرد واحد يحمل في داخله أسباب الضعف والتعثر؛ فالعمل المؤسسي يقوم على توزيع الأدوار، وتحديد الاختصاصات، وتكامل الجهود؛ بحيث يكون لكل فرد دور واضح يسهم في تحقيق الهدف العام. ولا تعني الإدارة أن يعمل كل شخص بمعزل عن الآخرين، بل تعني أن تعمل الأجزاء المختلفة في تناغم، كالتروس المتداخلة في آلة واحدة؛ لكل ترس وظيفته، غير أن حركته لا تحقق الغاية إلا باتصاله ببقية التروس، ومن مهام الإدارة التأكد من عدم وجود طاقات معطلة أو أفراد بلا مهام حقيقية؛ لأن كثرة الأعمال مع وجود أشخاص غير موظفين في مسارات مناسبة دليل على خلل في توزيع المسؤوليات.

تشخيص الواقع وإعادة الهيكلة

عندما تعاني مؤسسة ما من ضعف الإنتاجية أو بطء الإنجاز أو تضخم الجهاز الإداري، فإن أول خطوة للإصلاح هي تشخيص الواقع، ويشمل التشخيص معرفة أمور عدة كالتالي:
  • عدد العاملين والمتطوعين.
  • اللجان والإدارات الموجودة.
  • الأعمال الفعلية التي تؤديها كل جهة.
  • المهام الشاغرة أو المعطلة.
  • مواطن التداخل أو الازدواجية.
  • الصلاحيات والمسؤوليات.
  • نقاط القوة والضعف.
وبعد رفع الواقع تبدأ عملية إعادة الهيكلة؛ فيعاد توزيع المسؤوليات، وتفعيل الإدارات المعطلة، ومعالجة مواطن الترهل، وربط الصلاحيات بالمسؤوليات، فمن القواعد الإدارية المهمة تحقيق التوازن بين السلطة والمسؤولية؛ فلا يصح أن يتحمل شخص مسؤولية كبيرة دون أن يمتلك الصلاحيات اللازمة لإنجازها، كما لا يصح أن يمنح آخر سلطة واسعة دون مسؤولية ومحاسبة حقيقية.

الإدارة علم وفن

        ومن القواعد المهمة أنَّ الإدارة علم وفن في الوقت نفسه، فهي علم؛ لأنها تقوم على مبادئ وقواعد وخبرات إنسانية تراكمت عبر الزمن، ثم جرى تدوينها وتصنيفها وتحويلها إلى نظريات ومناهج يمكن تعلمها ونقلها، وهي فن؛ لأن تطبيق هذه المبادئ يختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والظروف. فما يصلح في مؤسسة صغيرة قد يحتاج إلى تعديل في مؤسسة كبيرة، وما يناسب العمل الإغاثي في دولة مستقرة قد لا يناسب منطقة تعاني نزاعًا أو كارثة. وتعلم القواعد الإدارية لا يكفي وحده، بل لابد من مهارة في تنزيلها على الواقع، فقد يتعلم الإنسان أهمية مراعاة الفروق الفردية، لكنه يحتاج إلى خبرة عملية ليعرف كيف يتعامل مع كل فرد، وكيف يحفزه، وأي مهمة تناسبه؛ ولهذا فإن نجاح الإدارة يحتاج إلى الجمع بين: (المعرفة بالمبادئ والنظريات الإدارية، والخبرة بالواقع والبيئة المحلية، والقدرة على التعامل مع الناس، والمرونة في تطبيق القواعد، التعلم المستمر من التجارب).

توثيق الخبرات ونقل المعرفة

       من أكبر المشكلات التي تواجه المؤسسات أن تبقى الخبرة حبيسة رؤوس أصحابها، فإذا غادر الخبير المؤسسة، أو مرض، أو سافر، أو تقاعد، ضاعت معه سنوات من التجربة؛ ولذلك لابد من تحويل الخبرة الفردية إلى معرفة مؤسسية مكتوبة ومتداولة، فالعلم النظري يمكن نقله من خلال دورة أو كتاب، أما الخبرة العملية فتحتاج إلى مصاحبة وتدريب وممارسة وتوثيق، وكلما كانت الخبرة محفوظة ومتوارثة، قلت درجة تأثر المؤسسة بتغير الأشخاص، واستمر العمل بطريقة أكثر ثباتًا وانتظامًا، ويمكن تحقيق من خلال أمور عدة أهمها: (توثيق الإجراءات - إعداد أدلة العمل - كتابة التقارير الختامية - تسجيل المشكلات والحلول - تدريب البدلاء - عقد جلسات لنقل الخبرة - إنشاء أرشيف للمشروعات السابقة - إعداد صف ثان من القيادات).

أهداف الإدارة

  • تحقيق الأهداف بطريقة أكثر كفاءة وفاعلية.
  • استثمار الطاقات البشرية والمادية بأفضل صورة.
  • منع الهدر في المال والوقت والجهد.
  • رفع مستوى الجودة والإتقان.
  • توسيع نطاق المشروعات والخدمات.
  • ضمان استمرارية العمل وعدم ارتباطه بفرد واحد.
   

نبذة عن المحاضر

       د. أحمد الشحات باحث دكتوراة في العلوم السياسية، وحاصل على درجتي الماجستير في العلاقات الدولية وإعداد قادة المنظمات، إلى جانب دبلومات دراسات عليا في العلوم السياسية والتربية والهندسة الكهربية، وبكالوريوس الهندسة الكهربية من جامعة الإسكندرية، ومؤسس مركز رواق للأبحاث والدراسات السياسية، ومركز جسور للبحوث والدراسات الفكرية والتربوية ومديرهما، وعمل سابقًا مديرًا فنيا لأكاديمية إعداد الكادر السياسي، وله مؤلفات أكثر من 35  كتابًا في المجالات السياسية والفكرية والتربوية، ونشر أكثر من 150  مقالًا، كما يقدم محاضرات متخصصة في التنمية الإدارية والتوعية السياسية والمجتمعية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك