رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 11 أغسطس، 2026 0 تعليق

الأربعون الوقفية  الموجزة 19 .. وقف الأرض للمسجد

  • الوقف يُخرج العَيْن الموْقوفة عن التمليك للمُوقف أو للموقوف عليه وتكون المنفعة للموقوف عليه
  • الإسهام في بناء المساجد وتوفير الأراضي لها طريقٌ إلى الجنة وأجرٌ جارٍ لا ينقطع يتجدد مع كل صلاةٍ تُقام وكل عبادةٍ تُؤدَّى فيها
 

منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ؛ فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.

الحديث التاسع عشر: وقف الأرض للمسجد

عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَبِالْإِسْلَامِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرَ بِئْرِ رُومَةَ؟ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلُ فِيهَا دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟  فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي فَجَعَلْتُ دَلْوِي فِيهَا مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونِي مِنَ الشُّرْبِ مِنْهَا حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي جَهَّزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ مِنْ مَالِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟  فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي فَزِدْتُهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْتُمْ تَمْنَعُونِي أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، كَانَ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَا، فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ فَرَكَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِرِجْلِهِ وَقَالَ:  اسْكُنْ ثَبِيرُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ  قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، شَهِدُوا لِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ - يَعْنِي أَنِّي شَهِيدٌ -.

وقف أرض بني النجار

       لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة أمر - صلى الله عليه وسلم - ببناء مسجده، وكان الموقع المختار أرضًا كانت لبني النجار؛ فطلب - صلى الله عليه وسلم - من كبار بني النجار وأعيانهم أن يبيعوا أرضًا لهم ليبني عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجدًا، فكان جوابهم أنهم جعلوا تلك الأرض وقفًا لله -سبحانه وتعالى-، لا يطلبون ثمنًا لها من أحد؛ إلا الأجر والثواب من الله -سبحانه وتعالى-. وعن أنس- رضي الله عنه - أنه قال: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناء المسجد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فوقفوا أرضهم لمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

توسعة المسجد النبوي

       ولما كثُر أهل الإسلام بعد سنوات من بناء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجده في المدينة، وضاق المسجد بالمصلين، ولم يعد يتسع لجموع المصلين، رغب النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد لكي تزاد في المسجد؛ حتى يتسع لأهله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟»؛ فاشتراها عثمان بن عفان - رضي الله عنه - من صلب ماله، ووسع على المسلمين - رضي الله عنه -.

وقف عثمان بن عفان - رضي الله عنه -

       وذكر الحافظ ابن حجر روايات توضح مقدار المال الذي اشترى به عثمان - رضي الله عنه - البقعة التي زيدت في المسجد؛ فقال: وزاد النسائي من رواية الأحنف بن قيس عن عثمان: أنه اشتراها بعشرين ألفاً، أو بخمسة وعشرين ألفا، وبهذا الفعل وفق الله -سبحانه وتعالى- عثمان - رضي الله عنه - بأن يكون له أجر إلى يوم الدين؛ من هذا الفعل، فكل من شد الرحال من سائر أنحاء الدنيا إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان لعثمان أجر من ذلك، فهو - رضي الله عنه - صاحب الصولات والجولات في النفقة على الدين، وخدمة الرسول الأمين وجميع المسلمين، فحينما قال - صلى الله عليه وسلم -: «من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟»؛ فاشتراها عثمان.  وحينما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لتجهيز جيش العسرة وكان الناس في ضيق وشدة وقلة؛ فجهزه عثمان - رضي الله عنه -. وفي كل مرة يقول - صلى الله عليه وسلم -: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم». فقد عُرف - رضي الله عنه -  بالمسارعة إلى الخيرات؛ لأنه أراد الجنة، والجنة هي سلعة الله الغالية التي تحتاج إلى سعي وعمل وبذل وعطاء، قال -تعالى-: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا)، ولتكون من أهل الدرجات العلا في الجنة فلا بد من الإنفاق في سبيل الله -سبحانه وتعالى-.

الحكم والفوائد من الحديث

  • مشروعية وقف الأرض للمسجد.
  • أهمية توسيع المساجد، وهذا من باب إعمار المساجد، وامتثالاً لقوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين).
  • جواز تحدث الرجل بمناقبه عند الاحتياج إلى ذلك؛ لدفع مضرة، أو تحصيل منفعة، وإنما يكره ذلك عند المفاخرة، والمكاثرة، والعجب، وهذا من مناقب أمير المؤمنين عثمان -]-.
  • إن لبناء المساجد وتوفير قطع الأرض للمساجد طريق إلى الجنة، وباب أجر مستمر من الله -سبحانه وتعالى- كلما صلى به المصلون، وتعبد به العباد من قراءة القرآن ومجالس العلم والاعتكاف وغيرها من الأعمال.
 

علاقة الوقف بالوصية

 يمكن تبيين علاقة الوقف بالوصية ببيان الفرق بينهما، وأهم الفروق هي:
  • أن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، بينما الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريقة التبرع سواء كان في الأعيان أو في المنافع .
  • يجوز في الوقف أن يتجاوز المُوقِف ثلث أمواله، فلا حد لأكثره بخلاف الوصية فلا تتجاوز ثلث التركة إلا بإذن الورثة.
  • أن الوقف يلزم ولا يجوز الرجوع فيه في قول عامة أهل العلم؛ لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله عنه -: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدَّقَ»، أما الوصية فإنها تلزم ويجوز للموصي أن يرجع في جميع ما أوصى به أو بعضه .
  • الوقف يخرج العين الموقوفة عن التمليك للموقف أو للموقوف عليه، وتكون المنفعة للموقوف عليه، بينما الوصية تتناول العين الموصى بها أو منفعتها للموصى له .
  • تمليك منفعة الوقف يظهر حكمها أثناء حياة الواقف وبعد مماته، وأما التمليك في الوصية فلا يظهر حكمه إلا بعد موت الموصي.
  • الوقف يجوز لوارث والوصية لا تجوز لوارث إلا بإجازة الورثة.
 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك