رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: أحمد قبلان العازمي 16 سبتمبر، 2026 0 تعليق

وقفات مع «الحائية» لابن أبي داود .. تمسك بحبل الله

  •  من أعظم نعم الله على هذه الأمة أن حفظ لها دينها وقيَّض لها في كل عصر علماء ربانيين يذبُّون عن الكتاب والسُنَّة
  • «الحائية» منظومة موجزة في أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة وتقوم على التمسك بالكتاب والسُنَّة والتحذير من البدع والأهواء
  • البدعة خطيرة لأنها تعبُّدٌ لله بما لم يشرعه وفتحٌ لباب المحدثات التي تزاحم السنن وتطمس معالمها

من أعظم نعم الله على هذه الأمة أن حفظ لها دينها، وقيَّض لها في كل عصر علماء ربانيين يكشفون تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ويبينون للناس الاعتقاد الصحيح الذي كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه -رضي الله عنهم-؛ فمنهم من بسطها في المصنفات، ومنهم من اختصرها في رسائل موجزة، ومنهم من نظمها في أبيات يسهل حفظها وتداولها،  ومن أشهر ما أُلِّف في هذا الباب «الحائية» للإمام أبي بكر عبدالله بن أبي داود السجستاني، وهي منظومة موجزة جمعت جملة من أصول اعتقاد أهل السُنَّة والجماعة، وافتتحها صاحبها بأصل عظيم تتفرع عنه سائر الأصول: التمسك بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم -، والحذر من البدع والأهواء.

من ابن أبي داود?

        هو الإمام أبو بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، المعروف بـابن أبي داود، ابن الإمام أبي داود السجستاني صاحب «السنن»، ولد سنة 230هـ، وتوفاه الله سنة 316هـ، نشأ في بيت علم وحديث، وصحب أباه في رحلاته، وطاف البلدان في طلب العلم، وسمع من عدد كبير من علماء عصره، حتى صار من حفاظ الحديث وأئمته.

        وقد أثنى عليه أهل العلم ووصفوه بسعة الحفظ والمعرفة، وكان له إسهام بارز في تقرير السُنَّة والرد على أهل الأهواء والبدع، ومن الآثار المشهورة المنسوبة إليه هذه المنظومة المعروفة بـ«الحائية»، التي تناول فيها جملة من مسائل الاعتقاد بأسلوب موجز يسهل حفظه ونقله.

لماذا ظهرت مصنفات العقيدة؟

        كان المسلمون في الصدر الأول أقرب إلى صفاء الاعتقاد والاتباع؛ لقربهم من عهد النبوة، ثم اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، ودخلت أمم وثقافات مختلفة في الإسلام، وظهرت مذاهب وآراء فكرية وفلسفية متعدد؛ خالفت ما كان عليه الصحابة والتابعون، وهنا نهض علماء الأمة بواجب البيان، فصنفوا الكتب والرسائل، وردوا على الانحرافات، وقرروا أصول الاعتقاد مستندين إلى الكتاب والسُنَّة وآثار السلف. وكانت غايتهم أن يبقى الوحي هو المرجع الحاكم، وألا تتحول العقيدة إلى ميدان تحكمه الأهواء والأذواق والآراء المجردة عن الدليل، ومن هذا الباب جاءت «الحائية»؛ لتقرر أصولًا جامعة بلغة واضحة مختصرة.

الوصية الأولى: تمسَّكْ بحبل الله

يستهل ابن أبي داود منظومته بقوله:

تمسَّكْ بحبلِ الله واتبعِ الهدى

                                   ولا تكُ بدعيًّا لعلَّك تُفلحُ

ودِنْ بكتابِ الله والسننِ التي

                                أتت عن رسولِ الله تنجو وتربحُ

         إنها وصية جامعة تحدد للمسلم منذ البداية مصدر التلقي ومنهج الاستدلال وطريق النجاة، وقوله: «تمسك بحبل الله» هو دين الله تعالى، قال -تعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (آل عمران: 103)، واللافت أن الله قرن الاعتصام بحبله بالنهي عن التفرق؛ لأن الاجتماع الحقيقي لا يتحقق بمجرد الشعارات، وإنما يتحقق بالاجتماع على الحق. فكلما كان الناس أقرب إلى الوحي كانوا أقرب إلى الاجتماع، وكلما غلبت عليهم الأهواء والبدع كانت أسباب التفرق أشد.

«واتبع الهدى»

         ثم قال الناظم: «واتبع الهدى»، والهدى الذي أُمر المسلم باتباعه هو ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه، قال -تعالى-: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الشورى: 52)، والهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهذه يقوم بها الأنبياء والعلماء والدعاة وكل من دل الناس على الخير؛ وهداية توفيق وإلهام، وهذه لا يملكها إلا الله، كما قال -سبحانه-: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (القصص: 56)، فمهمة الداعية أن يدل على الطريق ويبين الحق بالحكمة والبصيرة، أما فتح القلوب للحق وتوفيقها لقبوله فمن الله وحده.

«ولا تك بدعيًّا» ..

        بعد الأمر بالاعتصام والاتباع يأتي التحذير من نقيضهما: الابتداع والتفرق، فقال: «ولا تك بدعيًّا لعلك تفلح»، وهذا المعنى كان حاضرًا بقوة في منهج النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فكان يحذر من المحدثات، ويقول: «وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»، فالبدعة ليست مجرد مخالفة جزئية، وإنما تكمن خطورتها في أنها تجعل الإنسان يتعبد لله بما لم يشرعه، وقد تفتح بابًا تتكاثر من خلاله المحدثات حتى تزاحم السنن أو تطمسها، ومن هنا كان علماء السلف شديدي العناية بتمييز السُنَّة من البدعة؛ حفظًا للدين وصيانةً لصفائه، لا رغبة في الخصومة أو توسيع دائرة الخلاف.

الكتاب والسُنَّة.. مصدر التلقي

          ثم ينتقل ابن أبي داود إلى تقرير القاعدة الكبرى: ودِنْ بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله تنجو وتربح، فالأصل الذي تُبنى عليه عقيدة المسلم ودينه هو كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، بفهم الصحابة ومن سار على طريقتهم.

         ولا يعني ذلك إلغاء العقل أو تعطيله؛ فالإسلام خاطب العقل ودعاه إلى النظر والتدبر، وإنما المقصود أن العقل الصحيح لا يُجعل حاكمًا على الوحي الثابت، بل أداة لفهمه والاستدلال به؛ فالعقول تتفاوت، وتتأثر بالمعارف والبيئات والأهواء، أما الوحي فهو الميزان الذي تُرد إليه الأقوال والتصورات.

خطر مصادر التلقي غير المنضبطة

         ومن الانحرافات التي حذر منها العلماء أن يجعل الإنسان المنامات أو الإلهامات أو المكاشفات والأذواق الشخصية مصدرًا لإثبات العقائد والأحكام، وهذه قاعدة مهمة، ولا سيما في زمن تنتشر فيه عبر المنصات قصص المنامات والمكاشفات والادعاءات الروحية، ويُراد أحيانًا أن تُجعل حجة على الناس بلا برهان من كتاب أو سنة.

النجاة في اتباع الصراط المستقيم

         إن الطريق الذي رسمه ابن أبي داود في هذين البيتين هو الطريق الذي رسمه القرآن، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (الأنعام: 153)، فالحق في أصله طريق واحد، أما الأهواء فتتشعب بالناس إلى طرق شتى. ولهذا اعتنى السلف بالتحذير من مجالسة أهل الأهواء، ولا سيما لمن لم يمتلك من العلم ما يستطيع به تمييز الحق من الباطل؛ لأن الشبهة قد تدخل القلب فيصعب إخراجها.

التمسك بالوحي عصمة من التفرق

           ما وضعه ابن أبي داود بين يدي طالب العقيدة ليس مسألة فرعية، وإنما منهج كامل للتدين: اعتصام بالله، واتباع لهدي رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتحذير من الابتداع، وردٌّ للأقوال والمعتقدات إلى الكتاب والسُنَّة، وهذه الوصية أشد ما تكون في زمن كثرت فيه مصادر التأثير، وتدفقت الآراء والشبهات عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، وأصبح كل إنسان قادرًا على نشر ما يشاء في دقائق، فلا عصمة للمسلم من هذا الاضطراب إلا أن يكون له ميزان ثابت يزن به ما يسمع ويقرأ؛ فما وافق كتاب الله وصحيح سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - قَبِله، وما خالفهما ردَّه، مع الاستعانة بفهم العلماء الراسخين.

         وبذلك تتحقق وصية الناظم: ودِنْ بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله تنجو وتربح، فـالتمسك بالوحي نجاة، واتباع السُنَّة فلاح، والاعتصام بالحق سبيل إلى اجتماع القلوب وثباتها؛ وكلما عظمت الفتن وتشعبت السبل، ازدادت حاجة المسلم إلى أن يعود إلى النبع الأول: كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم -.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك