رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 29 سبتمبر، 2026 0 تعليق

من أرشيف الشيخ عبدالله السبت ..  {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}

  • الإقرار بربوبية الله لا يكفي للنجاة من النار فقد كان كفار قريش يقرّون بها دون إفراد الله عز وجل بالعبادة
  • لا يُعبد الله حقًّا إلا بما شرعه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقد أرسل الله تعالى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس كافة ليبلّغهم دينه
 

نستعيد في هذه السلسلة نماذج من مقالات الشيخ عبدالله السبت؛ توثيقًا لمسيرته الدعوية، وإطلالة على أبرز القضايا التي تناولها بقلمه، واليوم مع مقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}، وقد نشر في مجلة البلاغ، العدد (162)، تاريخ 1/7/1972 ونشر أيضًا بعنوان: «لا يصلح الناس إلا التوحيد» في جريدة الرأي العام، العدد (5145)، تاريخ 3/3/1978م، مع وجود الأصل المطبوع بعنوان «تحقيق كلمة التوحيد».

        من تطلع إلى أحوال الناس في عصرنا أو عصور خلت يجد ظاهرة واحدة تتكرر أبداً، ويلحظها كل باحث منقب عن الحقيقة تناديه أن الناس في شقاء وتعاسة، مهما بلغوا من بسطة في الجسم أو قوة في المال، ما لم يكيفوا هذه البسطة أو القوة ويصرفوها بالوجهة التي أراد الحق -سبحانه-، فإنهم إن فعلوا ذلك فقد حازوا الخير، وإن لم يفعلوا فالشقاء والبؤس لهم قرين، وساء قريناً.

تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه

       وهذه الظاهرة تكاد تصدق في الأمم كلها مهما اختلفت ثقافةً ومشرباً، كثيراً ما نسمع ونردد: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وإذا أراد المرء أن يحصر قائليها لأعياه ذلك لكثرتهم، أما لو أراد حصر مدركى معناها؛ لهاله الأمر، ولوجد جمهرة كبيرة من قائليها ترددها دون ما فهم لمعناها، ومن عجب الأمور أن الغالبية تدرك المعنى العرفي لها، ونقصد بالمعنى العرفي هو ما يفهمه العامة وجمهرة من المثقفين بأن معناها: أن لهذا الكون خالقاً ومدبراً قوياً قادراً وهو الله، ويظن هؤلاء أنهم بهذا الفهم قد استقاموا، ولكن هيهات لهم ذلك، فلابد من أن نفهم كما فهمها الرسول - صلى الله عليه وسلم - للصحابة وفهمها من بعدهم.

معنى لا إله إلا الله

ولنعرج لبيان معناها، فنقول وبالله الاعتصام: شقها الأول: «لا إله» نفي عام يشمل كل آلهة، وذكر الإله هنا ليعم الجميع؛ إذ النكرة في سياق النفي يعم، فهي إذا نفي لجميع الآلهة حجرها ومدرها وشجرها وطواغيتها. وشقها الثاني: «إلا الله» استثناء من النفي العام يثبت أن الألوهية الله -سبحانه وتعالى- دون غيره، فهي نفت جميع الآلهة وأثبتت إلهاً واحداً هو الله -سبحانه وتعالى-. ويجب التفريق هنا بحرص شديد بين الإله والرب؛ فالإله هو المعبود، وهي صفة ألصق به ولا تعني الخالق أو القادر أو المدبر، أما الرب فهي التي تعني الخالق الرزاق المدبر.

معرفة الربوبية

       وعلى ذلك؛ فالذي يعتقد أن الله قادر وخالق ورزاق وقوي قد عرف الربوبية، وهذا الذي عليه كفار العرب كما قال الله: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمر فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} (يونس:٣١). فإذا ما قُصِدَ هذا القادرُ الخالق بالعبادة -ونقصد بالعبادة المعنى الشامل ويشمل: الصلاة والذبح والتقرب والتوسل والدعاء والنذر والطاعة- يكون قد حقق توحيد الألوهية لله -سبحانه-، ويكون ذلك بنفي أي عبادة لغير الله -سبحانه-، وهذا هو المقصود من «لا إله إلا الله»؛ أي: لا معبود بحق إلا الله كما قال -سبحانه-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَوةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة: ٥)، فإذا ما تبلور لدينا هذان الأمران وهما:

(1) توحيد الربوبية

         وهو الاعتقاد أن لهذا الكون خالقًا حيًا دائمًا إلى آخر صفات الحق، ولكن هذا الاعتقاد إذا لم يضم له الشق الثاني، وهو قصد الإله بالعبادة كما يريد المولى، فإن معرفة الرب وحدها لا تنجي من النار كما لا تدخل الجنة؛ إذ إن كفار قريش كانوا يُقِرُّون بهذا النوع من التوحيد في الربوبية كما بينا في الآية السابقة، وكما توضحه هذه الآية: {وَلَن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (الزخرف: ۸۸).

(2) توحيد الألوهية

         وهو كما بيَّنا سابقاً الاتجاه لهذا الخالق، وقصده بالعبادة، وبغير هذا فلا إيمان، وعلى ذلك فكثير من علماء الطبيعيات وغيرهم من النصارى واليهود يعترفون بتوحيد الربوبية، ولكنهم جميعًا يُشركون في توحيد الألوهية، وهذا التوحيد لا يغنيهم من الله شيئاً.

شرك الألوهية

        وكثير من المسلمين الذين ينطقون بالشهادتين يشركون في الألوهية؛ إذ إن بعضهم ينذر لغير الله ويذبح لغير الله ويتوسل بغير الله، وهذا كله شرك كما نصت عليه أحاديث كثيرة منها: «من ذبح لغير الله فقد أشرك»، «ومن نذر لغير الله فقد أشرك»، «ومن حلف بغير الله فقد أشرك»، وهي معانٍ لأحاديث صحيحة. والآيات الآمرة بعبادة الله كثيرة، منها: قوله -جل وعلا-: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، وقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، وقوله -جل وعلا-: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر: ٩٩)، وقوله -تعالى-: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (المؤمنون: ۲۳)، هذا الأصل الذي يجب أن يفهمه كل مسلم ويعمل به.

خطأ يقع فيه البعض

       ونستطيع القول بعد الذي سبق أن معنى «لا إله إلا الله»؛ أي: لا معبود بحق إلا الله -سبحانه وتعالى-، ونود أن نبين خطأ يقع كثيراً ممن لا يعرف هذا المعنى، فهم يقولون: معناها «لا معبود إلا الله»، وهذا التعريف ناقص؛ إذ يجب تقييده، وذلك أن هناك معبودات كثيرة غير الله -سبحانه- فهذا التعريف لم يفرد الرب -سبحانه- بالعبادة، بل لم يمنع تعدد ذلك، أما عند إضافة «بحق» إلى التعريف ليصبح لا معبود بحق إلا الله؛ فإنها تخرج المعبودات التي عبدت من دون الله -سبحانه-؛ لأنها لم تكن بحق، لقد ذكرنا آنفًا معنى «لا إله إلا الله، ونعود لذكر معني «محمد رسول الله».

لا معبود بحق إلا الله

       وفيما قلناه: إن معناها لا معبود بحق إلا الله -سبحانه وتعالى-، ويجب أن نعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يعبد الله -جل وعلا- بحق إلا بوساطة رسول يبلغه ما يريد؛ ليبلغ للناس دين الله، فمحمد -صلى الله عليه وسلم - ما أرسله الله للناس كافة إلا ليبلغ الدين للخلق، وعلى ذلك فالإيمان بأن محمداً رسول الله أمر لازم لا يتم الإسلام إلا به؛ إذ إنه يستحيل عبادة الحق -سبحانه- كما يريد هو -جل وعلا- من غير اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم -، وعلى ذلك فمن اكتفى بمفهوم اللفظ الأول كان لازماً له أن يعتقد برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومن هنا ندرك أن تقيدنا بالمعبود الحق يدخل فيه اتباع المصطفى، وأخبر الحق -جل شأنه- بأن الإيمان لا يتم إلا بالرضوخ لحكم الرسول -صلى الله عليه وسلم -، قال -سبحانه-: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، ومما يدل على عظم جرم من عصاه -صلى الله عليه وسلم - أن أقسم الحق بنفسه (فَلَا وَرَبِّكَ).

الركن العظيم

       والآيات في هذا كثيرة جداً وليس هذا موضعها، وإنما نود أن يتبلور أن محمداً رسول الله يجب الاعتقاد بها، وإيمان المرء بها لازم حتى يتم له الإسلام ومن لوازمها طاعته في كل شيء -صلوات الله وسلامه عليه-، فهذه لمحات حول العقيدة، وإني أقر بأني لم أوفِّ المسألة حقها، ولكن عجالة رأيت نفسي ملزمًا بتدوينها حول هذا الركن العظيم من أركان الإسلام بل هو أعظمه؛ إذ به تحل أو تحرم الدماء، وأرجو من الإخوة الذين درسوا التوحيد على طريقة أصحاب الكلام أن يرجعوا لدراسته من الكتاب والسُّنَّة، فهما - والله - أصح مصدر لدراسة هذا العلم، بل هي وظيفتهما الأولى.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك