عالم التقنية والذكاء الاصطناعي .. الخوارزميات وصناعة الوعي الجمعي (2)
يضع القرآن الكريم قاعدة مركزية في التعامل مع الأخبار، يقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}
ليس كل ما يمكن معرفته عن الإنسان يجوز جَمْعه، وليس كل ما جُمع يجوز استخدامه في أي غرض، وينبغي أن تقوم الحوكمة الرقمية على تقليل البيانات إلى القدر الضروري وتحديد مدة الاحتفاظ بها
أضاف الذكاء الاصطناعي التوليدي مستوى جديداً من التعقيد؛ إذ أصبح من الممكن إنتاج نصوص وصور وأصوات ومقاطع مرئية مقنعة خلال وقت قصير وبتكلفة محدودة؛ كما يمكن إعداد نسخ متعددة من الرسالة نفسها، وتخصيص كل نسخة لفئة معينة وفق اهتماماتها ومخاوفها وميولها، ولا يقتصر الخطر على اختلاق خبر كاذب بالكامل؛ بل يشمل صوراً أكثر خفاءً، مثل اقتطاع الكلام من سياقه! أو دمج الصحيح بالباطل، أو وضع عنوان مضلل على مادة صحيحة! أو إعادة نشر مقطع قديم بوصفه حدثاً جديداً، أو استخدام صوت أو صورة شخصية معروفة دون علمها!
تزداد خطورة مثل هذه الممارسات حين تتكامل أدوات التوليد مع الحسابات الآلية وشبكات النشر المنظم وأنظمة التوصية؛ فالمحتوى المضلل لا يُنتج فقط؛ بل يمكن دفعه إلى الجمهور الأكثر قابلية للتأثر به، ثم قياس استجابته وتعديل الرسالة بصورة مستمرة، ومع كثرة المحتوى المصطنع قد لا تكون النتيجة تصديق كل الأكاذيب، بل فقدان الثقة في كل شيء! حتى يصبح الإنسان عاجزاً عن التمييز بين الحقيقي والمزيّف، ويستوي لديه الخبر الموثق والإشاعة!

التأثير المشروع والتلاعب المحرّم
ليس كل تأثير في الرأي العام مذموماً؛ فالتعليم والدعوة والإعلام والتربية والحملات الصحية والخيرية تسعى جميعاً إلى التأثير في معرفة الإنسان وموقفه وسلوكه؛ لكن الفارق جوهري بين التأثير المشروع والتلاعب غير الأخلاقي.
التأثير المشروع يقوم على البيان والصدق ووضوح المصدر واحترام عقل الإنسان وحقه في الاختيار. أما التلاعب فيقوم على الكذب أو إخفاء المعلومات الجوهرية أو استغلال الضعف النفسي أو صناعة تأييد وهمي أو استخدام البيانات الحسّاسة دون علم أصحابها، وقد تكون الغاية في أصلها نبيلة، لكن ذلك لا يبيح اتخاذ الوسائل المحرمة؛ فلا يجوز نشر خبر غير متثبت منه خدمة لقضية عادلة مثلًا، ولا اصطناع إعجابات وتعليقات توهم الجمهور بوجود إجماع، ولا استخدام الخوف المبالغ فيه لحمل الناس على التبرع، ولا انتهاك خصوصية الأفراد بحجة تقديم محتوى نافع لهم.. وفي المنظور الإسلامي لا تنفصل مشروعية الغاية عن مشروعية الوسيلة؛ فالأمانة مطلوبة في المقصد والطريق والنتيجة معاً.
التثبت في مواجهة سرعة الانتشار
يضع القرآن الكريم قاعدة مركزية في التعامل مع الأخبار، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}، والتثبت هنا ليس فضيلة فردية فحسب، بل مبدأ يمكن ترجمته إلى تصميم تقني وسياسة مؤسسية؛ فمن الممكن إبطاء إعادة نشر المحتوى عالي الخطورة، وإظهار مصدره وتاريخه، وتنبيه المستخدم إلى أنه لم يفتح المادة قبل مشاركتها، وربط الادعاءات المثيرة بالمعلومات الموثقة والتصحيحات اللاحقة؛ كما يحذر القرآن من تلقي الأخبار وتداولها بلا علم، قال -تعالى-: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}، وتكشف الآية عن خطورة السلوك الذي أصبح شائعاً في البيئة الرقمية: استقبال الخبر ثم نقله فوراً دون توقف أو تحقق، مع الاستهانة بآثاره في الأعراض والسمعة والأمن والاستقرار الاجتماعي.
العدل حتى مع المخالف
تحتاج الخوارزميات إلى بيانات تتعلم منها، وقد تحمل هذه البيانات تحّيزات وأخطاء السابقة؛ فإذا لم تُفحص بعناية، فقد تكرر التمييز ضد فئة معينة، أو تخفض ظهورها، أو تربط بينها وبين صفات سلبية، أو تمنح بعض الجهات فرصاً أكبر من غيرها، ولهذا يمثل العدل أصلاً حاكماً في بناء الأنظمة الرقمية، امتثالاً لقول الله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}.
ولا يعني العدل أن تتساوى كل المواد مهما اختلفت جودتها وموثوقيتها، وإنما يعني أن تكون معايير الترتيب واضحة ومنصفة، وألا يُظلم إنسان بسبب انتمائه أو لغته أو موقعه أو حالته الاجتماعية، وألا يحملنا الخلاف معه على تشويه كلامه أو حرمانه من حقوقه فالفرق كبير بين الادعاء الكاذب القابل للتحقق، وبين الرأي والاجتهاد والتحليل والمسائل المحتملة للخلاف.
الخصوصية وحُرمة التجسس
تقوم أنظمة التخصيص على جمع كميات كبيرة من البيانات: ما الذي يشاهده المستخدم، وأين يتوقف، وما الذي يبحث عنه، ومع من يتواصل، ومتى يكون أكثر نشاطا، وقد تستنتج المنصّات من هذه البيانات أموراً لم يصرح بها الإنسان؛ كحالته الصحية أو النفسية أو ميوله أو مستوى دخله أو درجة تأثره برسائل معينة! وهنا تبرز قيمة قرآنية واضحة: {وَلَا تَجَسَّسُوا}؛ فليس كل ما يمكن معرفته عن الإنسان يجوز جمعه، وليس كل ما جُمع يجوز استخدامه في أي غرض، وينبغي أن تقوم الحوكمة الرقمية على تقليل البيانات إلى القدر الضروري فقط، وتحديد مدة الاحتفاظ بها، ومنع توظيف الصفات الحساسة في الاستغلال التجاري أو النفسي أو السياسي؛ فالإنسان في الرؤية الإسلامية مكرم، وليس مجرد ملف من البيانات أو هدف إعلاني. قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}. ومن مقتضى هذا التكريم ألا تتحول نقاط ضعفه ومخاوفه وحاجاته إلى أدوات للتحكم فيه.

أخبـار تـقـنيـة:
مايكروسوفت تكشف أول نموذج
ذكاء اصطناعي مخصص للأمن السيبراني
أعلنت مايكروسوفت عن (MAI-Cyber-1-Flash)، وهو أول نموذج تطوره الشركة خصيصًا لمهام الأمن السيبراني، إلى جانب منصة دفاعية جديدة باسم (Project Perception) تعتمد على وكلاء ذكاء اصطناعي لرصد الثغرات وتحليلها ومعالجتها. وتقول الشركة إن النظام الجديد يهدف إلى تسريع اكتشاف المخاطر وتقليل الكلفة التشغيلية في مراكز الأمن الحديثة.
لاتوجد تعليقات