رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد سلطان السلطان 29 سبتمبر، 2026 0 تعليق

خواطر  الكلمة الطيبة.. الدعوة وبدايات البحث والتأصيل

  • الكتابات القديمة وثائق تاريخية تكشف طبيعة المجتمع وقضاياه وملامح الحركة العلمية والدعوية في كل مرحلة
  • الإعلام كان منبرًا مبكرًا للدعوة ولا سيما حين كان حضور الدعاة في الإمامة والخطابة والعمل المؤسسي محدودًا
  • أسهم الشيخ عبدالله السبت رحمه الله في ترسيخ الطرح العلمي من خلال مناقشة المسائل بالدليل وعرض أقوال العلماء وعدم الاكتفاء بالرأي السائد
 

إن قراءة ما نُشر في وسائل الإعلام قديمًا، والاطلاع على الرسائل والمكاتبات التي احتفظ بها أهل العلم، لا يقدمان لنا مادة تاريخية فحسب، بل يفتحان نافذة لفهم طبيعة المرحلة التي عاشها الناس، والأفكار والقضايا التي كانت تشغلهم، والبيئة العلمية والاجتماعية التي أحاطت بهم.

       ومن النماذج المهمة في هذا الباب ما قام به الشيخ بشير الحسن -رحمه الله-، وهو من كبار طلبة العلم ومن تلاميذ الشيخ الألباني -رحمه الله-، حين استقرأ رسائل الشيخ تقي الدين الهلالي -رحمه الله-، واستخرج منها كثيرًا من المعلومات والدلالات، إلى جانب ما دوَّنه الشيخ الهلالي في رحلاته، ومثل هذه المؤلفات والرسائل ليست كتبًا هامشية، بل وثائق معرفية تمنح القارئ تصورًا مهمًّا عن واقع عصرها وملامح الحياة العلمية والفكرية فيه.

قراءة ما كتبه السلفيون

       ومن هنا، فإن قراءة ما كتبه السلفيون في الساحة الكويتية في تلك المرحلة تساعدنا على فهم طبيعة البيئة الكويتية آنذاك، والقضايا التي كانت مطروحة فيها، وكيف تعامل معها دعاة المنهج السلفي علميًّا ودعويًّا وإعلاميًّا. ومن الأمثلة الدالة على ذلك مقالة كتبها الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله- عام 1972م بعنوان: (مسُّ المصحف من غير وضوء جائز)،؛ فقد كان الرأي الشائع في ذلك الوقت عدم جواز مس المصحف من غير طهارة، حتى غدا هذا القول هو المعروف والمتداول بين عامة الناس.

إحياء البحث العلمي

        وكان السلفيون من أوائل من أسهموا في إحياء البحث العلمي ومناقشة المسائل الشرعية في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، في وقت كان حضورهم في الإمامة والخطابة محدودًا، ولم تكن الأعمال الدعوية قد أخذت بعدُ صورتها المؤسسية والمنظمة؛ فكان المجال الإعلامي أحد أهم المنافذ المتاحة لنشر العلم ومناقشة القضايا الشرعية، وكان الشيخ عبدالله السبت من أوائل الذين اقتحموا هذا الميدان.

شكوى بعض الناس

       وقد استهل الشيخ مقالته بالإشارة إلى شكوى بعض الناس من تعذر قراءتهم للقرآن في أوقات معينة، بسبب شيوع الفتوى بعدم جواز مس المصحف من غير طهارة، والمسألة -كغيرها من مسائل الفقه- موضع بحث وخلاف بين أهل العلم، إلا أن الرأي السائد بين الناس آنذاك كان أن من انتقض وضوؤه لا يجوز له مس المصحف، كما شاعت بعض الفتاوى في المسائل المتعلقة بقراءة المرأة للقرآن وذكر الله -تعالى- في حال الحيض. وهنا ظهرت قيمة المراجعة العلمية التي كان الشيخ السبت يدعو إليها؛ إذ لم يكتفِ بعرض الحكم، وإنما ناقش أدلة القائلين بالمنع، وفي مقدمتها قوله -تعالى-: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}، واستعرض أقوال المفسرين في معنى الآية.

طبيعة البيئة العلمية

       ولفهم أهمية هذا الطرح ينبغي أن نستحضر طبيعة البيئة العلمية في ذلك الوقت؛ فلم يكن عامة الناس معتادين سماع مناقشات من قبيل: قال الإمام الطبري، أو القرطبي، أو البغوي، ولم تكن مثل هذه المناقشات العلمية التفصيلية شائعة في الدروس والكلمات العامة. ولذلك كان عرض أقوال هؤلاء الأئمة تعريفًا غير مباشر للناس بتراث علماء الأمة ومناهجهم في النظر والاستدلال. ثم انتقل الشيخ إلى مناقشة الأحاديث التي يُستدل بها في المسألة، وبحثها من جهة الصحة والضعف، ونقل أقوال أهل العلم، ومنهم الإمام الشوكاني، كما عرض ما نُقل عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- في هذه القضية. وانتهى الشيخ، بعد عرض مختصر للأدلة ومناقشتها، إلى ترجيح أن المقصود بقوله -تعالى-: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} الملائكة، وأن المراد بالطهارة في الحديث الذي استدل به في المسألة طهارة الإيمان، ومن ثم خلص إلى القول بجواز مس المصحف على غير وضوء.

المنهج الذي أراده الشيخ

       لكن الأهم من النتيجة الفقهية نفسها هو المنهج الذي أراد الشيخ ترسيخه؛ فلم يقدم رأيه بوصفه نهاية للنقاش، بل دعا في ختام مقالته طلاب العلم والباحثين إلى المشاركة بالبحث والمناقشة، وصولًا إلى الحق والصواب، وهذه الروح العلمية كانت من السمات البارزة التي سعت الدعوة السلفية منذ بداياتها إلى إحيائها: العودة إلى الدليل، والبحث والمراجعة، والقراءة والمطالعة، وعدم الوقوف عند المألوف لمجرد شيوعه، مع فتح أبواب النقاش العلمي المنضبط بين طلاب العلم والباحثين.

قيمة المقالات القديمة

       ومن هنا تكتسب تلك المقالات القديمة قيمتها؛ فهي لا توثق رأيًا فقهيًّا أو قضية عابرة فحسب، وإنما تكشف جانبًا من تاريخ الحركة العلمية والدعوية في الكويت، وتبين كيف أسهم العمل الإعلامي في نشر ثقافة البحث والاستدلال والتعريف بأقوال العلماء ومصادر التراث، وهو أثر مبارك من آثار تلك الدعوة وجهود رجالها، نسأل الله -تعالى- أن يرحم من مضى منهم، وأن يبارك في جهود الأحياء، وأن يوفقنا جميعًا للعلم النافع والعمل الصالح.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك