رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سالم الناشي 5 أغسطس، 2026 0 تعليق

الغزو في ميزان الشريعة

  • لم يكن يوم الخميس (02/08/1990) يوما عاديا .. بل كان يوما أثار ردود فعل عربية وإسلامية ودولية واسعة؛ ذلك أن حجم الظلم الذي وقع فيه بلغ مداه، وتجاوز حده، ولا سيما في الجانب الشرعي منه! وتداعت 33 دولة في العالم ما بين عربية ومسلمة وغربية؛ لدفع الظالم وعودة الكويت والشرعية.
 
  • ومن الغريب أن بلدا ينتسب للإسلام، ويتغنى بالأخوة والجوار، وينادي بالوحدة العربية، يتجرأ على غزو بلد مسلم وعربي آخر واحتلاله، وقف معه في أصعب الظروف مساندا وداعما. والعجيب أن الذي اتخذ قرار الغزو هو من قال عام 1987 صراحة : «إذا ما انحرف العراق عن مبادئه، وراح إلى قطر عربي معجبا بقوته.. فمن المشروع ومن الأخلاق أن العرب يجيشون ضده، ويوقفونه عند حده»؛ بل إن الرئيس العراقي (صدام) كان قد قلد أمير الكويت وساما رفيعا؛ تقديرًا لمواقف الكويت ودعمها للعراق وشعبه، وذلك قبل الغزو في (23/09/1989).
 
  • لقد اتسم العدوان بالظلم والغدر، وإسقاط المبادئ التي تكون عادة بين المسلمين والعرب! حين أعلن عن مجموعة من الأكاذيب لتسويغ عدوانه، واستعمل مختلف أدوات البطش؛ لترسيخ هذا العدوان من احتلال وقتل وأسر وتعذيب وتهجير وسرقات ممنهجة، تطال مؤسسات الدولة جميعها.
 
  • ولم يكن الصراع بعدها صراعا سياسيا أو عسكريا فحسب؛ بل كان صراعا فكريا من خلال حضور الدين في كل المراحل؛ فالأصل في العلاقات بين الدول الإسلامية تحريم العدوان، وأن الشريعة لا تجيز الاستيلاء على أراضي المسلمين بالقوة، ولا نقض العهود، ولا الاعتداء على الأنفس والأموال. لكن يبقى الحكم على هذا العدوان في ميزان الشريعة هو الأساس؛ لأن الإسلام لا يبني أحكامه على موازين القوة والبطش، وإنما على موازين الحق والعدل.
 
  • لذا نجد أن المؤتمر الإسلامي العالمي الذي نظمته الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي (10/09/1990) قد أدان الغزو، وعدَّه  عدوانًا مخالفًا لأحكام الشريعة الإسلامي، وطالب بانسحاب القوات العراقية من الكويت. كما عقد مؤتمر (موقف الشريعة الإسلامية من العدوان على الكويت) في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، وخرج بتوصيات عدة، منها: إدانة الغزو العراقي للكويت وعدَّه عدوانًا محرمًا شرعًا، والاستيلاء على أراضي دولة أخرى بالقوة ظلمًا وعدوانًا لا يجيزه الشرع، وتأكيد حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وتحريم الاعتداء عليها، والتأكيد على وجوب إعادة الحقوق إلى أصحابها، وانسحاب القوات العراقية من الكويت، والتأكيد على تحريم الاعتداء على الدول الإسلامية وانتهاك سيادتها، والدعوة إلى حل النزاعات بين الدول الإسلامية بالوسائل الشرعية والسلمية، مع الالتزام بالمواثيق والعهود الدولية التي لا تخالف الشريعة.
 
  • أما مجلس التعاون الخليجي فقد عقد دورته 11 في دولة قطر في (22/12/1990) ، وأكد وقوفه مع دولة الكويت في محنتها، ومساندته المطلقة وتضامنه التام مع شعبها وحكومتها في جهادهما حتى التحرير الكامل، كما طالب النظام العراقي بوجوب احترام المدنيين، وتأمين سلامة أرواحهم وممتلكاتهم، وكذلك المحافظة على المنشآت والممتلكات الخاصة والعامة ، وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية.
 
  • لقد جعل الله -تعالى- الأخوة الإيمانية أساس العلاقة بين المسلمين؛ فقال  - سبحانه -: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، ونهى عن الظلم والاعتداء بقوله: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}؛ فإذا وقع خلاف أو نزاع، فإن الشريعة لا تجعل السلاح أول الحلول، وإنما تدعو إلى الإصلاح، وجاءت السُنَّة النبويَّة تؤكد هذه القاعدة العظيمة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»، وهذه النصوص ترسخ مبدأً ثابتًا لا يتغير بتغير الأزمنة والظروف، وهو: أن حرمة الدماء والأموال والأوطان مصونة، وأن العدوان عليها ظلم محرم مهما كانت المسوغات والشعارات.
 
  • ولهذا اتسق موقف  كبار العلماء - وقتها -  مع الموقف الشرعي، بأن الاعتداء على دولة مسلمة واحتلال أرضها بالقوة، نوع من أنواع الظلم والبغي الذي قضت الشريعة بتحريمه.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك