رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. محمد احمد لوح 11 أغسطس، 2026 0 تعليق

الوثنية تصادم الهوية الإسلامية

  • دحض د. لوح الاتهامات الموجهة إلى العلوم الشرعية والعلماء مبينًا دورهم في الإصلاح الفكري والتربوي والاجتماعي وإسهامهم في الأعمال الخيرية والتنموية
  • شدّد د. لوح على أهمية قراءة التاريخ قراءة علمية منصفة والرجوع إلى الوحي والحقائق التاريخية في مواجهة الشبهات والدعايات الفكرية
  • التيار (الكبتي) بوصفه تيارًا يسعى إلى إعادة تفسير تاريخ إفريقيا بما يخالف الحقائق الشرعية والتاريخية يستهدف التشكيك في هوية المسلمين وثوابتهم
  • تمجيد الوثنية بدعوى أنها جزء من التراث الإفريقي يتعارض مع رسالة الأنبياء جميعًا وأن الإسلام جاء لتحرير الإنسان من الشرك لا لإحيائه
  • الإسلام رسالة عالمية لا ترتبط بعرق أو قومية وإنما تدعو إلى التوحيد والعدل والمساواة بين البشر
  • الفتح الإسلامي لإفريقيا يختلف جذريًا عن الاستعمار الغربي إذ قام على نشر العدل والهداية لا على نهب الثروات واستعباد الشعوب
  • مشكلات التنمية في بعض الدول الإفريقية ترجع إلى سوء الإدارة وضعف التخطيط وليس إلى الإسلام أو الشريعة
 

في خطبة له بيّن الشيخ: د. محمد أحمد لوح (رئيس لجنة الإفتاء باتحاد علماء أفريقيا، وعميد كلية الدراسات الأفريقية بالسنغال)، أن من أخطر ما يواجه الأمة اليوم ظهور تيارات فكرية تسعى إلى إعادة قراءة التاريخ بمنهج مُنحرف، فتقلب الحقائق، وتشوّه الثوابت، وتلبس على الناس دينهم وهويتهم، مستغلة الشعارات البراقة والدعاوى الزائفة، ومن هذه التيارات ما يُعرف بالتيار (الكبتي)، الذي يروج لجملة من الشبهات حول الإسلام في إفريقيا، فيطعن في تاريخ الفتح الإسلامي، ويشكك في مكانة اللغة العربية، ويهاجم العلوم الشرعية وأهلها! في محاولة لفصل المسلمين عن دينهم وماضيهم المجيد.

        وذكر الشيخ د.لوح أنه بيَّن في لقاءات سابقة جانبًا من انحرافات هذا التيار، وكشف شيئًا من فساد أصوله العقدية، ونواصل وفيما يلي تفنيد لأبرز شبهات هذا التيار، وبيان زيف دعاواه بالحجة الشرعية، والبرهان التاريخي، والواقع المشاهد:

أولًا: تمجيد الوثنية باسم (التراث الإفريقي)

من أعظم أخطاء هذا التيار أنهم زعموا أن عبادة الأصنام، وهجر الأديان السماوية، تمثل تراثًا إفريقيا ينبغي الاعتزاز به، وسبحان الله! متى كانت الوثنية مفخرة للعقلاء؟ إن عبادة الأصنام ليست خصوصية إفريقية، وإنما هي انحراف إنساني عام أصاب البشرية بعد وفاة آدم -عليه السلام- بعشرة قرون، كما ثبت ذلك عن حبر الأمة عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما-، ثم بعث الله نوحًا -عليه السلام- يدعو الناس إلى توحيد رب العالمين، ويحذرهم من الشرك وعبادة الأوثان. ولو كان مجرد وجود الشيء في تاريخ أمة سببًا للفخر به، لكان للعرب أن يعتزوا بثلاثمائة وستين صنمًا كانت تحيط بالكعبة قبل الإسلام! ولكن الإسلام جاء ليهدم الأوثان، لا ليحييها، ويطهّر العقول من الخرافة، لا أن يزينها للناس.

الإسلام رسالة تحرير  لا مشروع استعمار

إن الإسلام لم يأتِ لمحاربة عِرْق، ولا لمعاداة شعب؛ وإنما جاء ليُخرج البشرية كلها -عربها وعجمها- من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. ولذلك فإن محاولة تصوير الوثنية على أنها جزء من الهوية الثقافية الواجب الحفاظ عليها، ليست إلا دعوة صريحة إلى إعادة البشرية إلى جاهلية تجاوزها التاريخ، وأنقذها الله منها برسالات الأنبياء.

ثانيًا: تشويه الفتح الإسلامي واتهامه بالاستعمار

       ومن أعظم أباطيلهم زعمهم أن الفاتحين المسلمين كانوا مُستعمرين، وشبَهوهم بالمستعمرين الغربيين، قال الله -تعالى-: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}؛ فكيف يستوي -في عقل مُنصف مستعمر غربي جاء ينهب الثروات، ويهتك الحرمات، ويمحو الهوية، ويستعبد الشعوب، ويفرض لغته وثقافته بالقوة، بفاتح مسلم جاء يحمل التوحيد والعدل، ويعلن أنه: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى»؟ لقد كان الفتح الإسلامي فتحًا للقلوب قبل أن يكون فتحًا للبلدان، ولم يكن مشروعًا لاستغلال الشعوب أو سلب مقدراتها، بل كان يقيم العدل، ويحفظ الحقوق، ويترك لأهل البلاد إدارة شؤونهم وفق نظام شرعي يحقق مصالحهم ويصون كرامتهم، فهل يستوي هؤلاء وهؤلاء؟ {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.

ثالثًا: العربية ليست  لغة استعمار

ومن جملة شبهاتهم قولهم إن اللغة العربية لغة استعمار، شأنها شأن اللغات الغربية، وهذا من أبطل الباطل، ويتبين فساده من وجوه:
  • الإسلام يحترم جميع اللغات؛ فالإسلام رسالة عالمية، ولم يعادِ لغة من لغات البشر، بل جعل اختلاف الألسنة والألوان من آيات الله الدالة على عظيم قدرته، قال -تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}.
  • العربية باقية بحفظ القرآن؛ إن بقاء اللغة العربية لم يكن لأنها لغة قوم معينين، وإنما لأنها لغة القرآن الكريم، الذي تكفل الله بحفظه، ولولا هذا الارتباط الوثيق بالوحي، لانقرضت العربية الفصحى كما انقرضت آلاف اللغات عبر التاريخ.
واليوم لا يكتسب العربي الفصحى بالسليقة كما كانت الحال قديمًا، وإنما يتعلمها بالدراسة، كما يتعلمها المسلم الإفريقي والآسيوي وسائر المسلمين في أنحاء العالم.

تناقض ظاهر..

ومن أعجب التناقضات أن من يهاجم العربية بزعم أنها لغة استعمار، يدعو في الوقت نفسه إلى تبني الإنجليزية أو الفرنسية؛ بل يخاطب شعبه بهما، ويدير مؤسسات بلاده بهما! فأي تناقض أشد من هذا؟!

رابعًا: الطعن في العلوم  الشرعية وأهلها

ولما أعيتهم الُحجة في ميدان الفكر، زعموا أن دراسة الشريعة عائق أمام التنمية، وأن حَمَلة الشهادات الشرعية متخلفون، وعالة على المجتمع! ونقول لهم: قبل أن تطعنوا في العلماء، انظروا إلى حصادكم أنتم. -  ماذا قدمتم لشعوبكم؟! - كم مستشفى بنيتم؟! -  وكم جامعة أنشأتم؟! - وكم مشروعًا تنمويا حقيقيا أقمتم؟! - وكم طريقًا مهدتم؟! إن الفقر لا يزال يحيط ببلادكم، والبنية التحتية تعاني، والبطالة تستنزف الشباب، واليأس يفتك بالأجيال، فعن أي إنجاز تتحدثون؟! ثم اسألوا الناس عن العلماء والدعاة: - كم من منحرف أعادوه إلى طريق الاستقامة؟ - وكم من متطرف ردوه إلى الاعتدال؟ - وكم من مجرم أصلحوه حتى أصبح عضوًا صالحًا في مجتمعه؟ - وكم من بئر حفروها، ومريض عالجوه، وفقير أغاثوه، ويتيم كفلوه، وأسرة أعانوها! إن آثارهم يشهد بها الواقع، قبل أن تشهد بها الكلمات.  

ممالك إسلامية عظيمة

       لقد شهد تاريخ إفريقيا الغربية قيام ممالك إسلامية عظيمة، بلغت من القوة والرخاء والازدهار مبلغًا أصبحت معه مقصدًا للتجارة والعلم، وامتدت آثار خيرها شرقًا وغربًا، في زمن كانت فيه شعوب كثيرة تتطلع إلى عطائها، وكان الإسلام هناك مصدر نهضة، وبناء، وعدل، وعلم، ولم يكن يومًا سببًا للتخلف أو الانهيار.  

الحقائق لا يغيرها الضجيج..

       إن الحقائق لا يغيرها الضجيج، ولا تمحوها الشعارات، وتاريخ الإسلام في إفريقيا شاهد ناطق على أن هذا الدين كان سببًا في إخراج الأمم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الوثنية إلى التوحيد، فواجب المسلمين أن يتثبتوا من الدعاوى التي تُلقى إليهم، وأن يعرضوها على ميزان الوحي، وأن يقرؤوا التاريخ قراءة منصفة، بعيدًا عن الأهواء والدعايات؛ فإن الحق أبلج، والباطل لجلج، {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}.

الإسلام صنع حضارة إفريقيا

        إن الفشل في الإدارة أو سوء الحكم لا يجوز أن يكون ذريعة لاختلاق عداوات مع الدين، ولا لتصوير الشريعة على أنها سبب التخلف، بل الواجب على الفاشلين أن يراجعوا أسباب عجزهم، بدل أن يلقوا تبعات إخفاقهم على الإسلام وأهله.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك