رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. ناظم المسباح 29 سبتمبر، 2026 0 تعليق

سلسلة الأخلاق الإسلامية – الاعتذار .. أدب النفوس الكريمة

  • الاعتذار الصادق قوةٌ لا ضعف ودليل على شجاعة النفس وقدرتها على الاعتراف بالخطأ ومراجعة الذات
  • الاعتذار خُلُق أصيل في منهج الأنبياء والصالحين يقوم على التواضع والرجوع إلى الحق وعدم الانتصار للنفس
  • قبول الاعتذار من مكارم الأخلاق متى ظهر صدقه وهو سبيل إلى جبر الخواطر وإزالة الأحقاد وإصلاح العلاقات
  • أعظم ثمرات الاعتذار الانتصار على النفس لأن المعتذر يتجاوز كبرياءه ويقدِّم الحق والإصلاح على حظوظ النفس
 

الاعتذار خُلُقٌ يكشف عن صفاء النفس، وقوة الشخصية، وصدق الرغبة في إصلاح ما أفسده الزلل؛ فالإنسان عرضة للخطأ والتقصير، وإنما تظهر معادن النفوس في طريقة التعامل مع الخطأ بعد وقوعه؛ بين نفسٍ تكابر وتسوغ، وأخرى تعترف وتراجع وتستدرك؛ ومن هنا كان الاعتذار بابًا من أبواب التواضع، ووسيلةً لحفظ المودة، وإزالة آثار الخصومة، وردِّ الحقوق إلى نصابها.

مفهوم الاعتذار لغة واصطلاحا

        الاعتذار مصدر «اعتذر»، وهو مأخوذ من مادة «عذر»، التي تدل على معانٍ كثيرة، منها: العُذر، وهو إرادة الإنسان إصلاح ما أُنكر عليه بكلام، ويقال: اعتذرْ إليَّ؛ أي طلب قبول معذرته, وفي الحديث: «أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلَّغه ستين سنة»؛ أي لم يُبقِ له موضعًا للاعتذار؛ إذ أمهله هذه المدة الطويلة، وقال الجرجاني: «الاعتذار: محو أثر الذنب»، وقيل: هو تحرِّي الإنسان ما يمحو أثر ذنبه. وقال الفيروزآبادي -رحمه الله-: «الاعتذار على ثلاثة أضرب: أن يقول: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، فيذكر ما يخرجه عن كونه مذنبًا، والثالث أن يقول: فعلت ولا أعود، ونحو هذا، وهذا الثالث هو التوبة، وكل توبة عذر، وليس كل عذر توبة».

مكانة الاعتذار وأهميته

       الاعتذار خُلُق الأنبياء والصالحين؛ فقد قصَّ الله علينا قصة الأبوين في الجنة، لنتعلم منهما فقه الاعتذار والرجوع إلى الحق، فعندما أخطأ أبونا آدم وأمنا حواء، لم يكابرا ولم يستكبرا، وإنما تعلما من الله طريق التوبة والاعتذار؛ فتلقَّى آدم من ربه كلمات يسيرة الألفاظ، عظيمة الدلالات والآثار، قال -تعالى-: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة: 37)، ويقول الرازي في بيان تلك الكلمات: والأولى أنها قوله -تعالى-: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف: 23). وإذا كان الله قد سبق في علمه أن آدم سيُغفر له، فإن في تكليفه بالتوبة والاعتذار تربيةً ربانيةً قبل أن يكون مغفرة؛ تربيةً على الحياء من الله، والانكسار بين يديه، والتواضع عند الزلل، وتعليمًا لعباده أن طريق الرجوع يبدأ بالاعتراف الصريح بالخطأ. لقد كان اعتراف آدم واضحًا لا مواربة فيه؛ فلم يلتفَّ على ذنبه، ولم يبحث عن تسويغ يخفف به من خطئه، بل قال هو وحواء: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا}، فأقرَّا بالخطأ، واستشعرا أثر الذنب، وجمعا بين الاعتراف والندم وسؤال المغفرة والرحمة. وهنا يظهر الفارق الجلي بين آدم المتواضع المنكسر، وإبليس المتكبر المراوغ؛ فهذا أقرَّ فتاب، وذاك جادل فاستكبر.

سير الأنبياء والصالحين

        وهكذا مضى هذا المعنى في سير الأنبياء والصالحين؛ فموسى -عليه السلام-، لما وكز الرجل فقضى عليه، لم يتغنَّ بقوته ولم يختلق الأعذار، بل بادر إلى الاعتراف والتوبة، فقال: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (القصص). وحتى بلقيس، وقد نشأت في بيئة وثنية بعيدة عن نور الوحي، لما تبيَّن لها الحق لم يمنعها سلطانها ولا مكانتها من الاعتراف، فقالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (النمل: 44). فلم يحل سلطانها بينها وبين الاعتراف بما مضى والرجوع إلى الحق. ويبلغ هذا الخلق تمامه في هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد روى الإمام مسلم عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: «مررتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقومٍ على رؤوس النخل، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يُلقِّحونه... فقال: ما أظن يغني ذلك شيئًا... فلما أُخبر أنهم تركوه قال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدَّثتكم عن الله شيئًا فخذوا به»، وهذا من كمال صدقه وأمانته - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ بيَّن ما صدر عنه على جهة الرأي البشري، ولم يدع مجالًا للَّبس.

مواقف الصحابة -رضي الله عنهم

        وعلى هذا النهج تربَّى الصحابة -رضي الله عنهم-؛ فكان الاعتذار عندهم خُلُقًا ظاهرًا، لا يرونه منقصةً ولا هوانًا. يروي الإمام أحمد أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - عاتب ابن مسعود في أمور بلغته عنه، فقال له: «هل أنت منتهٍ عمَّا بلغني عنك؟ فاعتذر بعض العذر». وقد يكون الاعتذار لرفع شبهة أو دفع سوء فهم؛ ومن ذلك ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين قدم الجابية، فبيَّن للناس سبب عزله لخالد بن الوليد - رضي الله عنه -، وقال: «وإني أعتذر إليكم من عزل خالد بن الوليد»، فلم يرَ في توضيح موقفه انتقاصًا من هيبته، بل أداءً لحق الرعية، ورفعًا لما قد يقع في النفوس من إشكال. ويروي الإمام أحمد كذلك أن سالم بن عبد الله وعظ شابًا قد استرخى إزاره، فقال له: «ارفع إزارك»، فأخذ الشاب يعتذر بأن إزاره استرخى، وأنه من كتان؛ أي إنه لم يرخِه كبرًا وخيلاء، وإنما انسدل بطبيعة قماشه، وهذا من فقه المسلم في دفع التهمة عن نفسه، وإزالة ما قد يوقعه في سوء الظن. فالاعتذار الصادق ليس ضعفًا ولا هزيمةً للنفس، بل دليل حياة القلب، وصحة البصيرة، وصدق العبودية، والنفس الكريمة لا يثقل عليها أن تقول: أخطأت، أو ظلمت نفسي، أو أستغفر الله؛ لأن غايتها ليست الانتصار للذات، وإنما طلب الحق والنجاة عند الله.

إياك وما يُعتذر منه !

       على الرغم مما في الاعتذار من حسن وجمال، فإن الأولى بالمسلم، والأليق بحزمه، أن يربأ بنفسه عن مواطن الزلل التي تضطره إلى طلب المعذرة. وقد تجلَّى ذلك في وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - الوجيزة: «ولا تكلَّم بكلام تعتذر منه غدًا»، وجاء أيضًا: «إياك وكل أمر يُعتذر منه». بيد أن الطبيعة البشرية جُبلت على النقص؛ فإن كبا بك الجواد وزلَّت بك القدم، فاعلم أنه لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة، وحينئذ يكون من مقتضيات التواضع وشيم النبل ألا تأخذك العزة بالإثم، فتكابر في الدفاع عن النفس؛ بل يكون الإقرار بالهفوة أزكى للقلب، وأقرب إلى الصفح والغفران.

توبة كعب بن مالك - رضي الله عنه -

       ولنا في قصة توبة الصحابي الجليل كعب بن مالك - رضي الله عنه - أسوة حسنة؛ إذ لم ينجِّه من محنته إلا صدقه مع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، حين قال بكل تجرد: «يا رسول الله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني أخرج من سخطته بعذر، ولقد أُعطيت جدلًا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي من عذر...»، فالصدق منجاة، والتأني في الأمور وقاية؛ فعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وما شيء أكثر معاذير من الله، وما من شيء أحب إلى الله من الحمد».

متى يُشرع الصفح ومتى يُرجأ؟

       على الرغم من سمو مرتبة العفو، وفضل قبول اعتذار المعتذر، فإن هذا القبول لا ينبغي أن يؤخذ على إطلاقه في كل حين ومع كل أحد؛ إذ قد تقتضي الحكمة إرجاء الصفح أو الإعراض عن المعذرة إذا استبان أن قبولها لا يحقق زجرًا ولا يورث المعتذر أدبًا، أو إذا لاحت في الاعتذار أمارات المراوغة والمخادعة والاستغفال. أما فيما سوى ذلك من غالب الأحوال، فإن النفوس الكريمة تنزع إلى السمو والتجاوز، فتقبل انكسار المنكسرين، وتجبر خاطر المعتذرين. وقد بيَّن القرآن الكريم في سورة التوبة حال صنفين ممن تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك:
  • الصنف الأول: الذين اتخذوا الأعذار جُنَّةً لمراوغتهم، وحيلةً لدرء المؤاخذة، فكشف الله زيفهم بقوله: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة: 94).
  • والصنف الثاني: الثلاثة الذين خُلِّفوا، وعلى رأسهم كعب بن مالك - رضي الله عنه -؛ إذ قابلوا تقصيرهم بالصدق والتوبة، ولم يستروا خطأهم بمعاذير زائفة، فجاء القبول الرباني بعد خمسين ليلة من الضيق والابتلاء، قال -تعالى-: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (التوبة: 118).

من ثمرات الاعتذار

        شيمة الأقوياء: الاعتذار من شيم الرجال، وخُلُق من أخلاق الأقوياء، وعلامة على الثقة بالنفس؛ إذ لا يقدر على مواجهة الآخرين بخطئه والاعتراف به إلا من تحلَّى بالشجاعة والأدب، وغياب الاعتذار يورث الندية والتوتر، أما حضوره فيهيئ النفوس للتعايش، ويبدد ما يشوب العلاقات من تشاحن وخصومة. المبادرة إلى إصلاح ذات البين: المعتذر أسبق إلى الخير؛ لأنه يبادر إلى إزالة أسباب الخصومة وردِّ العلاقة إلى صفائها. وقد روى البخاري ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، وجاء في الحديث: «كل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوابون»، وقلَّ أن تجد إنسانًا يستطيع مواجهة الآخرين بخطئه والاعتراف به. نفي الكبر وإحياء الثقة: الاعتذار ينفي عن صاحبه صفة التعالي والكبر، ويمنحه المصداقية والثقة في قلوب الآخرين، ويزيل الأحقاد، ويطفئ أسباب الحسد، ويدفع عنه سوء الظن. جلب المصلحة ودفع المفسدة: فالاعتذار الصادق يجلب لصاحبه الخير، ويطفئ كثيرًا من أسباب النزاع، ويدفع من المفاسد ما قد يتفاقم بسبب الإصرار والمكابرة. حماية المجتمع من سوء الظن: وفي الاعتذار وقاية لمجتمع المسلمين من تفشي سوء الظن وتقاذف التهم؛ فإن استقرت التهم في القلوب، ربما لم يعد ينفع معها اعتذار. وقد قالت عائشة -رضي الله عنها- في حديث الإفك: «والله لئن حلفت لا تصدقونني، ولئن اعتذرت لا تعذرونني». فمن غلب نفسه فاعتذر، فليغلب الآخر كبرياءه وليعذر، وقد عدَّ ابن القيم قبول عذر المعتذر من التواضع، فقال: «من أساء إليك ثم جاء يعتذر عن إساءته، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته... وعلامة الكرم والتواضع: أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجه». وهكذا يسمو الاعتذار عن أن يكون مجرد كلمة تُقال؛ فهو في حق الله توبةٌ ورجوع، وفي حقوق الناس إقرارٌ وإصلاح، وفي الحالتين انتصارٌ على هوى النفس وكبريائها. وقد جسَّد موسى -عليه السلام- هذا المعنى حين قال معتذرًا إلى ربه بعد ما وقع منه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (القصص: 16).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك