إنها دار ابتلاء.. لا دار جزاء!
في اجتماعنا الأسبوعي، العائلي، مساء الخميس بعد صلاة العشاء، يتحدث الجميع عن كل شيء، ويبقى بعضنا مشغولا بهاتفه، وإذا كان ثمة أمر يحتاج إلى رأي الجميع، يطلب المتحدث الانتباه ليطرح الموضوع، توجه إلىَّ أخي أحمد: - لماذا لا ينتقم الله من الظالمين ويهلكهم وقد عاثوا في الأرض فسادا، يقتلون المسلمين العزل في بلدان كثيرة، ويحرقون منازلهم، ويهدمونها على رؤوسهم، ويشردونهم بلا مأوى؟ قاطعته: هل تسأل عن الأمر؟ أم تريد أن تفضفض؟ و كان يتحدث منفعلا. - كل هذا الظلم على الأرض هل يرضاه الله؟ - كلا، إن الله لا يرضى عن الظلم، ولا يحب الظالمين. - إذًا لماذا لا يهلك الظلمة الذين يستبيحون دماء المسلمين المصلين الموحدين؟! - ببساطة؛ لأن الدنيا دار ابتلاء، وليست دار جزاء، دعني أروي لك حديثا صحيحا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو في البخاري، والحديث كان في مكة قبل هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد عانى المسلمون من عذاب الكفار الظلمة، يقول خباب - رضي الله عنه -: «شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه! ولكنكم تستعجلون», إن الدنيا دار اختبار وبلاء للجميع، ولو عذب الله الكفار والظلمة والمنافقين، وأغدق على الصالحين؛ لما كانت دار ابتلاء. - ولكن إلى متى هذا الظلم؟ كان بقية الإخوة والأخوات ينصتون إلى الحوار؛ فقد استحوذ على انتباه الجميع! - الحياة كلها ابتلاء، ليس إلى متى، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، إلى قيام الساعة، ثم يبدأ الجزاء النهائي، وقيامة كل إنسان موته، فإذا مات تبدأ مرحلة الجزاء، أما قبل ذلك فالأمر كله ابتلاء، وعلى المظلوم الصبر الجميل، اسمع قول الله -تعالى-: {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} (الزخرف)، في تفسير السعدي لهذه الآيات: يخبر -تعالى- بأن الدنيا لا تساوي عنده شيئا، وأنه لولا لطفه ورحمته بعباده، لوسع الدنيا على الذين كفروا توسيعا عظيما، ولجعل {لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ} أي درجا من فضة {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} على سطوحهم. {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ} من فضة، ولجعل لهم {زخرفا}، أي: لَزَخرفَ لهم دنياهم بأنواع الزخارف، وأعطاهم ما يشتهون، ولكن منع ذلك رحمة بعباده وخوفا عليهم من التسارع في الكفر وكثرة المعاصي بسبب حب الدنيا؛ ففي هذا دليل على أنه يمنع العباد بعض أمور الدنيا منعا عاما أو خاصا لمصالحهم، وأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن كل هذه المذكورات متاع الحياة الدنيا، منغصة، مكدرة، فانية، وأن الآخرة عند الله -تعالى- خير للمتقين لربهم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ لأن نعيمها تام كامل من كل وجه، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون، فما أشد الفرق بين الدارين!. انتهيت من قراءة التفسير من هاتفي. بقي (أحمد) منفعلا، متضايقا، تابعت حديثي: - ينبغي على العبد المؤمن أن يتذكر دائما، أن هذه الدنيا دار ابتلاء، وتكون عقيدة راسخة في قلبه، لاسيما إذا نزلت به المصائب، مصيبة تلو مصيبة، يحمدالله دائما، ويصبر، ويلجأ إلى الله، يدعوه ويتضرع إليه، ويزداد إيمانا ويقينا بالله -عز وجل-، دون شكوى أو تسخط على الله -عز وجل- عقيدته: «من رضي بقضاء الله رضي الله عنه، ومن تسخط من قضاء الله سخط الله عليه»، والعبد لا يملك أن يدفع قضاء الله، أبدا؛ فيصبر صبرا جميلا، لا شكوى فيه ولا سخط حتى يكتب من الصابرين: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10). تدخلت شقيقتي (أم عبدالرحمن): - (أستغفر الله)، هكذا بدأت حديثها. - أحيانا يشعر المرء أنه تعب من المصائب؛ فيهمس الشيطان في أذنيه، (إلى متى؟)، وهنا تأتي اللحظة الفارقة بين الناس، من كان ذا إيمان وعقيدة قوية، وبين من لم يكن، ولعل هذا معنى قول الله -تعالى- في سورة الشعراء: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت). يخبر -تعالى- عن (تمام) حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال: «إنه مؤمن» وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حال يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فلو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته -سبحانه وتعالى- في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عما أمر الله به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته، ومن كان عند ورود الشبهات يتأثر قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دل ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه، والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا الله، فمستقل ومستكثر.
لاتوجد تعليقات