رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 16 سبتمبر، 2026 0 تعليق

30 مليون طفل بلا تعليم – أطفال على مقاعد الدراسة.. وآخرون غيبتهم الأزمات

إعداد: وائل سلامة - عمرو علي

في الوقت الذي تتجدد فيه مشاهد العودة إلى المدارس في كثير من البلدان، وتفتح الفصول أبوابها لاستقبال عام دراسي جديد، يحمل الواقع في مناطق أخرى صورة أشد قسوة؛ إذ تكشف تقديرات (اليونيسف)، الواردة في تقريرها الصادر في يناير 2026 بعنوان (الأطفال والتعليم في حالات الطوارئ)، إلى أن ما لا يقل عن 30 مليون طفل في 12 دولة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خارج المدرسة؛ فلا فصول تستقبلهم، ولا مقاعد تنتظرهم، بعدما حرمتهم الحروب والنزاعات والفقر والنزوح حقهم في التعليم، وليست الأزمة بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال مجرد عام دراسي ضائع، بل تهديدٌ لمستقبل جيل كامل؛ فحرمانهم من التعليم خسارة لا تقف عند حدود حياتهم، بل تمتد آثارها إلى مجتمعاتهم، ليصبح ما يفقده أطفال اليوم ثمنًا تدفعه أوطانهم غدًا.

  •  المعلم أحد أكبر ضحايا انهيار منظومة التعليم ففي اليمن عمل أكثر من  155 ألف معلم دون انتظام في قبض الرواتب خلال2022-2023
  •  أخطر ما تكشفه الأرقام ليس ضياع عام دراسي وإنما ظهور جيل عربي محروم من التعليم والمهارات والاستقرار النفسي وهو ما قد يجعل آثار الحروب ممتدة لعقود حتى بعد توقف القتال
  • من المتوقع انخفاض مساعدات التعليم في المنطقة بنحو 769  مليون دولار بين 2023 و2026، بما قد يعرض 1.4  مليون طفل إضافي لخطر ترك الدراسة، ويؤثر في جودة التعليم لنحو  32 مليون طفل
  • التجربة السّورية تكشف أن آثار الحرب التعليمية تستمرلسنوات إذ يوجد نحو 2.45 مليون طفل خارج المدرسة وأكثر من مليون معرضون للتسرب ونحو 8 آلاف مدرسة غير قادرة على العمل بطريقة طبيعية
  •  يوجد ما لا يقل عن  30 مليون طفل خارج المدرسة في 12 دولة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا
  • طول الانقطاع عن الدراسة يرفع مخاطر التسرب النهائي وعمالة الأطفال والانحراف الأخلاقي والاستغلال فضلا عن الآثار النفسية والاجتماعية العميقة
  •  غزة تواجه خطر ضياع مرحلة تعليمية كاملة فنحو  700 ألف طفل حُرموا من التعليم النظامي الحضوري لما يقارب من ثلاثة أعوام دراسية وتعرض نحو 98% من المباني المدرسية للأضرار فيما يحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة بناء أو تأهيل واسع
  •  في الصومال يُقدر عدد الأطفال خارج المدرسة بنحو 4.9  ملايين طفل وتنخفض معدلات الحضور بين الأطفال النازحين حديثًا إلى نحو  21% مقابل 39% لغير النازحين
  • السودان يمثل إحدى أشد بؤر الانهيار التعليمي فما يزال 8 ملايين طفل على الأقل خارج المدرسة بينهم أكثر من 3  ملايين طفل في دارفور
  •  المدرسة تبني الشخصية من خلال القيم والانضباط والتفكير وتحمّل المسؤولية
  •  من أبرز تحديات العام الدراسي إدمان الشاشات وضعف الانضباط والهشاشة النفسية وتراجع دافعية التعلم

خسارة تتجاوز التعليم

        ولا تقف آثار الحرمان من التعليم عند غياب الطفل عن مقعد الدراسة؛ فحين تدمر الحرب مدرسة، لا تقاس الخسارة بعدد الفصول التي تحولت إلى أنقاض، لأن المدرسة بالنسبة للطفل ليست مكانًا للتعلم فحسب، بل مساحة للأمان والاستقرار والتواصل الاجتماعي، وحين يفقدها لسنوات، تتجاوز الخسارة كتابًا لم يقرؤه أو امتحانًا لم يؤده إلى مسار حياة جيل كامل قد يتغير؛ فكل عام يبتعد عن التعليم يوسع فجوة التعلم، ويزيد احتمالات التسرب وعمالة الأطفال والزواج المبكر والتجنيد والاستغلال، في وقت تترك فيه الحرب والنزوح والجوع وفقد الأحبة آثارًا عميقة في نفس الطفل وقدرته على التعلم.

ضغط الحرب ونقص التمويل

        وتزداد التحديات تعقيدًا حين لا تقف عند آثار الحرب والنزوح، بل تمتد إلى تراجع تمويل التعليم، بما يهدد بحرمان مزيد من الأطفال من حقهم في التعلم، ووفقًا للتقرير، يُتوقع انخفاض المساعدات المخصصة للتعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو: (769 مليون دولار) بين عامي: (2023 و2026)، أي بنسبة: (26%)، ما قد يعرّض: (1.4 مليون) طفل إضافي لخطر ترك الدراسة، ويؤثر في جودة الخدمات التعليمية المقدمة لنحو: (32 مليون) طفل.

السودان: أقسى صور الانهيار التعليمي

        لعل السودان يقدم واحدة من أقسى صور الانهيار التعليمي العربي المعاصر، ففي مايو 2025، كان أكثر من:14  مليون طفل من أصل نحو 19 مليونًا في سن الدراسة خارج المدارس، وأغلقت قسرًا أكثر من عشرة آلاف مدرسة ابتدائية، فيما تحولت:2531  مدرسة إلى مراكز لإيواء النازحين.

        ومع إعادة فتح بعض المدارس تدريجيًا، تحسنت الصورة نسبيًا، لكن أحدث الأرقام الواردة في التقرير تشير إلى بقاء ما لا يقل عن 8 ملايين طفل خارج المدرسة، بينما لم تعد قرابة نصف المباني المدرسية في البلاد تستخدم فصولًا دراسية، وفي دارفور وحدها يوجد أكثر من 3 ملايين طفل خارج المدرسة من بين نحو أربعة ملايين طفل في سن الدراسة.

         والمشكلة لا تقف عند إغلاق المدارس؛ فقد أصبحت المؤسسات التعليمية نفسها جزءًا من ساحة النزاع، وسجل التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات عشرات الاعتداءات على المدارس ومؤسسات التعليم العالي، ما يجعل السؤال في بعض المناطق ليس: متى يعود الطفل إلى المدرسة؟ بل: هل بقيت هناك مدرسة آمنة يمكنه العودة إليها؟

غزة: الصورة أكثر قسوة

         أما في غزة، فتبدو الصورة أكثر قسوة؛ لأن الأزمة تجاوزت تعطل بعض المدارس إلى إصابة المنظومة التعليمية كلها تقريبًا، وبحسب البيانات الواردة في التقرير، حُرم نحو: 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عامًا من التعليم النظامي الحضوري لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية، ولم يحصل معظمهم تقريبًا على يوم دراسي نظامي منذ أكتوبر 2023.

          والمدرسة التي ينتظر هؤلاء العودة إليها لم تعد في كثير من الأحيان موجودة بالصورة التي عرفوها؛ إذ تشير بيانات اليونيسف الواردة في التقرير إلى أن نحو 98%  من المباني المدرسية في غزة تعرضت لأضرار، وأكثر من 93%  منها تحتاج إلى إعادة بناء كاملة أو إعادة تأهيل واسعة. وحتى مراكز التعليم المؤقتة لا تستطيع استيعاب الجميع؛ إذ يظل نحو 420 ألف طفل بلا أي تعليم حضوري وجهًا لوجه.

          وهنا تتجاوز المأساة ضياع المنهج إلى ضياع مرحلة كاملة من الطفولة؛ فالطفل الذي كان في الصف الثالث عند اندلاع الحرب قد تمر عليه أعوام وهو بعيد عن تجربة مدرسية مستقرة. ومع استمرار هذا الواقع، يصبح السؤال الحقيقي: كيف يمكن تعويض طفل عن سنوات من عمره التعليمي والنفسي والاجتماعي؟

سوريا: الحرب تنتهي وآثارها تبقى.

         تكشف التجربة السورية حقيقة شديدة الأهمية: إعادة فتح المدارس لا تعني انتهاء أزمة التعليم، فبعد سنوات الحرب الطويلة، تشير الأرقام الواردة في التقرير إلى وجود نحو: 2.45 مليون طفل سوري خارج المدرسة، وأكثر من مليون آخر معرضين لخطر التسرب، فيما لا تزال قرابة 8 آلاف مدرسة غير قادرة على العمل بصورة طبيعية. كما يحتاج نحو 7.5 ملايين طفل إلى مساعدات إنسانية.

         ورغم وصول الخدمات التعليمية المدعومة من اليونيسف خلال 2025م إلى نحو 3.7 ملايين طفل، وإعادة تأهيل عشرات المدارس وتوزيع نحو مليوني كتاب مدرسي، فإن إعادة بناء التعليم السوري تظل مهمة تتجاوز ترميم الجدران إلى استعادة المعلم والطالب والثقة بالمدرسة نفسها.

اليمن: المشهد أكثر تعقيدًا

       وفي اليمن، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا؛ حيث لا يرتبط بالحرب فقط بل بالفقر المزمن أيضًا؛ فبيانات التقرير تظهر أن نحو: 23% من أطفال المرحلة الابتدائية، و29% من سن المرحلة الإعدادية، و51% من سن المرحلة الثانوية العليا خارج المدرسة، وترتفع النسب بصورة حادة بين أبناء الأسر الأشد فقرًا. كما تذهب بعض التقديرات الإنسانية إلى أن عدد الأطفال غير الملتحقين بالتعليم قد يصل إلى 4.5  ملايين طفل.

          ويضاف إلى ذلك انهيار وضع المعلم؛ فقد كان أكثر من: 155 ألف معلم يعملون دون انتظام في دفع الرواتب خلال الفترة 2022-2023م، وحين يفقد المعلم استقراره الاقتصادي، لا يبقى انهيار التعليم محصورًا في المباني؛ بل يصل إلى قلب العملية التعليمية نفسها.

الصومال: حين تصبح المدرسة حلمًا!

         في الصومال، تتداخل الحرب مع الفقر والنزوح والجفاف والفيضانات لتجعل الوصول إلى المدرسة تحديًا يوميًا، وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن معدلات عدم الالتحاق تصل إلى نحو 65% في المرحلة الابتدائية و75% في المرحلة الثانوية، ولا يلتحق بالتعليم الابتدائي سوى طفل واحد تقريبًا من كل ثلاثة، بينما يقدر عدد الأطفال خارج المدرسة بنحو 4.9 ملايين طفل.

         وتكشف الأرقام كذلك أن النزوح لا يسلب الطفل منزله فقط؛ بل مدرسته أيضًا، إذ لا تتجاوز معدلات الحضور المدرسي لدى الأطفال النازحين حديثًا نحو 21% مقارنة بـ39% لدى غير النازحين. كما تدفع الفتيات ثمنًا إضافيًا، وتتراجع مشاركتهن التعليمية كلما تقدمن في المراحل الدراسية.

أربع خسائر وراء الأرقام..

وراء هذه الأرقام التي ذكرناها أربع خسائر كبرى لا ينبغي أن تغيب عن صانع القرار:

  •  الخسارة الأولى: خسارة سنوات التعليم؛ فالطفل قد يعود إلى المدرسة بعد توقف الحرب، لكن سنوات عمره لا تعود، والفجوات المتراكمة في القراءة والحساب والعلوم لا يمكن علاجها بمجرد إعادته إلى الصف نفسه.
  •  الخسارة الثانية: خسارة المعلم؛ فهجرة المعلمين ونزوحهم ومقتل بعضهم وإصابتهم وتدهور رواتبهم تعني فقدان أهم عنصر في المنظومة التعليمية؛ إذ يمكن إعادة بناء مدرسة في أشهر، لكن بناء جيل جديد من المعلمين المؤهلين يحتاج سنوات.
  •  الخسارة الثالثة: خسارة الأمان النفسي؛ فالطفل الخارج من تحت القصف لا يدخل الفصل بذهن الطفل نفسه الذي غادره؛ ولذلك تحتاج المدرسة في مجتمعات ما بعد الحرب إلى مساحة للتعافي والدعم النفسي والاجتماعي، لا مجرد مكان لاستكمال المقرر.
  •  الخسارة الرابعة: خسارة المستقبل الاقتصادي؛ فجيل ضعيف التعليم يعني -مستقبلًا- قوة عمل أقل مهارة، وبطالة وفقرًا أعلى، وإنتاجية أقل، وقدرة أضعف على إعادة الإعمار، ويشير التقرير إلى أن الطفل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كان يحصل اسميًا على نحو  11.6 سنة من الدراسة، لكنها تعادل 7.6 سنوات فقط عند احتساب التعلم الفعلي؛ أي أن ضعف جودة التعليم كان يهدر ما يعادل أربع سنوات حتى قبل أحدث موجات الحروب.

التعليم خدمة لا تؤجل

        لا ينبغي النظر إلى التعليم في أوقات النزاعات باعتباره خدمة يمكن تأجيلها حتى تنتهي الحرب؛ فالغذاء يحفظ حياة الطفل اليوم، والدواء يحفظ صحته، أما التعليم فيحفظ مستقبله ومستقبل مجتمعه،

        وإذا كانت إعادة إعمار المدن تبدأ بإزالة الأنقاض وإصلاح الطرق وبناء المستشفيات والمساكن، فإن إعادة إعمار الأوطان تبدأ قبل ذلك كله بإعادة الطفل إلى مقعده والمعلم إلى فصله، فالمدرسة التي تبقى مفتوحة وسط الحرب ليست مجرد مبنى يقدم دروسًا في القراءة والحساب؛ إنها رسالة إلى الطفل بأن حياته لم تتوقف، وأن له مستقبلًا ينتظره، وأن العالم لم يتخل عنه.

       والخطر الأكبر ليس أن تضيع من هؤلاء الأطفال سنة دراسية أو سنتان، بل أن نسمح للحرب بأن تصنع جيلًا عربيًا كاملًا يكبر بلا تعليم كافٍ، ولا مهارات، ولا أمل واضح في المستقبل، حينها لن تنتهي الحرب عندما تصمت المدافع؛ بل ستظل آثارها حاضرة لعقود في حياة الناس واقتصاد الدول واستقرار المجتمعات، ولهذا فإن حماية المدرسة، ودعم المعلم، وتمويل التعليم في مناطق النزاع، واستعادة المتسربين، وتوفير مسارات التعلم المرنة والدعم النفسي للأطفال، ليست ملفات تربوية هامشية؛ بل استثمار في السلام نفسه؛ فالأوطان التي تريد أن تنهض من تحت أنقاض الحرب، عليها أولًا أن تفتح أبواب مدارسها

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك