رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عماد عطية 11 أغسطس، 2026 0 تعليق

حلف الفضول ..  تأسيسٌ لقيم العدل والإنصاف

  • أعظم ما يقدمه الشاب لدينه أن يكون نموذجًا حيًّا للعدل والأمانة والوفاء وحسن المعاملة
  • الأمم لا تنهض إلا حين يشعر كل شاب أن له رسالة يؤديها وبصمة يتركها ودورًا يسهم به في إصلاح مجتمعه
  • كان حلف الفضول تمهيدًا للمجتمع المكي لتقبُّل دعوة الإسلام ودعوة التوحيد القائمة على العدل والمساواة
  • الإصلاح لا يقوم على الجهود الفردية المتفرقة وإنما ينهض بتكاتف أصحاب المبادئ وتعاونهم على البر والتقوى
  • لقد ظل حلف الفضول «نوراً» في ليل الجاهلية، وسيبقى «دستوراً» لكل شاب يطمح أن يترك في هذا العالم أثراً من «عدلٍ» و«مروءة»
 

في مجتمعٍ كانت تحكمه العصبية القبلية، ويُدار بمنطق القوة، ارتفعت من فوق جبل أبي قبيس صرخةٌ لم تدعُ إلى حرب، بل أيقظت ضمير المروءة الذي كاد أن يندثر، فقد ظُلِم رجلٌ من زُبيد بعدما استولى العاص بن وائل على حقه، فلم يجد بين قبائل مكة ناصرًا؛ إذ كانت الحماية تُمنح للقوي وإن ظلم، غير أن تلك الصرخة حرَّكت نخبةً من أهل المروءة، فهبَّ الزبير بن عبدالمطلب قائلًا: «ما لهذا مترك»، ومن هنا وُلد حلف الفضول؛ ميثاقٌ أعاد للعدل هيبته، وأثبت أن الفطرة السليمة كانت لا تزال قادرة على مقاومة ظلم الجاهلية.

العصبية حين تصنع الظلم

       ولكي نفهم عظمة «حلف الفضول»، لابد من تأمل المشهد الذي وُلد فيه، فقد كانت الجاهلية في تلك الحِقْبة قد بلغت ذِروة «الانفلات القيمي»؛ فالحقوق كانت تُنتزع بالسيوف، والمظلوم الذي لا عشيرة له هو صيدٌ مستباح، كان شعارُ «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» يُطبَّق بمعناه الحرفي السلبي؛ حيث تذوب شخصية الفرد في إرادة الجماعة، ولو كانت على ضلال.

المسؤولية المجتمعية

         اجتمعت بطون قريش (بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبدالعزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة) في دار عبدالله بن جدعان، وكان اختيار الدار له دلالة تربوية؛ فالاجتماع في دار «رجل» يعني الانتقال من «الفضاء العام» المشحون بالتوتر إلى «الفضاء القيمي» المشحون بالمسؤولية.

مشاركة النبي - صلى الله عليه وسلم -

        كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت شابا في العشرين من عمره، يمتلك رؤيةً ثاقبة، وقلبا حيّا، وفطرة نقية، وكانت مشاركته في هذا الحلف أعظم درس في «الإيجابية الاجتماعية للشباب»، لم يقل - صلى الله عليه وسلم -: «أنا يتيمٌ لا شأن لي»، أو «أنا غريبٌ عن النزاع»، لم يقف موقف المتفرج الذي يكتفي بالمشاهدة أو التعليق، بل كان حاضرًا في هذا الموقف النبيل، مشاركًا في صناعة حدثٍ سيبقى علامة مضيئة في تاريخ مكة قبل الإسلام، ولا شك أن الأمم لا تنهض إلا حين يشعر كل شاب أن له رسالة يؤديها، وبصمة يتركها، ودورًا يسهم به في إصلاح مجتمعه.

ميثاق العدل الخالد

        كان نص الميثاق زلزالاً هز أركان مكة: «تعاهدوا ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى تُرد عليه مظلمته»، والمتأمل في هذا النص يدرك أنه لم يكن يعالج حادثة الزبيدي وحدها، بل كان يؤسس لمبدأ يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويحطم قيد الانتماءات وأسوار القبيلة؛ فلم يعد المظلوم يستحق النصرة لأنه قرشي أو يَمَنيٌّ أو حليف أو صاحب جاه، وإنما لأنه إنسان انتُهك حقه، واعتُدِي على كرامته.ش وهنا تتجلى إحدى أسمى صور الرقي الحضاري؛ فالعدل لا يعرف الألوان، ولا يميز بين الأنساب، ولا يخضع لحسابات القوة والمصلحة، وإنما ينحاز إلى الحق حيث كان، ويقف مع المظلوم مهما كان أصله أو موطنه، ومن ثم تحول حلف الفضول من اتفاق قبلي محدود إلى ميثاق أخلاقي عالمي سبق كثيراً من المبادئ التي تتغنى بها الإنسانية في عصورها الحديثة.

شهادة الخلود لحلف الفضول

         تمضي الأعوام، وتتبدل الأحوال، ويغيب الرجال الذين صنعوا المواقف، غير أن بعض المشاهد يظل حيًّا في ذاكرة التاريخ، ومن تلك المشاهد الخالدة موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - من حلف الفضول، ذلك الحلف الذي شهده شابًّا قبل أن يتنزل عليه الوحي، ثم عاد إليه بعد البعثة بسنوات طويلة، لا ليستحضره على سبيل الذكرى، وإنما ليمنحه شهادةً ستبقى ما بقيت الرسالة، فقال: «شهدت مع عمومتي في دار عبدالله بن جدعان حلفًا، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت». لم تكن هذه الكلمات مجرد حنين إلى مرحلة من مراحل الشباب، وإنما كانت إعلانًا نبويا بأن الفضائل لا تبطلها الأزمنة، وأن المبادئ العادلة تظل محل تكريم ما دامت منسجمة مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وما دام مقصدها إحقاق الحق، وإنصاف المظلوم، وصيانة كرامة الإنسان. ثم يبلغ الحديث ذروة معانيه حينما يكشف قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أحب أن لي به حمر النعم» عن ميزانٍ ربانيٍّ للقيم؛ فالمواقف التي ينتصر فيها الإنسان للحق، ويقف فيها إلى جانب المظلوم، أعظم عند الله وأبقى أثرًا في ضمير التاريخ من كنوز الدنيا وأموالها، وهكذا لم يكن حلف الفضول ذكرى يحتفظ بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذاكرته، بل أصبح شاهدًا خالدًا على أن العدالة قيمةٌ لا يحدها زمان.

دروس تربوية للشباب

       لم يكن حلف الفضول حادثة عابرة في شباب النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل كان محطة تربوية مهمة كشفت عن وعيه الاجتماعي المبكر، وأبرزت استعداده الفطري للانحياز إلى الحق والدفاع عن المظلوم قبل أن يُكرمه الله بالرسالة، وكأن العناية الإلهية كانت تُعِدُّه منذ شبابه ليكون حامل لواء العدل، ومقيم ميزان القسط، والهادي إلى مكارم الأخلاق.

قيمة العمل الجماعي

        ويغرس الحلف كذلك قيمة العمل الجماعي، فالإصلاح لا يقوم على الجهود الفردية المتفرقة، وإنما ينهض بتكاتف أصحاب المبادئ وتعاونهم على البر والتقوى، فلم يكن أولئك الرجال قادرين على رد المظلمة لو بقي كل واحدٍ منهم منفردًا، وإنما صنعت وحدتهم قوةً أبطلت سلطان الظالم، وأعادت الحق إلى صاحبه، وفي هذا دعوةٌ لشباب اليوم إلى البحث عن رفقاء الخير، وبناء المبادرات الصالحة، وتوحيد الطاقات في خدمة الدين والوطن والمجتمع؛ فإن الفضائل إذا اجتمعت أثمرت، وإذا تفرقت ضعفت.

العدالة ثمرة الاستقامة

        ويؤكد حلف الفضول أيضًا أن العدالة ثمرة الاستقامة؛ فقد اكتسب النبي - صلى الله عليه وسلم - ثقة أهل مكة قبل البعثة بصدقه وأمانته وعدله، حتى إذا جاءهم برسالة الحق، كانت سيرته العملية خير شاهدٍ على صدق دعوته، ومن هنا فإن أعظم ما يقدمه الشاب لدينه ليس كثرة الشعارات، وإنما أن يكون نموذجًا حيًّا للعدل، والأمانة، والوفاء، وحسن المعاملة؛ فالسلوك المستقيم هو أول أبواب الدعوة، والقدوة الصادقة هي اللغة التي يفهمها الناس جميعًا.

الإصلاح الدعوي والاجتماعي

       لقد كان حلف الفضول «تمهيداً نفسياً» للمجتمع المكي لتقبل دعوة الإسلام، فالمجتمع الذي يتعود على نصرة المظلوم، سيكون أقرب لفهم دعوة التوحيد التي تعدل بين الناس، كما أن الحلف أثبت جواز «التعاون مع المخالفين» في أمور البر؛ فالمشاركون لم يكونوا كلهم على قلب رجل واحد في المعتقد، لكنهم اجتمعوا على «قيمة العدل» ونظروا إلى المساحات المشتركة وجعلوا منها جسراً للوصول إلى خدمة الإنسان والمجتمع.

رسالة خالدة لكل جيل

        لقد ظل حلف الفضول «نوراً» في ليل الجاهلية، وسيبقى «دستوراً» لكل شاب يطمح أن يترك في هذا العالم أثراً من «عدلٍ» و«مروءة»، تماماً كما فعل ذلك الشاب اليتيم الذي أصبح بصدقه وأمانته وشجاعته.. «رحمةً للعالمين»، فيا أيها الشاب، كن أنت «هاشميَّ» زمانك في نصرة الخلق، تذكر أن مكة لم تخلُ من الفضيلة رغم وثنيتها، وأن مجتمعك مهما فسد، ففيه قلوبٌ تنتظر من يحرك فيها «كوامن الخير فيها».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك