شباب تحت العشرين 1318
القرآن يصنع الرجال
أنزل الله -تعالى- القرآن الكريم ليبني القلوب قبل الأبدان، ويزكي النفوس، ويرفع الهِمم، ويصنع رجالًا يحملون رسالة الحق، ويُعمّرون الأرض بالإيمان والعدل والإصلاح؛ فالقرآن منهج يصوغ الشخصية، ويهذب الأخلاق، ويغرس معاني المسؤولية، ويصنع أجيالًا تسمو مقاصدهم، وتعلو هممهم، فيعيشون لدينهم وأمتهم، ويجعلون مصالحها فوق مصالحهم، ومرضاة ربهم فوق كل غاية.
ولهذا وصف الله عباده المؤمنين بقوله: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} (النور: 37)، فإذا كان المؤمن الحق لا تلهيه التجارة المباحة، فكيف يليق بشاب مسلم أن تسرق عمره المقاطع التافهة، وأخبار المشاهير، والجدالات العقيمة، وساعات اللهو التي لا تزيده علمًا، ولا إيمانًا، ولا خُلُقًا؟ إن أخطر ما تصنعه التفاهة أنها تُضعف الهمة، وتقتل الطموح، وتُعوِّد النفس الانشغال بصغائر الأمور حتى تعجز عن حمل معاليها. لقد صنع القرآن جيل الصحابة، فجعلهم قادة للأمم، لأنهم لم يكتفوا بتلاوة القرآن، بل جعلوه منهجًا للحياة؛ فاستقامت به عقائدهم، وسمت به أخلاقهم، وقويت به عزائمهم. فيا شباب الإسلام، اجعلوا للقرآن نصيبًا من قلوبكم قبل ألسنتكم، ومن أعمالكم قبل أصواتكم، اقرؤوه بتدبر، واعملوا به، واجعلوه قائدًا لحياتكم؛ فإنَّ الأمَّة لا تحتاج إلى شبابٍ يحفظون القرآن بألسنتهم فقط، وإنما إلى رجالٍ يصنع القرآن شخصياتهم، ويقود سلوكهم، ويشحذ هممهم، حتى يكونوا مفاتيح للخير، ومصابيح للهداية، وأسبابًا لنهضة أمتهم.ماذا تزرع في عقلك؟
العقل كالأرض الخصبة؛ فما يُلقى فيها هو الذي ينبت ويثمر؛ فإن غرستها بالقرآن، والعلم النافع، والقراءة الهادفة، ومجالسة أهل الحكمة، أثمرت إيمانًا راسخًا، وفكرًا مستقيمًا، وحكمةً في القول والعمل، أما إذا تُركت لكل وارد من الشبهات، والشائعات، والتفاهات، وما تبثه بعض المنصات من أفكار منحرفة أو محتوى فارغ؛ فلن تجني إلا اضطراب الفكر، وضعف البصيرة، وسوء الاختيار؛ لذلك عليك أن تحسن اختيار غذاء عقلك؛ فتنتقي ما تقرأ، وتتثبت مما تسمع، وتتأمل فيمن تتابع؛ فإن القلب يتأثر، والعقل يتشكل، والسلوك ثمرةٌ لما يستقر في الفكر.السعيد من اغتنم شبابه
من وفقه الله لاستثمار شبابه في الإيمان والعلم والعمل الصالح، فقد ربح أعظم الأرباح؛ فلا تجعل سنوات قوتك تضيع فيما لا ينفع، بل ازرع فيها ما يسرك حصاده يوم تلقى الله؛ والسعيد من اغتنم شبابه قبل أن يقول: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}.من أخطاء بعض الشباب..
- ضعف الهمة في الطاعة: قد يقتصر بعض الشباب على الحد الأدنى من العبادات دون أن يسعى للزيادة.
- العلاج: اجعل لك مشروعًا مع الله؛ كحفظ القرآن، أو قيام الليل، أو طلب العلم، أو الدعوة إلى الله.
- الاستهانة بصغائر الذنوب: تكرار الذنب الصغير مع الغفلة قد يقود إلى الكبائر وقسوة القلب.
- العلاج: راقب نفسك، وأكثر من التوبة، ولا تحتقر ذنبًا؛ فإن الجبال من الحصى.
- العيش بلا هدف: يعيش بعض الشباب يومه دون رسالة أو غاية، فيتشتت بين الرغبات والأهواء.
- العلاج: حدد أهدافًا إيمانية وعلمية وشخصية، واجعل أعظم أهدافك الفوز برضا الله.
احذر لصوص العُمر!
يحرص الناس على حماية أموالهم من اللصوص، لكن قليلًا منهم من ينتبه إلى أخطر اللصوص؛ أولئك الذين يسرقون العمر لا المال، ومن أخطرهم اليوم الانشغال بالمقاطع القصيرة والتنقل بين المنصات، حتى يمضي الوقت دون شعور، ويكتشف الشاب بعد سنوات أن جزءًا كبيرًا من عمره قد ضاع فيما لا ينفع، ولم يبق منه إلا الحسرة، وقد أخبر الله -تعالى- عن حال من فرّط في حياته، فقال -سبحانه-: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} (المؤمنون)، ولن يتمنى أحد الرجوع ليشاهد مزيدًا من المقاطع، وإنما ليستدرك ما فاته من الطاعات والأعمال الصالحة، فاجعل لوقتك قيمة، واشغله بما ينفعك في دينك ودنياك، فإن أعظم الخسارة أن تلقى الله بأعمارٍ طويلة وأعمالٍ قليلة.
احرص على أن تكون ممن أحبهم الله!
من أعظم ما يسعى إليه المؤمن أن يكون من أهل محبة الله؛ فإذا أحبَّ الله عبدًا وفَّقه للطاعة، وثبَّته على الحق، وبارك له في عمره وعمله، ومن هؤلاء ما يلي:- المحسنون: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
- المتقون: {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}.
- التوابون: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ}.
- المتطهرون: {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.
- الصابرون: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}.
- المتوكلون على الله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.
- المقسطون: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.
- الذين يقاتلون في سبيله صفًّا: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا}.
- المؤمن القوي؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير».
- من أحبَّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان».
- أنفع الناس للناس؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس».
اجعل لك مشروعًا مع الله
يمضي كثير من الشباب أعمارهم وهم يخططون لمستقبلهم الدراسي والمهني والمالي، وهذا أمرٌ محمود إذا اقترن بطاعة الله، لكن المؤمن يجعل أعظم مشاريعه ما يقربه إلى ربه، ويثمر له الأجر الباقي بعد الرحيل، فاجعل لك مشروعًا تعبديا تعيش معه سنوات، لا ينقطع بتغيّر الظروف، ولا يتوقف بانتهاء مرحلة من العمر؛ كمشروع حفظ القرآن، أو مداومة ختمه، أو قيام الليل، أو طلب العلم الشرعي، أو الدعوة إلى الله، أو بر الوالدين، أو خدمة الناس، أو كفالة الأيتام، أو نشر العلم النافع؛ ابدأ بخطوات يسيرة، ولكن اثبت عليها، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، ومع الأيام تتحول الأعمال الصغيرة إلى جبال من الحسنات، ويصبح هذا المشروع رصيدًا دائمًا يرافقك في دنياك، ويثقل ميزانك في آخرتك.الوعي عبادة
الوعي نورٌ يقذفه الله في القلب، يُعين صاحبه على فهم الواقع والتمييز بين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ، وبين الشائعة والحقيقة، فلا ينخدع بالمظاهر، ولا ينساق وراء العواطف أو ضجيج الجماهير؛ ولهذا أثنى الله على أهل البصيرة بقوله: {فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (الزمر: 17-18)، فهم لا يقبلون كل ما يسمعون، ولا يرددون كل ما يُنشر، وإنما يتثبتون، ويزنون الأقوال والأحداث بميزان القرآن والسنة، ويرجعون إلى أهل العلم فيما أشكل عليهم، ومن هنا كان اهتمام الشباب ببناء وعيهم من أعظم الواجبات في هذا العصر؛ والوعي يصنعه العلم النافع، وحسن الفهم، والتثبت، والتفكير المتزن؛ فاحرص على أن تبني عقلك كما تبني إيمانك، فإن العقل إذا استنار بالوحي كان سبيلًا إلى الثبات، وسببًا للنجاة من الشبهات والفتن.معالي الأمور
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها»، ومن معالي الأمور أن يكون همُّ الشاب طلب العلم، وحفظ القرآن، وخدمة دينه، والإحسان إلى الناس، والإسهام في إصلاح مجتمعه، وأن يجعل لنفسه رسالةً يعيش من أجلها، فاسأل نفسك دائمًا: هل ما يشغل وقتي من معالي الأمور أم من سفاسفها؟ فإن قيمة الإنسان بقدر همته، وكلما ارتفعت همتك، سمت أهدافك، وصغرت في عينك التوافه، وعظمت في قلبك رسالة الحياة التي خلقك الله من أجلها.
لاتوجد تعليقات