رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 29 سبتمبر، 2026 0 تعليق

رؤية شرعية وفقهية .. تمثيل مشاهد القيامة بالذكاء الاصطناعي

  • لا يصح تمثيل الجنة أو النار بمشاهد من الدنيا فحقيقة الصورة لا تعني صحة تمثيلها للغيب
  • أحوال يوم القيامة من الغيب ومصدر معرفتها الوحي فلا نتجاوز ما أخبر به القرآن والسُنَّة إلى تخيل كيفيتها
  • هناك فرق بين شرح النص وتجسيد الغيب فالشرح يبيّن المعنى أما التجسيد فيضيف هيئة وتفاصيل لم يرد بها النص
  • يرجح البحث تحريم تجسيد مشاهد الآخرة بهيئات متخيلة فثبوت الحدث في الوحي لا يعني العلم بكيفيته
  • أقوى أسباب المنع القول على الله بغير علم لما يضيفه التجسيد إلى الخبر الغيبي من هيئات وتفاصيل لم يثبتها الوحي
  • وصف المشهد بأنه «تخيلي» أو «تقريبي» لا يرفع الإشكال الشرعي وحسن مقصد الوعظ لا يبيح تجسيد الغيب بهيئات متخيلة
  • قد تؤثر الصورة المصطنعة في تلقي النصوص الشرعية إذ تربط الخبر الغيبي بهيئة متخيلة وتحصر تصوره في صور الدنيا
  • تُشرع وسائل التعليم التي لا تجسّد كيفية الغيب كعرض النصوص وشرحها واستخدام المخططات والرموز المنضبطة
  • الذكاء الاصطناعي يوسّع قدرات التصوير والتعبير لكنه لا يمنح معرفة بالغيب فالعبرة بما ثبت في الوحي لا بواقعية الصورة وتأثيرها
 

كتبه: نبيل العشاري

الإيمان باليوم الآخر وتذكر العاقبة والتأمل في أمر الآخرة يبعث على مراقبة الله، ويذكي في النفوس الخوف من عقابه، والرجاء في ثوابه، والاستعداد للقائه، وقد أتاحت برمجيات الذكاء الاصطناعي إنشاء مشاهد للبعث والحشر والجنة والنار، تبدو قريبة من المشاهدة الحسية، بات يعرضها بعض صناع المحتوى بقصد الوعظ والتعليم، بيد أن هذه الوسيلة لا تنقل ألفاظ الخبر فحسب، بل تضيف إليها هيئة وألوانًا وحركات، فتؤثر في تصور المتلقي لما أخبر به الوحي، ومن هنا جاءت الحاجة إلى بحث هذه الوسيلة النازلة وبيان حكمها.

       وتتلخص مشكلة البحث في السؤال الآتي: ما حكم تمثيل مشاهد يوم القيامة بالذكاء الاصطناعي، وما المناط المؤثر فيه؟ وللإجابة عن هذا السؤال، كان لابد من الجمع بين التأصيل بالنصوص، وتحرير الوصف المعتبر، والنظر في طرائق تطبيقه، كما ينحصر في التمثيل البصري لأحوال الآخرة، مع الاستفادة من أحكام تمثيل الشخصيات المعظمة بقدر صلتها بالمسألة، دون استيعاب الخلاف في الصور الرقمية أو تناول تقنيات الصوت، وينتظم في ثلاثة مباحث مختصرة: معرفة الغيب وحدود تصويره، وأسباب المنع ومناقشة الاعتراضات، ثم تنزيل الحكم على صور النازلة.  

المبحث الأول: معرفة الغيب وحدود تصويره

أولًا: الوحي مصدر معرفة أحوال الآخرة

       قال -تعالى-: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} (الجن). فمعرفة تفاصيل الآخرة تتبع ما أطلع الله عليه رسله، ولا تُستكمل بالتخمين. وهذا يختلف عن غياب الأشخاص والأحداث التاريخية عن مشاهدتنا؛ فقد عرفها من عاصرها بالمشاهدة ونقل أخبارها، فلا يكفي الاشتراك في لفظ الغيب للتسوية بين أحكامها.

ثانيًا: فهم أوصاف الغيب لا يعني الإحاطة بكيفيته

        لا يعني اختصاص الوحي بالإخبار عن الآخرة أن أوصافها مجهولة المعنى. قال ابن تيمية: «فنحن إذا أخبرنا الله بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار، علمنا معنى ذلك وفهمنا ما أريد منّا فهمه بذلك الخطاب، وفسّرنا ذلك»، كما قال في ماء الجنة: «لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا»، فنفهم الخبر ونثبت أوصافه، دون أن ندعي الإحاطة بكيفيته أو نجعله مماثلًا لما نشاهده في الدنيا. وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء»، فنعيم الجنة أعظم مما نراه ونتخيله في الدنيا، وإن كنا نفهم معاني الأوصاف التي وردت فيه، والحديث يبيّن هذا الفرق، لكنه لا يبيّن بمفرده حكم كل وسيلة تستخدم في تعليم الناس عن الجنة.

ثالثًا: الفرق بين شرح الخبر وتجسيد حقيقته

       ثبت في السنة عن أحوال البعث: قوله - صلى الله عليه وسلم - «ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل»، فهذا التشبيه يبين وجهًا معلومًا، ولا ينقل جميع خصائص النبات إلى الأجساد، ولا يبيح إنشاء مشهد كامل لمراحل خروجها ونسبته إلى الحديث، فالشرح يوضح ما دل عليه الخبر، أما التجسيد فيختار هيئة محسوسة بعينها، ومن هنا كان الفرق بين إثبات الوصف الذي جاء به النص، واختراع صورة يقال إنها تبين حقيقته أو تحاكيها.

رابعًا: بيان ما أثبته الوحي والوقوف عند حدوده

       لما كان تصوير هذه المشاهد يتضمن إضافة تفاصيل إلى ما أخبر به الوحي، وجب النظر في صحة نسبتها إليه؛ قال -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36)، وقال سبحانه: {وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (الأعراف: 33)»، وقد بيّن أهل العلم شمول النهي للقول والعمل بغير علم، مع اعتبار ما قام الدليل على العمل به من الظن، فليس التخيل الفني دليلًا على كيفية أخروية، ولا يمنحه إتقان المحتوى المصنوع حجية يفتقر إليها صاحبه. كما لا يعني الوقوف عند حدود الخبر إغفال ما بيّنه الوحي من أحوال الآخرة؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا»، وورد في خبر الجسر ذكر الخطاطيف والكلاليب وتفاوت الناس في المرور عليه، فموقف الشارح أو الواعظ ليس إبهام ما فصله الوحي، بل الوقوف عنده: يشرح الألفاظ ويبين دلالتها، دون تحويلها إلى مشهد يوهم الإحاطة بما وراءها، ومن الخطأ أن يؤدي التحفظ من التجسيد إلى الامتناع عن تعليم هذه الأخبار، كما أن من الخطأ أن يتخذ تعليمها ذريعة لعرض تفاصيل لا يدل عليها النص؛ فصيانة الخبر تشمل حفظ معناه وحفظ حدوده معًا.

المبحث الثاني: أسباب المنع ومناط انطباقها

        قال الشاطبي في تحقيق المناط: «أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله»، ولتجسيد الغيبيات أسباب متعددة للمنع، قد يجتمع بعضها في المشهد الواحد، وقد ينفرد أحدها؛ ولذلك يلزم بيان كل سبب ودليله، ثم النظر في وجوده في الصورة المعينة.

أولًا: القول على الله بغير علم

        قال -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36)، وقال -سبحانه-: {وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (الأعراف: 33)، وهذا أقوى مستند للمنع حين تُقدَّم الهيئة المتخيلة تصويرًا لما أخبر به الوحي؛ لأن صانع المحتوى يضيف إلى الخبر أشكالًا وألوانًا وحركات لم يتلقها عنه، ثم يجعلها بيانًا لحقيقة غيبية، فثبوت الميزان مثلًا لا يجعل الأبعاد والألوان التي يختارها البرنامج صفات للميزان الأخروي، ولا يبيح ثبوت أصل الخبر اختراع هيئة له؛ فإن كان الخبر نفسه مختلقًا، اجتمع اختلاق الخبر والهيئة المنسوبة إليه، وتتحقق هذه النسبة بالتصريح، أو بدلالة العنوان والتعليق واقتران الصورة بالتلاوة على أنها شرح للخبر. ولا يزول سبب المنع بمجرد الكتابة أول الفيديو إن المشاهد تخيلية أو تقريبية، ما دامت المشاهد تُعرض لتبيّن شكل ما يقع في الآخرة؛ فالقول إنها لا تطابق الحقيقة لا يجعلها تصويرًا صحيحًا لها، أما الرموز التي ترتب المعلومات دون أن ترسم كيفية الغيب، فلا يشملها هذا السبب من أسباب المنع.

ثانيًا: تصوير ذوات الأرواح والمضاهاة بخلق الله

        قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله»، ووجّه ابن عباس المصور إلى تصوير الشجر وما ليس فيه روح، وقال الشوكاني في شرح هذا التوجيه: «فيه الإذن بتصوير الشجر وكل ما ليس له نفس وهو يدل على اختصاص التحريم بتصوير الحيوانات». وهذا سبب يتعلق بما يشتمل عليه المشهد من صور ذوات الأرواح، ويبحث انطباقه بحسب نوع الصورة وحكمها، وهو غير السبب السابق؛ فالأول يتعلق بصدق ما تخبر به الصورة، وهذا يتعلق بصناعتها. ولذلك لا تعلل به وحده صور انشقاق السماء أو نسف الجبال، كما أن القول بجواز بعض الصور الرقمية لا يبيح استعمالها في نسبة هيئة متخيلة إلى الغيب.

ثالثًا: الإخلال بتلقي أخبار الآخرة وتعظيمها

       قد تفرض الصورة المصطنعة على المتلقي هيئة يستحضرها كلما سمع النص، فتشغله بتفاصيل المشهد عن معاني الخوف والرجاء والاتعاظ، أو تحصر تصوره فيما ألفه من صور الدنيا، ويقوى هذا الأثر حين تعرض المشاهد مع التلاوة بوصفها بيانًا لمعناها، ومستند اعتبار هذا السبب أصل النظر في المآلات؛ قال الشاطبي: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة»؛ فالوسيلة لا تقوّم بقصد صانعها وحده، بل بما يرجح أن تؤدي إليه. وهذا السبب يعد حيث تدل قرائن العرض والاستعمال على رجحان الضرر، ولا يكفي فيه احتمال بعيد، ولا يلزم أن يصيب الضرر كل مُشاهد؛ ولهذا يكون مؤيدًا للمنع في محل البحث، دون تعليق الحكم كله على دعوى أن كل صورة تزيل الهيبة، وقد فرّق الأصوليون بين الحكمة الظاهرة المنضبطة وما يخفى أو يتفاوت ويصعب ضبطه.

رابعًا: الإخلال بحرمة الملائكة والأنبياء والصالحين

        تختص مشاهد تمثيل الشخصيات المعظمة بوجوب صيانة حرمتها من الانتقاص والابتذال، وقد منع المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي تمثيل الأنبياء والصحابة، مراعاة لمكانتهم وما قد يؤدي إليه التمثيل من الانتقاص وإضافة المتخيل إلى سيرتهم، «وقد منعت دار الإفتاء المصرية تجسيد الأنبياء والرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- أجمعين في الأعمال الفنية والدرامية بشكل قاطع، وجاء هذا الموقف بناءً على أن الأنبياء هم أفضل البشر، وميزهم الله بالعصمة، وتجسيدهم في صورة بشرية قد يمس بمكانتهم السامية وصورتهم الذهنية المستقرة في نفوس المسلمين وتعظيمهم لها». ويستفاد من هذه القرارات اعتبار الحرمة وأثر التمثيل فيها، أما الملائكة، فيجتمع في تمثيلهم النظر في حرمتهم مع كونهم من عالم الغيب؛ فلا تقدم هيئة مخترعة على أنها صورتهم، وتبقى لكل فئة أدلتها وأحكامها، ولا ينقل هذا السبب إلى مشاهد النار والجبال، ولا تسوى أحوال الآخرة بالأشخاص التاريخيين لمجرد غيابهم عن مشاهدتنا.

خامسًا: فتح ذرائع الغلو والشرك

        روى البخاري عن ابن عباس في ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر أنهم أسماء رجال صالحين، وأن قومهم نصبوا أنصابًا بأسمائهم، ثم قال: «ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت»، فهذه الأنصاب لم تعبد عند إنشائها، لكن آلت إليهم العبادة بعد ذهاب العلم. ووجه الاستدلال أن حسن القصد أول الأمر لا يمنع فساد المآل، وأن تمثيل المعظّمين قد يصبح وسيلة للغلو فيهم، ويعتبر هذا السبب في الصور التي ترجح فيها هذه المفسدة بحسب عرضها واستعمالها؛ فلا يلزم أن كل صورة تؤدي إلى الشرك، ولا يصح جعله تعليلًا تلقائيًا لتصوير النار والصراط وسائر المشاهد. ولا يزيل أسباب المنع المتقدمة قصد الوعظ أو التعليم؛ قال الغزالي: «لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع»، كما أن أصل الإباحة في الوسائل المعتادة لا يشمل ما قام فيه سبب ثابت للتحريم، فالعبرة بتحقق السبب في العمل، مع إمكان التذكير بالآخرة بالنصوص وشرحها بالوسائل التعليمية الصحيحة.

المبحث الثالث: تنزيل الحكم على الصور السابقة

  • بعد بيان أسباب المنع وحدود انطباقها، يأتي النظر في الصور العملية للمسألة؛ إذ يختلف تجسيد أحوال الآخرة عن عرض النصوص والرموز التعليمية، كما يختلف نشر المشاهد تصديقًا لها عن عرضها لبيان خطئها، ويمكن جمع هذه الصور فيما يأتي:

أولًا: حكم تجسيد مشاهد الآخرة بهيئات متخيلة

       كأن يصنع صاحب المحتوى مشهدًا لخروج الأجساد من القبور، أو للمرور على الصراط، أو لنعيم الجنة وعذاب النار، ويعرضه بوصفه تصويرًا لما أخبر به الوحي، والراجح تحريم هذه الصورة؛ لأن صانع المحتوى حوّل الهيئة التي اختارها من خياله إلى بيان لحقيقة غيبية. ولا يبيحها ثبوت أصل الحدث في القرآن أو السنة؛ فالمنع هنا متعلق بتجسيده بالهيئة المتخيلة. ولا يختلف هذا الحكم لمجرد أن أصل الحدث ورد في حديث صحيح؛ فثبوت البعث أو الصراط لا يثبت صحة الشكل الذي اختاره صانع المحتوى لتمثيله، فالخبر الصحيح قد تلحق به هيئة مختلقة، وإن كان الخبر نفسه موضوعًا اجتمع اختلاق الخبر واختلاق الهيئة المنسوبة إليه، فصحة الأصل لا تبيح الزيادة عليه، وبطلان الأصل يزيد العمل خللًا.

ثانيًا: حكم استخدام مشاهد الدنيا لتمثيل الجنة والنار

        يدخل في هذا الحكم عرض حديقة أو نار من مشاهد الدنيا لتمثيل الجنة أو جهنم؛ فكون الصورة مأخوذة من الواقع لا يصحح نسبتها إلى الآخرة، أما المشهد الطبيعي الذي يعرض للاعتبار بقدرة الله دون جعله صورة للحدث الأخروي، فلا يلحق بذلك من هذه الجهة بل يدخل في عموم قوله -تعالى-: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ}(يونس:101).

ثالثًا: حكم عرض النصوص والمخططات التعليمية

       ويختلف عن التجسيد عرض الآيات والأحاديث وشرحها، أو وضع كلمة البعث في مربع داخل مخطط تعليمي، ولو ظهر في مقطع مرئي، فهذا ينظم المعلومة ولا يرسم هيئة الأجساد، فيجوز إذا صحت معلوماته وخلا من المحظورات، ويجب أن تصدق العلاقات التي يعرضها أيضًا؛ فقد يدل سهم بين حدثين على ترتيب لم يثبت، فالمعتبر مضمون الوسيلة ودلالتها، لا مجرد تسميتها تعليمية، ومجرد ذكر يوم القيامة في عنوان المقطع لا يعني أن صانع المحتوى ينسب جميع تفاصيله إلى ما جاء في الوحي.

رابعًا: حكم المشاهد الموصوفة بالتخيل والتقريب

        قد يصرّح صانع المحتوى بأن المشاهد تخيلية، وأنه يقصد بها التقريب والموعظة، غير أن هذا التنبيه لا يرفع التحريم ما دام يعرضها تصويرًا لهيئة ما يقع في الآخرة؛ فنفي المطابقة للحقيقة لا يثبت صحة التقريب، وحسن الغرض لا يبيح نسبة الهيئة المتخيلة إلى الغيب، وقد نصت دار الإفتاء المصرية على منع تصوير أحداث القيامة بالذكاء الاصطناعي، وإن كانت للتقريب لا حكاية الحقيقة، وهي فتوى مباشرة في موضوع البحث. ولا يصح تسوية هذه المشاهد بما يمر في النفس من خواطر؛ فالخاطر العابر يختلف عن صورة يصنعها صاحبها وينشرها للناس مقرونة بالنصوص والتعليقات لتبين لهم أحوال الآخرة، والعبرة بما يقدمه المشهد من معنى، لا بمجرد وصفه بأنه خيالي، ولا بدرجة إتقانه، أما الرموز التعليمية التي تنظم المعلومات دون تصوير كيفية الغيب، فقد تقدم بيان حكمها.

خامسًا: حكم إعادة نشر المشاهد وعرضها للنقد

       ويشمل هذا النظر إعادة النشر؛ فمن يذيع المشهد على أنه بيان صحيح للآخرة يكرر نسبته إليها اخذ حكم صانعه، ولا يعفيه قصد الوعظ من جريرة الحكم. أما عرضه لبيان خطئه، مع وضوح الغرض، فليس كنشره تصديقًا له، وهذا من اعتبار حكم الوسيلة بحسب ما تؤدي إليه، لا من التسوية بين كل مشاهدة أو نقل.

منع تجسيد حقائق الآخرة

        انتهى البحث إلى ترجيح منع تجسيد حقائق الآخرة بهيئات متخيلة تقدم تصويرًا لها، وأن أقوى مستنده النهي عن القول بغير علم بعد تحقق دلالة العرض على النسبة إلى الغيب، ويؤيده اعتبار أثر الصورة في التلقي والتعظيم، وتراعى أحكام التصوير وحرمة الأشخاص وسد ذرائع الغلو في مواضعها كما أن ثبوت أصل الخبر أو حسن المقصد أو إعلان التخيل لا يبيح الهيئة المخترعة، بينما يبقى البيان بالنصوص والرموز الصحيحة مجالًا مشروعًا للتعليم، وتطبيق هذه النتيجة يقتضي فهم العمل كاملًا، والفصل بين صحة المعلومة وقوة تأثيرها؛ فالتقنية توسع وسائل التعبير، ولا تمنح معرفة بالغيب.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك