شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: السَّلَف في الثّمَار
- حدَّدَ الشّرع أُصولَ المُعاملاتِ والبُيوعِ حتى لا يقَعَ غَبنٌ أو غَرَرٌ فيَتسبَّب في التَّنافُرِ والتَّشاحُنِ والاختلاف بينَ النَّاسِ
- حُكم الشفعة سبق به الإسلامُ جميعَ الأنظمة والقوانين في العالم وهو شاهدٌ مِن أصدق الشهود العدول على دقَّة أحكام شريعة الإسلام
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ، وهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ؛ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». الحديث أخرجه مسلم في المساقاة (2/1226) باب: السلم، وأخرجه البخاري في السلم (2239) باب: السلم في كيلٍ معلوم.
في هذا الحَديثِ يَروي عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - «قدِمَ المَدينةَ»، أي: حينَ جاءَها مُهاجِراً، «وهم يُسْلِفونَ في التَّمرِ السَّنةَ والسَّنتَينِ» وربَّما قال: «والثَّلاثَ»، أي: أنَّ مِن بُيوعِهم التي يَتعامَلونَ بها، أنَّهم يَبيعونَ التَّمرَ مؤجَّلاً، إلى عامٍ أو عامَينِ أو ثلاثةِ أعْوامٍ، بثَمنٍ مُعجَّلٍ مَقبوضٍ حالًّا في مَجلسِ العَقدِ، وإنَّما جَرى ذِكرُ التَّمرِ؛ لأنَّه غالبُ ما يُسلَمُ فيه عندهم. فالسَّلَفُ أو السَّلمُ: هو أنْ يبيعَ الرَّجُلُ سِلعةً غيرَ مَوجودةٍ، ويَصِفَها بما يُميِّزُها، ويُحدِّدَ أَجلًا لقَبضِ هذه السِّلعةِ. فأقَرَّهم - صلى الله عليه وسلم - على بَيعِ السَّلَمِ، ولكنْ ضبَطَه بشُروطٍ مُعيَّنةٍ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أسلَفَ»، أي: مَن باع واشتَرى بالسَّلَفِ والسَّلَمِ؛ «فليُسلِفْ في كَيلٍ مَعلومٍ، ووَزنٍ مَعلومٍ، إلى أجَلٍ مَعلومٍ»، أي: فليَكُنِ الشَّيءُ الذي اشتَراه شيئًا مُعيَّناً، مَعلومَ المِقدارِ، مَحدودَ الكَمِّيَّةِ كَيلًا ووَزناً، مَضبوطًا بأجَلٍ مَعلومٍ، ومُدَّةٍ مُعيَّنةٍ مَعروفةٍ مُحدَّدةٍ؛ كسَنةٍ أو سَنتَينِ مَثلًا، لا بأجَلٍ مَجهولِ المُدَّةِ غيرِ مُحدَّدِ الزَّمنِ. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إلى أجلٍ مَعْلوم» استدلّ به مَنْ منع السَّلَم الحال، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وهذا يوجه الأمر في قوله: «فليُسْلفْ» إلى الأجل والعلم معا. والذين أجازوا الحال؛ وجّهوا الأمر إلى العلم فقط، ويكون التقدير: إنْ أسْلمَ إلى أجلٍ؛ فليُسْلم إلى أجلٍ مَعلوم، لا إلى أجلٍ مَجْهول، كما أشرنا إليه في الكيل والوزن. والله أعلم.فوائد الحديث
- فيه دليل على جواز السلم في الجملة، وهو متفق عليه، لا خلاف فيه بين الأمة.
- وأنّ السَّلَم والسَّلَف يجوز في كلِّ شيءٍ مِنَ العُروضِ، ممَّا تَجتمِعُ شُروطِ السَّلَمِ فيه.
- وفيه: أنّ الشّرع قد حدَّدَ أُصولَ المُعاملاتِ والبُيوعِ؛ حتى لا يقَعَ غَبنٌ أو غَرَرٌ ما؛ يَتسبَّبُ في التَّنافُرِ والتَّشاحُنِ والاختلاف بينَ النَّاسِ.
باب: في الشّفعة
عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ». الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1229) باب: الشفعة، ورواه البخاري في الشفعة (2256): بلفظ: «قضَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالشُّفْعة في كلّ ما لم يُقْسَم، فإذا وقعَتِ الحدودُ وصرفت الطرق، فلا شُفعَة»، وفي رواية مسلم: «الشُّفْعة في كلِّ شِرْكٍ في أرْضٍ، أو رَبْع، أو حائط، لا يَصْلح- وفي لفظ لا يَحِلُّ- أنْ يَبيعَ حَتّى يَعْرِضَ على شَرِيكه».
معنى الشفعة
- قوله: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالشُّفْعَةِ...» الشُّفْعَةُ: تدور مادة «شفع» في اللغة على معنى الازدواج والزيادة والإعانة؛ فالشَّفْع: الزوج، وهو ضد الوِتْر، وقوله -تعالى-: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً} (النساء: 85)؛ أي: مَن يَزِد عَملاً إلى عمل، قال في القاموس: وصاحب الشفعة بالضم، وهي أنْ تشفع فيما تطلبه فتضمَّه إلى ما عندك فَتَشْفَعَه؛ أي: تَزيدَه، وعند الفقهاء حق تملُّك الشِّقْصِ على شريكه المتجدد ملكُه قهرًا بعِوَض. اهـ. قال الحافظ في الفتح: والشُّفْعة بضم المعجمة وسكون الفاء، وغلِط مَن حرَّكها، وهي مأخوذة لغةً مِن الشَّفع، وهو الزَّوْج، وقيل: مِنَ الزيادة، وقيل: مِنَ الإعانة، وفي الشرع: انتقال حِصَّة شريكٍ إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبيٍّ؛ بمثل العِوَض المُسمَّى. اهـ.
- قوله: «قضَى» أي: حكم ووصَّى، «بالشُّفْعة» أي: بثُبُوت حقِّ الشَّريك في تَمَلُّكِ شِقْصِ شَريكه، بمثل العِوَض المسمَّى، إذا باعه على مَنْ ليس بشريك.
- قوله: «في كل ما لم يُقْسَم» أي: في كلّ مالٍ بين شركاءَ؛ لم تسبق قسمتُه بينهم، «في كل شيء» يعني: مِنْ عَقَار، أو أرضٍ، أو منقول، أو حيوان، أو غير ذلك، ممّا تجري فيه الشركة.
- قوله: «فإذا وَقَعت الحُدُود» أي: فإذا كان قد تمَّ تحديد نصيبِ كلِّ شريك، ووُضع منارُه وأعلامه.
- قوله: «وصُرِّفَتِ الطرقُ» أي: بُيِّنت مصارفُ الطرقِ وشوارعُها، قال في الفتح: وقال ابن مالك: معناه خلصت وبانت، وهو مشتقٌّ من الصِّرف - بكسر المهملة - الخالص من كلِّ شيء. اهـ.
- قوله: «فلا شفعة» أي: إذا تمَّ البيع بعد التّحديد وتصريف الطرق، فلا حقّ في الشفعة لمن كان شريكًا.

من فوائد الحديث
- دليلٌ على إثباتِ الشُّفعة في المَشَاعِ، ونفيِها عمَّا قد قُسم.
- أنه إذا تم تقسيمُ الأنصبة المشتركة وتحديدها، بطَل حقُّ الشفعة.
- حُكم الشفعة مما سبق به الإسلامُ جميعَ الأنظمة والقوانين في العالم، وهو شاهدٌ مِن أصدق الشهود العدول على دقَّة أحكام شريعة الإسلام، وشدة محافظتِها على أمْوال الناس، وسلامة قلوبِهم، وإبعاد الأذى والضّرر عنهم، وقد بدأت بعض الدول الأوربية بنقل حُكْم الشفعة إلى أنظمتها، والعمل به في محاكمها، والفضل ما شهدت به الأعداء، ولا شك أن من معجزات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الأمي- هذه التشريعاتِ الدقيقةَ، والأحكام الباهرة الخالدة، والقواعدَ المتينة التي تُقيم المجتمع المثالي، والأمة الصالحة، فلله الحمد وله المنة على نعمة الإسلام.
تعظيم شعائر الدين
جُبلت النفوس على تعظيم ما تعتقد مكانته وفضله؛ فتختلف الأمم والملل في مُعظَّماتها بحسب معتقداتها وتصوراتها، وقد يبلغ التعظيم عند بعض الناس حدَّ الغلو، فيصرفون شيئًا من العبادة لغير الله -تعالى-، أو يرفعون بعض المخلوقات فوق منزلتها التي تستحقها. أما المسلم، فأصل التعظيم في قلبه لله وحده؛ فهو -سبحانه- المستحق للعبادة والتقديس والإجلال، لا شريك له، كما يعظِّم المسلم ما عظَّمه الله -تعالى- وأمر بتعظيمه، كلٌّ بحسب منزلته الشرعية؛ فيعظِّم أنبياء الله ورسله من غير غلوٍّ فيهم، ويوقر كتابه وشرعه، ويعظِّم بيته الحرام، وحرماته وشعائره، ويلتزم أوامره ويجتنب نواهيه. وتعظيم شعائر الله ليس مظهرًا مجردًا، بل عبادة قلبية يظهر أثرها على الجوارح والسلوك؛ إذ تنبع من معرفة العبد بربه، وإجلاله لأمره ونهيه، وتعظيم كل ما عظَّمه -سبحانه-، قال -تعالى-: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} (الحج: 32)، فجعل -سبحانه- تعظيم شعائره أثرًا من آثار تقوى القلب ودليلًا عليها. كما قرن الله -تعالى- تعظيم حرماته بالخيرية للعبد، فقال -سبحانه-: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} (الحج: 30). وتعظيم حرمات الله يكون بالوقوف عند حدوده، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وصيانة ما عظَّمه الشرع من الاستخفاف أو الامتهان. ومن هنا فإن حقيقة تعظيم الدين لا تقف عند الكلمات والشعارات، وإنما تظهر في القلب خشيةً وإجلالًا، وفي القول أدبًا وتوقيرًا، وفي العمل امتثالًا واستقامةً. وكلما ازداد العبد معرفةً بالله وبدينه، كان أعظم توقيرًا لشعائره وحرماته؛ لأن تعظيم أمر الله من تعظيم الآمر -سبحانه-، وتعظيم شعائر الدين شاهد على حياة الإيمان في القلب.
لاتوجد تعليقات