رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 16 سبتمبر، 2026 0 تعليق

نبض قلم … حِـين يَـسْرقنا المحتوى!

إن مواجهة هذا السيل الرقمي لا يتطلب اعتزال التكنولوجيا بالكامل  بل وعياً وإرادةً لإعادة امتلاك زمام أنفسنا واستبدال هذا الفراغ بما ينفع النفس والبدن

  •  لسنا ضد التكنولوجيا لكننا ضد أن تسرقنا فالهاتف نعمة إن أحسنّا استخدامه ونقمة إن استخدَمَنا هُو!

بقلم : نادية الدوسري 

في خِضمّ الطفرة الرقمية التي نعيشها، أصبح المحتوى رفيقنا الدائم، لكن هذا الرفيق الذي بدأ وسيلة للمعرفة والتسلية، تحوّل إلى لص محترف يسرق منا أثمن ما نملك: الوقت، والقلب، والهوية.

أولاً: سرقة الوقت وهو العمر

       أظهر تقرير (Digital 2024) أن متوسط استخدام الفرد للشاشات يبلغ 6 ساعات و40 دقيقة يوميا، أي أننا ننفق ما يقارب ثلث وقت يقظتنا في التمرير والمشاهدة والتنقل، وهنا نتذكر قول النبي -[-: «نِعمتان مَغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، فكم من «فراغ» أضعناه أمام الشاشات؟ ندخل لنتصفح «خمس دقائق» فنجد ساعة قد ولّت؛ والسبب أن هذه المنصات صُممت هندسيًا لتبقينا أطول مدة ممكنة عبر التمرير اللانهائي والإشعارات المتتابعة، والنتيجة وقت كان يمكن استثماره في حفظ قرآن، أو طلب علم، أو صلة رحم، قد ذهب دون أن نشعر.

ثانياً: سرقة القلب محل الإيمان

        كلما زاد تعلقنا بالشاشة، قلّ خشوعنا في الصلاة، وضعف تأثرنا بالقرآن؛ ذلك أن القلب وعاء، وإذا امتلأ باللغو والترفيه لم يجد مساحة للسكينة والذكر، يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه الفوائد: «فإذا كان القلب ممتلئاً بالباطل اعتقاداً ومحبةً؛ لم يبْقَ فيه لاعتقاد الحقِّ ومحبته موضع»، فكيف لقلب قضى نهاره بين (الترند) والضحك والجدل، أن يلين عند قوله -تعالى-: {إِنَّمَا المُؤمِنونَ الَّذينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَت قُلوبُهُم}؟

ثالثاً: سرقة الهوية والغاية التي خُلقنا لأجلها

           الخطر الأكبر ليس في ضياع الدقائق، بل في ضياع الهوية، حين يتشكل ذوقنا من الترند، ورَأْينا من التعليقات، وأهدافنا من حياة المؤثرين، نصبح نسخاً مكررة سهلة التوجيه والتسويق؛ وقد نسينا قوله -تعالى-: {وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعبُدونِ}، فبدل أن نعيش لنحقق العبودية ونعمر الأرض ، صرنا نعيش لنستهلك محتوى.

طريق التعافي

 إن مواجهة هذا السيل الرقمي لا يتطلب اعتزال التكنولوجيا بالكامل، بل وعياً وإرادةً لإعادة امتلاك زمام أنفسنا، واستبدال هذا الفراغ بما ينفع النفس والبدن، وهذه باختصار أربع خطوات نبدأ بها طريق التعافي بإذن الله:

  1. اجعل لك ساعة تقرأ فيها قرآناً، أو تذكر الله، أو تمارس الرياضة، أو تجالس أهلك، ساعة تعيد بها التوازن والسكينة لقلبك وعقلك.
  2. قبل فتح أي تطبيق اسأل نفسك: «ما هدفي؟» فإن كان للتسلية فأجّلها. وإن كان للعلم فحدد له 20 دقيقة ثم اخرج.
  3. تابع من يذكّرك بالله، ومن يعلّمك، واحذف فوراً كل من يسرق وقتك ويشتّت فكرك، مهما كان مشهوراً.
  4. بدل 30 دقيقة من المقاطع القصيرة، استمع لدرس أو (بودكاست) نافع، وبدل تقليب الجوال قبل النوم، اقرأ صفحة من كتاب.

لسنا ضد التكنولوجيا لكننا ضد أن تَسْرقنا

       لسنا ضد التكنولوجيا، لكننا ضد أن تسرقنا؛ فالهاتف نعمة إن أحسنّا استخدامه، ونِقمة إن استخدَمَنا هو، وفي نهاية كل يوم، السؤال ليس «ماذا شاهدت؟» بل «ماذا قدمت لدينك ودنياك وآخرتك؟ وتذكر أن العمر قصير والمحتوى كثير؛ فاختر ما لا تندم عليه.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك