رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 29 سبتمبر، 2026 0 تعليق

معلم الخير .. رسالة لا تنتهي

    • ضعف الدعم الإداري للمعلم عند التجاوزات وتركه يواجه المشكلات السلوكية منفردًا يحدّ من قدرته على أداء دوره التربوي
    • المسباح: هيبة المعلم ليست سلطة تُنتزع بالقوة بل مكانة تُبنى بالكفاءة وقدوة تُثبتها الأخلاق واحترام يصنعه حسن التعامل
    • الاهتمام بحقوق الطالب ضرورة لكن ينبغي أن يصاحبه تأكيد واضح على واجباته واحترامه لمعلمه ومدرسته
    • أسهم الإعلام ووسائل التواصل في تغيير الصورة الذهنية للمعلم من خلال تقديمه بصورة ساخرة في الأعمال الدرامية
    • مكانة المعلم تبدأ من المعلم نفسه فالعلم والكفاءة والعدل والاتزان وحسن الخلق واحترام الآخرين هي المصادر الحقيقية للهيبة
    • المضاحكة: التأخر والغياب وضعف الإعداد وقلة الاهتمام بالطلاب تُفقد المعلم احترامه فالطالب يميز بين المعلم المخلص والمتهاون
    • الحسينان: تضخم الأعباء الإدارية والتنظيمية يستنزف وقت المعلم وجهده فضلا عن الضغوط الاقتصادية وعدم تناسب الدخل مع مكانة المهنة
    • احترام الأسرة للمعلم عنصر حاسم فانتقاده أو الإساءة إليه أمام الأبناء يضعف مكانته ويشجع على التجاوز بحقه
    • تمكين المعلم ضرورة تربوية فلا يصح مطالبته بضبط السلوك وتربية الطلاب مع تجريده من أدوات التوجيه والانضباط أو ضعف دعم الإدارة له
    • الكوس: تراجع دور الأسرة من أبرز أسباب ضعف الهيبة حيث ضعفت لدى بعضهم ثقافة توقير المعلم
    • د. اللوغاني: اختيار غير المؤهلين أو غير الراغبين في مهنة التعليم ينعكس على هيبتها فالتعليم رسالة تحتاج إلى الدافعية والكفاءة والإيمان بأهمية دور المعلم
    • السعيد: الأعباء الإدارية والمهنية تؤثر في أداء المعلم ومكانته إذ تستنزف الإجراءات التنظيمية جزءًا من وقته وجهده على حساب التطوير المهني والتربوي
    • اللوغاني: الحفاظ على مكانة المعلم مسؤولية مشتركة يأتي في مقدمتها تقدير الدولة والمجتمع لرسالته مشيرا بذلك إلى اهتمام سمو أمير البلاد بتكريم المعلمين المميزين كل عام دون سائر المهن الأخرى
    • مكانة المعلم لا تعني الخوف منه فالهيبة الحقيقية تقوم على الاحترام والتقدير والثقة
    • العجمي: حفظ كرامة الطالب لا يتعارض مع هيبة المعلم فالمدرسة الناجحة تقوم على الاحترام المتبادل وتوازن الحقوق والواجبات والعدل في المحاسبة
    • القحطاني: المكانة الحقيقية تُكتسب ولا تُفرض وأساسها التمكن العلمي وحسن الخلق والعدل والقدرة على التواصل وإدارة الصف
    • د.اللوغاني: ترتبط مكانة المعلم بتقدير المجتمع له فكلما حظي بالاحترام من الأسرة والطلاب والمجتمع تعززت مكانته المهنية والتربوية
     

    التعليم رسالة بناءٍ وهداية؛ فالمعلم لا ينقل المعرفة فحسب، وإنما يصوغ العقول، ويهذّب النفوس، ويغرس القيم، ويصنع أجيال المستقبل، وقد رفع الإسلام منزلة العلم وأهله، فقال -تعالى-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ وملائكتَه وأهلَ السماواتِ والأرضينَ، حتى النملةَ في جُحرها، وحتى الحوتَ، ليُصلُّون على معلِّم الناس الخير»، وهي منزلة تكشف عظم رسالته وشرف أثرها؛ فالمعلم مربٍّ قبل أن يكون ملقِّنًا، وقدوة قبل أن يكون شارحًا، يفتح أبواب المعرفة، ويربط العلم بالقيم، ويُنمِّي في طلابه الوعي والمسؤولية؛ ومن هنا، فإن الحفاظ على مكانته وهيبته ليس تكريمًا لشخصه فحسب، بل حماية للتعليم وصيانة لمستقبل الأجيال. وهيبة المعلم لا تعني الخوف منه، وإنما احترام علمه وتقدير رسالته، في مقابل التزامه بالعدل والرحمة وحسن القدوة، فكم من كلمةٍ قالها معلم غيّرت حياة! وكم من قيمةٍ غرسها بقي أثرها بعد رحيله! ولذلك كان المعلم رسالة خير لا تنتهي.

    أولا: كيف حافظ الإسلام على مكانة المعلم؟

            لم ينظر الإسلام إلى المعلم باعتباره مؤديًا لوظيفة فحسب، وإنما صاحب رسالة يسهم في بناء الإنسان وإصلاح المجتمع؛ ولذلك أحاطه بمنظومة من القيم والآداب التي تحفظ مكانته، وتجعل احترامه نابعًا من تعظيم العلم الذي يحمله، وحسن أدائه للأمانة التي يقوم بها.

    1- رفع مكانة العلم وأهله

           بدأ الإسلام بتعظيم العلم نفسه، فكانت أول كلمة من الوحي: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (العلق: 1)، ورفع الله أهل العلم درجات، فقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (الزمر: 9)، وحين يُغرس في نفوس الأبناء أن العلم قيمة عظيمة، فإن احترام من يعلمهم يصبح جزءًا من احترامهم للعلم ذاته.

    2- أدب المتعلم مع معلمه

           رسخ الإسلام أدب طالب العلم مع معلمه؛ ومن أبلغ نماذجه قصة موسى والخضر -عليهما السلام-، حين قال موسى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} (الكهف: 66)، فعلى الرغم من مكانة موسى -عليه السلام-، خاطب من سيتعلم منه بأدب وتواضع، واستأذنه في صحبته والتعلم منه، وهذا يؤسس لمعنى تربوي مهم: أن العلم لا ينفصل عن أدب التلقي؛ فلا يستقيم تعليم في بيئة يستهين فيها الطالب بمعلمه، أو يتطاول عليه، أو يسخر منه.

    3- التعليم رسالة سامية

           وزاد الإسلام من مكانة التعليم حين جعله من أبواب نشر الخير، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». كما وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - رسالته بالتعليم فقال: «إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا»، وهذا يمنح مهنة التعليم بعدًا يتجاوز الوظيفة والراتب؛ فالمعلم مؤتمن على العقول والقيم والسلوك، وأثره قد يمتد في حياة طلابه سنوات طويلة.

    4- الهيبة بالرحمة لا بالتسلط

           ومع هذا التكريم، لم يجعل الإسلام هيبة المعلم قائمة على التخويف أو الإهانة أو العنف، وإنما أقامها على العلم والعدل والرحمة وحسن الخلق. والنبي - صلى الله عليه وسلم -  كان رفيقًا بأصحابه، يصحح الخطأ دون إهدار للكرامة، وييسر التعليم، ويختار الأسلوب المناسب للمتعلم؛ فالهيبة التربوية الحقيقية لا تعني أن يخاف الطالب من معلمه، وإنما أن يحترمه ويثق بعلمه، ويعرف حدوده معه، ويقدر رسالته.

    5- المعلم مطالب بأن يصون هيبته

          وكما أن الإسلام طالب المتعلم بالأدب، فإنه حمّل المعلم مسؤولية المحافظة على مكانته؛ بالقدوة الحسنة، والعدل بين الطلاب، وإتقان مادته، وضبط انفعالاته، والرفق في التعليم، والابتعاد عن السخرية والإهانة والتمييز؛ فالمعلم الذي يناقض سلوكه ما يدعو إليه يُضعف أثره بيده؛ ولذلك قال -تعالى-: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} (البقرة: 44)، ومن هنا ترتبط هيبة المعلم أيضًا بقدرته على أن يكون نموذجًا وقدوة لما يعلِّمه.

    ثانيًا: أسباب تراجع مكانة المعلم

           وللوقوف على أسباب تراجع مكانة المعلم وسبل استعادة مكانته وتعزيز دوره التربوي، استطلعت «الفرقان» آراء عدد من المختصين والتربويين؛ لرصد أبرز العوامل المؤثرة، وطرح رؤى عملية تسهم في إعادة الاعتبار لرسالته ومكانته.

    مكانة المعلم تُبنى بالعلم والشخصية

            في البداية قال الموجه العام لمادة التربية الإسلامية سابقًا، ورئيس جمعية الماهر بالقرآن الشيخ جاسم المسباح: إن مكانة المعلم وهيبته لا تُفرض بالصوت المرتفع أو الشدة، وإنما تُبنى من شخصية المعلم نفسه؛ فكلما احترم المعلم ذاته وطلابه، وأحسن التصرف معهم، وجمع بين الرحمة والحزم، استطاع أن يفرض احترامه بطريقة مألوفة، وأن يصنع لنفسه مكانة راسخة في نفوس طلابه.

    المعلم الناجح

           وأضاف المسباح أنَّ المعلم الناجح هو الذي يعرف متى يكون قريبًا ودودًا؟ ومتى يحتاج الموقف إلى الحزم والانضباط؟ دون أن يخلط بين الهيبة والقسوة؛ فالأصل أن تقوم العلاقة التربوية على الاحترام المتبادل، وأن يشعر الطالب بأن معلمه حريص عليه، يحفظ كرامته ويقدّر شخصيته، وفي الوقت نفسه لا يسمح بتجاوز الحدود أو الإخلال بالنظام.

    التمكن العلمي

            وأكد المسباح أن التمكن العلمي أحد أهم مصادر مكانة المعلم وهيبته؛ فالطالب يقدّر المعلم الذي ويحسن إعداد درسه، ويجيد طرق التدريس، ويستطيع إيصال المعلومة بوضوح وجاذبية. كما أن الإلمام بالفروق الفردية وخصائص النمو النفسية والعقلية والاجتماعية للطلاب يعين المعلم على اختيار الأسلوب المناسب لكل مرحلة عمرية.

    التعامل مع الطلاب

             وأشار المسباح إلى أن التعامل مع الطلاب لا يمكن أن يقوم على أسلوب واحد؛ فما يناسب طالب المرحلة الابتدائية يختلف عما يناسب طالب المرحلة المتوسطة أو الثانوية، ولا سيما أن مرحلة المراهقة تتميز بالرغبة في إثبات الذات والاستقلالية؛ ومن هنا يحتاج المعلم إلى قدر من الحكمة والمرونة وحسن التقدير للمواقف.

    من الأساليب المؤثرة

            وأوضح أن من الأساليب المؤثرة في حفظ مكانة المعلم معالجة الخطأ دون إهانة الطالب؛ فإذا صدر من أحد الطلاب سلوك غير مناسب، فمن الأفضل - متى أمكن - توجيهه بعيدًا عن زملائه، ومناقشته بهدوء، حتى لا يتحول التصحيح إلى مواجهة أو محاولة لكسر شخصيته أمام الآخرين. وقد أشار إلى تجربته في مخاطبة بعض الطلاب المشاغبين بطريقة فردية تحفظ لهم كرامتهم، مع إيصال رسالة واضحة بأن المعلم منتبه للسلوك ولن يسمح بتجاوزه.

    مكانة المعلم مسؤولية مشتركة

            وشددالمسباح على أن مكانة المعلم مسؤولية مشتركة؛ فشخصية المعلم وكفاءته وحسن إدارته للصف تمثل الأساس، لكن ذلك يحتاج أيضًا إلى إدارة مدرسية متعاونة تحفظ للمعلم مكانته، وتسانده في ضبط البيئة التعليمية، مع معرفة واضحة بحقوق الطالب وواجباته، مؤكدا أن المعلم الذي يجمع بين العلم والقدوة والحكمة والحزم والرحمة هو الأقدر على كسب قلوب طلابه واحترامهم؛ فالهيبة الحقيقية لا تعني أن يخاف الطالب من معلمه، وإنما أن يقدّره، ويحترم حضوره وكلمته، ويثق بأن حزمه نابع من حرصه على تربيته وتعليمه.

    خمسة أسباب وراء تراجع مكانة المعلم

           من جهته يرى رئيس فريق الأنشطة الدعوية في الجمعية الكويتية لتعزيز القيم، والمدير السابق لثانوية حمد الرجيب بكيفان فهد يعقوب المضاحكة، أن تراجع مكانة المعلم لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى عوامل يشترك فيها المجتمع والأسرة والمدرسة والمعلم نفسه، ومن أبرزها:
    • أولًا: النظرة المجتمعية السلبية؛ نظرة بعض أفراد المجتمع إلى التعليم باعتباره وظيفة عادية، والتقليل من شأن المعلم ومكانته، بما يضعف تقدير رسالته ودوره في بناء الأجيال.
    • ثانيًا: سوء تعامل بعض المعلمين، استخدام التهديد والتحقير والإهانة مع الطلبة يفقدهم الشعور بالأمان والاحترام، ويضعف العلاقة التربوية بينهم وبين معلمهم.
    • ثالثًا: عدم تقدير بعض أولياء الأمور؛ فانحياز بعض الآباء لأبنائهم قبل التثبت، والإساءة إلى المعلم أمامهم، يسقط هيبته في نفوس الطلاب ويشجعهم على التجرؤ عليه.
    • رابعًا: ضعف شخصية بعض المعلمين، فضعف إدارة الصف والتعامل مع الطلاب قد يعرض المعلم للاستهزاء والتجاوز؛ ما يستدعي دعمه وتطوير مهاراته التربوية والشخصية.
    • خامسًا: ضعف الجدية والأداء المهني، التأخر والغياب وضعف الإعداد للدرس وقلة الاهتمام بمصلحة الطلاب تفقد المعلم احترامهم؛ فالطالب يميز بين المعلم المخلص الحريص والمعلم المتهاون.

    مسؤولية مشتركة

            من جانبه قال د. صالح السعيد، الخبير الأسري والتربوي: تراجعت مكانة المعلم في السنوات الأخيرة لأسباب عدة، بداية ليس من العدل تحميل الطالب وحده المسؤولية؛ فقد تغيرت نظرة بعض الأسر والمجتمع إلى المعلم، وأصبح بعض أولياء الأمور يقفون مع أبنائهم في كل موقف، حتى لو كان الطالب مخطئًا، كما ركزت بعض الأنظمة على حقوق الطالب، وهو أمر مهم، لكنها لم توضح بالقدر نفسه واجباته تجاه معلمه ومدرسته.

    وأسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في المشكلة؛ إذ أصبح من السهل تصوير المعلم أو نشر موقف داخل الفصل والحكم عليه من مقطع قصير، وقد يتحول خطأ بسيط إلى قضية متداولة، بما يضعف مكانة المعلم ويجعله أحيانًا مترددًا في ممارسة دوره التربوي, وقد أعطى الإسلام للعلم وأهله مكانة عظيمة، قال -تعالى-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما بُعثتُ معلِّمًا»، لكن احترام المعلم لا يعني منحه الحق في إهانة الطالب أو ظلمه، كما أن حماية الطالب لا تعني السماح له بالتجاوز على معلمه؛ فالمطلوب هو التوازن بين الطرفين. ويبدأ هذا التوازن من البيت بتعليم الأبناء احترام المعلم، ومن المدرسة بوقوف الإدارة معه إذا طبق النظام بعدل، مع محاسبة أي معلم يتجاوز حدوده، ونحن بحاجة مع بداية كل عام دراسي إلى رسالة واضحة: للطالب حقوق تُحفظ وواجبات يؤديها، وللمعلم مكانة تُحترم؛ فحين نحفظ كرامة الطالب ومكانة المعلم معًا، نصنع بيئة تعليمية أفضل للجميع.

    حجر الزاوية في التعليم

            وعن مكانة المعلم في النظام التعليمي، قال الموجه الفني وعضو المجلس العربي للموهوبين والمتفوقين د. سالم الحسينان: تُعد مكانة المعلم الاجتماعية والتربوية حجر الزاوية في نجاح أي نظام تعليمي، إلا أن العقود الأخيرة شهدت تحولات عميقة أثرت في صورته ومكانته مقارنة بما كانت عليه في السابق.

    تحولات مجتمعية وتربوية

            وأوضح الحسينان أن من أبرز أسباب هذا التراجع تغير نظرة بعض الأسر إلى المدرسة؛ إذ تحول بعض أولياء الأمور من الشراكة معها إلى الدفاع غير المنضبط عن الأبناء، ومواجهة المعلم أو الإدارة عند تطبيق قواعد الانضباط، كما تراجع المفهوم التقليدي للسلطة التربوية، وظهرت أحيانًا نظرة استهلاكية للتعليم تتعامل مع الطالب بوصفه «عميلًا»، بما أضعف الدور التوجيهي للمعلم.

    التكنولوجيا غيّرت دور المعلم

            وأضاف أن التكنولوجيا أحدثت تحولًا كبيرًا في العلاقة بين الطالب والمعلم؛ فلم يعد المعلم المصدر الوحيد للمعلومة مع سهولة الوصول إلى المحتوى الرقمي والذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب تطوير دوره ليصبح أكثر توجيهًا وإرشادًا وتنميةً لمهارات التفكير والتحليل، كما أسهمت وسائل التواصل في تداول الهفوات الفردية أو الخلافات التي تقع داخل الفصول، وتحويل بعضها إلى قضايا عامة، بما يؤثر في الصورة الذهنية للمهنة.

    أعباء تضعف الدور التربوي

            وأشار الحسينان إلى أن تضخم الأعباء الإدارية والتنظيمية يستنزف جانبًا من وقت المعلم وجهده على حساب التطوير المهني والتفاعل مع الطلاب، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية في بعض المجتمعات وعدم تناسب الدخل مع مكانة المهنة، وما قد يترتب على ذلك من آثار في استقرار المعلم المهني ومكانته.

    التوازن بين الحقوق والواجبات

            وأكد أن المحافظة على مكانة المعلم لا تعني تغليب حقوقه على حقوق الطالب، وإنما بناء بيئة تعليمية تقوم على الاحترام المتبادل ووضوح الحقوق والواجبات؛ من خلال لوائح انضباط واضحة، وعقوبات تربوية متدرجة غير بدنية، وحماية الطالب من الإساءة، مع دعم الإدارة للمعلم وعدم تركه يواجه المشكلات السلوكية منفردًا.

    تمكين المعلم لا زيادة سلطته

            وشدد على أهمية تمكين المعلم مهنيًا وتربويًا، وتدريبه على أساليب إدارة الصف القائمة على الإقناع والاحتواء والذكاء العاطفي، وتطوير طرائق التدريس؛ لينتقل من مجرد نقل المعلومات إلى التوجيه وتنمية التفكير النقدي والتحليلي لدى الطلاب.

    تعزيز الشراكة بين الأسرة والمدرسة

           ودعا الحسينان إلى تعزيز الشراكة بين الأسرة والمدرسة، وتوعية أولياء الأمور بأن احترام المعلم جزء من التربية السليمة للأبناء، مع توفير قنوات رسمية ومحايدة لمعالجة الشكاوى والخلافات بعيدًا عن المواجهة أمام الطلاب، وختم الحسينان كلامه بالتأكيد على ضرورة تحسين الصورة المجتمعية للمعلم؛ بإبراز النماذج المتميزة، وتقدير دوره في بناء الأجيال، إلى جانب توفير الحوافز والبيئة المهنية المناسبة التي تشعره بقيمة رسالته وتعينه على أدائها بكفاءة.

    جملة من الأسباب

    وفي هذا السياق قال المدير المساعد في ثانوية ناصر السعيد، والإمام والخطيب المتطوع بوزارة الشؤون الإسلامية: حمد عبدالرحمن يوسف الكوس: إن تراجع مكانة المعلم يعود إلى جملة من الأسباب، أبرزها:
    • تراجع دور الأسرة في غرس احترام العلم والمعلم في نفوس الأبناء، وتعريفهم بمكانته ودوره في التربية وبناء الأجيال.
    • ضعف الوعي المجتمعي بقيمة المعلم وأثره في نهضة الأمم وتقدمها.
    • ضعف الحزم في بعض الإدارات المدرسية تجاه التجاوزات التي تصدر من بعض الطلاب بحق المعلمين، وعدم التعامل معها بالإجراءات التربوية والإدارية المناسبة.
    • عدم تفعيل العقوبات الرادعة تجاه من يسيء إلى المعلم أو ينتقص من مكانة التعليم.
    • الصورة الإعلامية للمعلم؛ فالإعلام قادر على تعزيز مكانته أو إضعافها، ولا سيما حين تقدمه بعض المقاطع أو الأعمال الدرامية بصورة ساخرة أو تقلل من شأنه؛ ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعلام هادف يعزز قيمة المعلم، ويبرز رسالته وأثره في بناء المجتمع.

    دور الإعلام في رسم صورة المعلم

           من جهته، يرى الموجه الفني لمادة التربية الإسلامية د. يعقوب اللوغاني أن من أبرز أسباب تراجع مكانة المعلم الصورة التي تقدمها بعض الأعمال الإعلامية والدرامية عنه؛ إذ يظهر أحيانًا بصورة ساخرة في مظهره وحديثه وانفعالاته وطريقة تدريسه، بما أسهم في تكوين صورة ذهنية لدى بعض الأجيال بأن المعلم ضعيف القدرات، أو أنه اختار المهنة اضطرارًا بحثًا عن الراتب والمزايا، لا إيمانًا برسالتها.

    التقدير المجتمعي

            وأضاف اللوغاني أن مكانة المعلم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتقدير المجتمع له داخل المدرسة وخارجها؛ فقد كان المعلم في السابق يحظى بمكانة رفيعة لدى الأسرة والطلاب والمجتمع، ومن ثم فإن استعادة هذه المكانة تتطلب تعزيز ثقافة احترام المعلم وتقدير رسالته التربوية.

    المهنة رسالة قبل أن تكون وظيفة

              وأشار إلى أن من العوامل المؤثرة أيضًا دخول بعض الأشخاص إلى مهنة التعليم دون رغبة حقيقية فيها، مدفوعين بما توفره من راتب وإجازات ومزايا وظيفية، مؤكدًا أن التعليم رسالة تحتاج إلى من يؤمن بها ويمتلك الدافعية والقدرة على أداء مسؤولياتها.

    تقدير الدولة للمعلم

            وأكد اللوغاني أن الحفاظ على مكانة المعلم مسؤولية مشتركة، يأتي في مقدمتها تقدير الدولة والمجتمع لرسالته، مشيرًا إلى ما يحظى به المعلم في الكويت من اهتمام رسمي، ومن مظاهره تكريم المعلمين المتميزين على أعلى المستويات، وصل إلى أن اختص سمو أمير البلاد -حفظه الله ورعاه- المعلمين بالتكريم كل عام دون سواهم من المهن الأخرى، بما يعزز مكانتهم ويؤكد أهمية دورهم في بناء الأجيال.

    تأهيل مستمر للمعلمين

    ودعا إلى التقييم المستمر لدافعية المعلم وكفاءته المهنية؛ فالمعلم قد يتعرض مع مرور السنوات للإحباط أو تراجع الحافز، وهنا تبرز أهمية برامج التأهيل والتطوير التي تجدد دافعيته وتعينه على أداء رسالته بكفاءة.

    علاقة متوازنة بين المعلم والطالب

           وشدد اللوغاني على ضرورة بناء علاقة تربوية متوازنة تحفظ للمعلم هيبته وللطالب كرامته؛ فلا يُقبل أن يلجأ المعلم إلى العنف أو العقاب المؤذي، كما لا يُقبل أن يتطاول الطالب على معلمه أو يهدده، ومن هنا تبرز مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع في ترسيخ الاحترام المتبادل، وبيان الحقوق والواجبات، وبناء بيئة تعليمية تحفظ مكانة المعلم وتصون كرامة الطالب.

    المعلم أساس العملية التربوية

            وعن دور المعلم بوصفه أساس العملية التعليمية والتربوية، قالت الأستاذة فضة القحطاني، موجهة التربية الإسلامية: إن نجاح المعلم في أداء رسالته يرتكز على مجموعة من المقومات، وفي مقدمتها التمكن العلمي، وحسن الخلق، ولا سيما الصدق الذي يحفظ مكانته في نفوس طلابه، إلى جانب امتلاك مهارات التواصل والتوجيه السلوكي والتربوي. وأشارت إلى عدد من التحديات التي قد تضعف دور المعلم، من أبرزها: التركيز المفرط على التحصيل والدرجات على حساب البناء القيمي والأخلاقي للطالب، وضعف التأهيل المهني والتربوي للمعلم، وتجريده من بعض أدوات التوجيه والضبط الفعّال داخل الصف، مع مطالبته في الوقت نفسه بتقويم السلوك والتربية. وأضافت أن هناك عوامل أخرى لا يملك المعلم التحكم فيها، ترتبط بالبيئة المدرسية والمجتمع، وضعف الجهات المساندة له في توجيه الطلاب وتربيتهم، فضلًا عن الصورة السلبية التي تقدمها بعض وسائل الإعلام عن المعلم، وأكدت أن تعزيز مكانة المعلم يتطلب تأهيله وتمكينه، وتوفير بيئة مدرسية ومجتمعية مساندة تحفظ هيبته وتعينه على أداء رسالته التعليمية والتربوية.

    تغيرات أسرية ومجتمعية

            من جهتها قالت المديرة المساعدة السابقة الشقحة الحميدي العجمي: موضوع تراجع مكانة المعلم لا يرجع إلى سبب واحد، بل إلى تغيرات أسرية واجتماعية وتعليمية وإعلامية أثرت في صورة المعلم وفي طبيعة العلاقة بينه وبين الطالب، والمطلوب ليس إعادة مفهوم «السلطة المطلقة» للمعلم، وإنما بناء مكانة تربوية قائمة على الاحترام والعدل والكفاءة مع حفظ كرامة الطالب وحقوقه، ويمكن تلخيص أبرز الأسباب في جوانب عدة مترابطة:
    • ضعف دعم الأسرة للمعلم أمام الأبناء؛ فحين ينتقد المعلم أو يُشكك في قراراته أمام الطالب باستمرار، تضعف مكانته في نظره.
    • المبالغة أحيانا في مفهوم حقوق الطالب حتى تفهم على أنها تعني عدم محاسبته أو تقويم سلوكه، مع أن الحقوق لا تنفصل عن الواجبات.
    • تدخل بعض أولياء الأمور في التفاصيل التربوية والتعليمية بطريقة تتجاوز الشراكة إلى الضغط على المعلم أو إلغاء قراراته.
    • ضعف الأنظمة المدرسية أو عدم ثبات تطبيقها؛ فإذا شعر الطالب أن توجيهات المعلم يمكن تجاوزها بسهولة فلن يكون لها الأثر المطلوب.
    • تغير الثقافة الاجتماعية والإعلامية، وظهور محتوى يسخر أحيانًا من المعلم أو يقلل من قيمة العلم وأهله.
    • بعض الممارسات الخطأ من المعلمين أنفسهم، مثل التحقير أو التمييز أو العصبية أو ضعف الإعداد؛ فالهيبة لا تُفرض بالمنصب وحده، وإنما تكتسب بالعلم والعدل وحسن الخلق.
    • ضعف الشراكة بين المدرسة والأسرة؛ بحيث يصبح كل طرف في مواجهة الآخر بدل أن يكونا شريكين في تربية الطالب.

    بين حقوق الطالب ومكانة المعلم

            وعن تحقيق التوازن بين حقوق الطالب ومكانة المعلم، قالت العجمي: إن المعادلة الصحيحة تقوم على (طالب مصان الكرامة، ومعلم محفوظ المكانة، ونظام واضح وعادل)؛ فمن حق الطالب الاحترام والإنصاف، ومن حق المعلم التقدير وعدم الإساءة أو التجاوز. وإذا أخطأ أحدهما حوسب بعدل، على أن تُعالج الشكاوى عبر القنوات الرسمية دون هدم مكانة المعلم أمام طلابه، وأكدت أهمية وجود لائحة واضحة للسلوك والانضباط، تقف بموجبها الإدارة مع المعلم حين يكون محقًا، وتنصف الطالب حين يكون مظلومًا، كما شددت على دور الأسرة في ترسيخ هذا التوازن، برسالة واضحة للأبناء: «إذا أخطأ معلمك سنطالب بحقك بالطريقة الصحيحة، لكننا لن نسمح لك بإهانته أو إساءة الأدب معه».

    بناء هيبة الاحترام

            وخلصت العجمي إلى أننا لا نحتاج إلى إعادة هيبة الخوف، بل إلى بناء هيبة الاحترام ولا تعارض بين حقوق الطالب وسلطة المعلم التربوية إذا كانت السلطة منضبطة بالعدل والرحمة والنظام، فحفظ كرامة الطالب لا يعني إسقاط سلطة المعلم، وحفظ مكانة المعلم لا يعني إهدار حقوق الطالب، والمدرسة الناجحة هي التي تجعل الاحترام متبادلاً، والحقوق مقرونة بالواجبات، والمحاسبة عادلة على الجميع.  

    توازن دقيق

            لقد أقام الإسلام العلاقة التعليمية على توازن دقيق: طالب يتأدب ويحترم، ومعلم يرفق ويعدل ويحسن التعليم، وأسرة تعزز مكانته، ومجتمع يقدر رسالته، ومن هنا فإن تحقيق هيبة المعلم اليوم لا تكون بالشعارات ولا بتوسيع سلطة العقاب وحدها، وإنما بإعادة بناء هذه المنظومة كاملة؛ فحين يستعيد العلم مكانته، ويعرف الطالب أدبه، وتدعم الأسرة المعلم، ويكون المعلم قدوة، وتحفظ المؤسسات حقوقه وكرامته، تستعيد المدرسة إحدى أهم ركائز نجاحها، فالهيبة التي أرساها الإسلام للمعلم ليست هيبة خوف، وإنما هيبة علم ورسالة وقدوة؛ يصنعها الاحترام، ويثبتها الخلق، وتحفظها الحقوق والواجبات.  

    أهم التوصيات

    • تعزيز الشراكة بين الأسرة والمدرسة، وترسيخ احترام المعلم، ومعالجة الشكاوى عبر القنوات الرسمية بعيدًا عن الطلاب.
    • تفعيل لوائح انضباط متوازنة تحدد بوضوح حقوق المعلم والطالب وواجباتهما، وتضمن التعامل العادل مع التجاوزات.
    • توفير الدعم الإداري للمعلم في مواجهة المشكلات السلوكية، مع محاسبة أي تجاوز من الطرفين.
    • تطوير المعلم مهنيًا وتربويًا في إدارة الصف وأساليب التدريس الحديثة، مع التقييم المستمر للكفاءة والدافعية.
    • تحسين معايير اختيار المعلمين بما يضمن الكفاءة والاستعداد التربوي والدافعية لمهنة التعليم.
    • تعزيز الصورة الإعلامية الإيجابية للمعلم وإبراز النماذج المتميزة ودورها في بناء الأجيال.
    • تخفيف الأعباء الإدارية بما يتيح للمعلم التركيز على التعليم والتربية والتطوير المهني.
    • تعزيز التقدير الرسمي والمجتمعي للمعلم ماديًا ومعنويًا، وتكريم النماذج المتميزة.
    • ترسيخ الهيبة المتوازنة القائمة على الاحترام والحزم والرحمة، بما يحفظ مكانة المعلم وكرامة الطالب.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك