رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أمير الحداد 5 أغسطس، 2026 0 تعليق

الأنبياء والرّسل (٢)ّ

لا شك أن النبوة منة من الله، يضعها بعلمه حيث يشاء، ولا تكون إلا في خيار البشر: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام:124)، {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (الزخرف:32).

- وما الفرق بين النبي والرسول؟ - أرجح الأقوال أن النبي يوحى إليه ولم يؤمر بالتبليغ، فيكون قدوة في ذاته، أما الرسول فإنه يتلقى الوحي ويبلغ، ويدعو إلى ما أوحي إليه. قاطعني: - هارون (أخو موسى) رسول أم نبيّ؟ - نبيّ ورسول بنص كتاب الله -عز وجل-، وبلغ مع موسى -عليه السلام- يقول -تعالى-: {فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} (طه:47). مع أنه ورد في سورة (الشعراء) قوله -تعالى-: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء:16)، وهذه الصيغة صحيحة؛ بل أبلغ صيغة في أن موسى رسول وكذلك هارون رسول، وجميع الرسل أنبياء، ولكن الأنبياء ليسوا برسل! أنهينا زيارة قصيرة إلى مدينة الخفجي، بعد صلاة العصر، التي أديناها مع الجماعة في مسجد جديد، افتتح في رمضان الفائت، بدأنا رحلة العودة وكانت الأمور كما في القدوم سالكة، والحمدلله. - ورد في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي؛ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (البخاري). وهنا لفظ نبي يعني رسولا، ذلك أن كل رسول نبي، كما أوتي موسى العصا واليد وغيرها من الآيات، وصالح الناقة، وعيسى شفاء المرضى وإحياء بعض الموتى، وغيرها من الآيات، فنؤمن بهذه المعجزات التي أيد الله بها رسوله، ونؤمن بجميع الرسل دون استثناء، ونصدق ما جاؤوا به ونعتقد عصمتهم في تبليغ الرسالة ومن الكبائر، وهذه الأمور اخْتُص بها الأنبياء لا يشاركهم فيها أحد. سأل (أبو عمر). - وهل يجب علينا معرفة ما جاؤوا به؟! - كلا، فقد بعث الله كل نبي إلى أمته؛ فالواجب على من أرسل إليهم أن يؤمنوا به، بعث الله هودا إلى عاد، وشعيبا إلى مدين وصالحا إلى ثمود، وموسى إلى بني إسرائيل، وكذلك عيسى -عليه السلام- وهكذا، أما محمد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد بعثه الله لجميع الخلق، ونسخ برسالته جميع الشرائع قبله؛ فوجب على الجميع اتباعه، وترك ما لديهم من كتب أخرى، سواء كان يهودا أو نصارى أو مجوسا أو صابئة، وجب على الجميع اتباع ما جاءت به شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم -، كما قال -تعالى-: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الأعراف:158). وفي الحديث عن أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت، به إلا كان من أصحاب النار» (مسلم). ومع إيماننا أن الأنبياء والرسل هم خيرة البشر، يجب علينا إثبات بشريتهم جميعًا، بمعنى أنهم يأكلون ويشربون ويتزوجون وتكون لهم ذرية، ويجوعون ويمرضون ويألمون ويحزنون، كما هو مقتضى البشرية، ولم يتميزوا إلا بما أوحى الله إليهم، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (الكهف:110). وكما في الحديث: عن أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة؛ فقال رسول الله -[-: «إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي لكم على نحو مما أسمع منكم؛ فمن قضيت له من أخيه شيئا، فلا يأخذه ؛ فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها القيامة» (السلسلة الصحيحة). وفي وفاة ابنه إبراهيم قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما أنا بشر، تدمع العين ويخشع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، والله يا إبراهيم، إنا بك لمحزونون» (السلسلة الصحيحة). وعن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبده؛ فقولوا: عبدالله ورسوله» (متفق عليه). - دعوني أقرأ لكم ما قال ابن تيمية في الفتاوى: «وقال -تعالى-: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة:38)، ومثل ذلك قوله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة:62)؛ فذكر أن المؤمنين بالله وباليوم الآخر من هؤلاء هم أهل النجاة والسعادة وذكر فى تلك الآية الإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر لأنهما متلازمان وكذلك الإيمان بالرسل كلهم متلازم فمن آمن بواحد منهم فقد آمن بهم كلهم، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم، كما قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} (النساء)، والتي بعدها أخبر أن المؤمنين بجميع الرسل هم أهل السعادة وأن المفرقين بينهم بالإيمان ببعضهم دون بعض هم الكافرون حقا، والحاصل أن توحيد الله والإيمان برسله واليوم الآخر، هي أمور متلازمة مع العمل الصالح؛ فأهل هذا الإيمان والعمل الصالح هم أهل السعادة من الأولين والآخرين والخارجون عن هذا الإيمان مشركون أشقياء؛ فكل من كذب الرسل فلن يكون إلا مشركا، وكل مشرك مكذب للرسل، وكل مشرك وكافر بالرسل؛ فهو كافر باليوم الآخر، وكل من كفر باليوم الآخر فهو كافر بالرسل وهو مشرك؛ ولهذا قال -سبحانه وتعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} (الأنعام:112)؛ فأخبر أن جميع الأنبياء لهم أعداء، وهم شياطين الإنس والجن، يوحى بعضهم إلى بعض القول المزخرف،- وهو المزين المحسن يغرّرون به-، والغُرور هو التلبيس والتمويه، وهذا شأن كل كلام وكل عمل يخالف ما جاءت به الرسل من المتفلسفة والمتكلمة وغيرهم من الأولين والآخرين، ثم قال: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ}؛ فأخبر أن كلام أعداء الرسل تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة؛ فعلم أن مخالفة الرسل وترك الإيمان بالآخرة متلازمان؛ فمن لم يؤمن بالآخرة أصغى إلى زخرف أعدائهم؛ فخالف الرسل كما هو موجود في أصناف الكفار والمنافقين في هذة الأمة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك