شباب تحت العشرين 1317
الشباب بين غذاء العقل وغذاء الجسد
كثيرٌ من الشباب يغفلون عن غذاءٍ لا يقل أهمية عن غذاء الجسد؛ بل قد يكون أشد أثرًا في حياتهم، وهو غذاء العقل والفكر، فكما يحتاج الجسد إلى الطعام لينمو ويقوى، يحتاج العقل إلى القراءة، والتأمل، ومجالسة العلماء، والاستماع إلى العلم النافع، وحسن اختيار ما يقرأ ويشاهد؛ فإذا حُرم هذا الغذاء، لم يبقَ فراغه طويلًا، بل سرعان ما تملؤه الشبهات، والأفكار المنحرفة، والشائعات، والثقافات الدخيلة، فالعقول لا تبقى خالية؛ إما أن تُغذَّى بالحق فتستنير، وإما أن يتسلل إليها الباطل فيفسدها.
ولهذا رفع الإسلام شأن العلم وأهله، فقال سبحانه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (الزمر: 9)، فجعل العلم سببًا لرفعة الإنسان، ونورًا يهديه في زمن كثرت فيه الفتن، وتعددت فيه مصادر التأثير، فكل صفحة يقرؤها الشاب بعقل حاضر، وكل مجلس علم يحضره، يضيف إلى شخصيته بصيرةً، ويمنحه قدرةً أكبر على التمييز بين الحق والباطل، ومن أعظم ما يعين على ذلك حسن استثمار الوقت؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، فالفراغ إما أن يكون ميدانًا لبناء العقل، أو بابًا لتضييع العمر فيما لا ينفع. وما أكثر من ملؤوا أوقاتهم بمتابعة ما لا يزيدهم علمًا ولا خلقًا، حتى ضعف فكرهم، وقلت همتهم. فيا أيها الشاب، اجعل للقراءة وردًا ثابتًا، وللقرآن نصيبًا من تدبرك، وللعلماء مجلسًا تحرص عليه، واختر بعناية ما يدخل إلى عقلك؛ فإن ما تقرؤه اليوم، هو الذي يصنع طريقة تفكيرك غدًا، وما يغذي عقلك الآن، سيقود قراراتك ومستقبلك بعد حين.الوعي يبدأ من القرآن
لا يوجد كتاب يبني العقل، ويهذب النفس، ويصحّح المفاهيم، ويقيم ميزان الحياة، أعظم من كتاب الله؛ فمن أراد فكرًا مستقيمًا، بدأ بالقرآن تدبرًا وفهمًا وعملًا؛ قال -تعالى-: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29)؛ فالقرآن لا يزيد صاحبه علمًا فحسب؛ بل يمنحه بصيرةً، وحكمةً، وميزانًا يزن به الأفكار والمواقف، فلا يضطرب مع كل ريح، ولا ينخدع بكل دعوة.أخطاء يقع فيها بعض الشباب
- الانشغال بما لا ينفع: مثل الجدل العقيم، ومتابعة أخبار المشاهير، وكثرة الفضول في شؤون الناس، كلها تستهلك العمر دون ثمرة.
- غياب الهدف: فمن لا يعرف غايته، يستهلك وقته في كل شيء، أما صاحب الهدف فيجعل لكل ساعة عملًا، ولكل يوم هدفًا، قال -تعالى-: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} (المؤمنون: 115).
- هجر القراءة وطلب العلم: من أكبر صور إضاعة الوقت أن تمر الأيام دون أن يزداد الشاب علمًا أو وعيًا، قال -تعالى-: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه: 114).
- الإفراط في الترفيه: الترفيه حاجة، لكنه إذا تجاوز حدَّه انقلب إلى إدمان، وأصبح عائقًا عن العلم والعمل والعبادة، والاعتدال هو هدي الإسلام في جميع شؤون الحياة.

العِلم يحمي صاحبه..
كلما ازداد الشاب علمًا وبصيرة، كان أقدر على تمييز الحق من الباطل، والسنة من البدعة، والحقيقة من الشائعة، أما الجهل، فهو الباب الذي تدخل منه الشبهات والأفكار المنحرفة، قال -تعالى-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها»، فابنِ عقلك بالعلم قبل أن تواجه تيارات الفكر المختلفة.مكانة العلماء ورفعة شأنهم

العلم الراسخ لا يُبنى بالمقاطع القصيرة!
لا شك أن وسائل التقنية من أعظم نعم الله في هذا العصر إذا أُحسن توظيفها، فهي تُيسِّر الوصول إلى المعرفة، وتفتح أبوابًا واسعة للتعلم، لكنها، مهما بلغت، لا تُغني عن القراءة العميقة، ولا عن مطالعة الكتب التي تُنضج الفكر، وتُهذّب العقل، وتُكسب صاحبها منهجيةً في الفهم والتحليل، لقد أصبح كثير من الشباب يكتفي بقراءة العناوين، أو تصفح المنشورات، أو مشاهدة المقاطع القصيرة، فيظن أنه قد حصَّل علمًا، بينما العلم الراسخ لا يُبنى بهذه الطريقة، فالكتاب يعلمك التفكير قبل المعلومة، ويمنحك القدرة على الربط والتحليل، ويصنع منك قارئًا ناقدًا لا متلقيًا سلبيا، فلا تجعل هاتفك يقرأ عنك، ولا تختزل ثقافتك في دقائق عابرة؛ فإن الفكر المتين لا تصنعه الشاشات وحدها، وإنما تبنيه القراءة المتأنية، والمطالعة المنتظمة، ومجالسة أهل العلم، وحسن استثمار الوقت فيما ينفع.لا تجعل العاطفة تقود فكرك
العاطفة نعمة من نعم الله، تُرقِّق القلب، وتبعث على الرحمة، وتدفع إلى الخير، لكنها تتحول إلى خطر إذا انفصلت عن العلم، وأصبحت هي القائد للمواقف والأحكام؛ ولهذا كان القرآن يبني الإيمان على التدبر والتفكر، لا على الانفعال المجرد، فقال -سبحانه-: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} (محمد: 24)، وقال أيضًا: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} (البقرة: 111)؛ فدين الإسلام دين الدليل والبصيرة، لا دين العواطف المجردة، وما أكثر الفتن التي دخلت على الناس من باب العاطفة غير المنضبطة؛ فاندفعوا وراء الشائعات، أو تعصبوا للأشخاص، أو ناصروا الباطل بحسن نية، لأنهم قدَّموا المشاعر على الحق، فاجعل ميزانك الدليل لا الهوى، وابنِ مواقفك على العلم، واجعل عاطفتك خادمةً للحق، لا حاكمةً عليه؛ فإن العاطفة إذا قادها العلم كانت رحمة، وإذا قادها الهوى كانت فتنة.بناء عقلك طريق مستقبلك
يغفل كثير من الشباب عن بناء عقله وفكره، مع إن الفكر السليم هو الذي يقود إلى القرار الصحيح، والنجاح الحقيقي، والثبات عند الفتن، قال -تعالى-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، فاستثمر في عقلك؛ فإن العلم والوعي هما رأس مال الإنسان الذي لا يفقده.
لاتوجد تعليقات