رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: عبدالوهاب السنين 26 يوليو، 2018 0 تعليق

الرفق واللين من صفات المؤمنين

 

قضية التربية والأخلاق والسلوك من القضايا التي اعتنى بها الدين الإسلامي أيما اعتناء؛ فالإنسان ما هو إلا سلوك، و أخلاق؛ ولقد ترك لنا ديننا الحنيف ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إرثاً خُلُقيّاً متكاملاً، كان وما يزال منهجاً حياتياً واضحاً، يحفلُ بالأمور التي فيها مصلحة الفرد والمجتمع معاً، وقد سهّل لنا الإسلام الطريق لسلوك هذا المنهج الواضح، وجعل هذا المنهج صالحاً لكلِّ زمانٍ ومكان، والدليلُ على ذلك كون الإسلام خاتم الأديان، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، قال الله -تعالى-: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة:3)، كما جاء هذا المنهج واضحاً بسيطاً بعيداً عن اللبس والغموض والتعقيد، خالياً من الرِّيَبِ والشكوك: «الحلالُ بيِّنٌ، والحرامُ بيِّن» (البخاري (52) مسلم (4051)، وما علينا سوى إعمالِ عقولنا لسلوك الطريق الصحيح: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البلد:10)، ورسالتنا اليوم عن: الرفق واللين.

     والرفيق اللين هو عفيف اللسان، والمراد بالعفة: هي البعد عن اللفظ الغليظ، أو عن الكلمات الشنيعة التي لا فائدة منها، إلا زيادة النفرة والتناحر؛ ولذلك قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : {ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك}، كما أن الإنسان الفظ ينشغل دائمًا بظاهر الأمور، ولا يبحث عن المضمون، و ينشغل فيما ليس منه فائدة.

عائق أمام الحق

الإنسان الفظ، كذلك تجده عائقًا في وصول الحق إلى الناس؛ لذلك نقول: كن عفيفًا حتى يفهم الناس الحق، حتى يصل الخير إلى الناس، أما الإنسان الفظ الغليظ مانع للخير.

     يحدثني بعض الإخوة يقول: سمعت شيخًا يتكلم في مسألة من المسائل كان في لفظه حسنًا، وكان في لفظه بسيطًا متبسطًا، وهداني الله -عز وجل- على يده، وحمدت الله -عز وجل- أني استمعت من هذا الشيخ، وذهب بعض الإخوة يقول: كنت على حق، وكنت على خير، وردني عن هذا الخير كلام بعض الرجال مما لا يحسن الكلام، وأزبد(توعد وهدد) في عباراته، وأثار في كلماته يعني ما لا يستحق أن يثار؛ فمنعني والله عن الخير.

الفحش لا يأتي بخير

فإذا كان القول غليظًا وشديدًا لا يأتي بخير، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيرًا أو ليصمت»، والمسلم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، يعني لسانك هذا احفظه، ولا تتكلم به إلا في خير؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش البذيء»؛ فاللسان وسيلة لنقل الخير؛ فلم تجعله وسيلة لصد الناس عن طاعة الله؟ لم تجعله وسيلة  لمنع الناس أن يصلوا إلى الخير؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا اللسان غير العفيف، عن هذا اللسان البذيء يقول: «سباب المسلم فسوق» .

فالإنسان إذا كان عفيف اللسان، حسن الكلام علا بين إخوانه، أما إذا لم يحسن الكلام توقاه الناس إذا كان ممن يتفحش في قوله.

     الرفق واللين ذكره النبي صلى الله عليه وسلم حين تكلم قال: «إن الله إذا أحب أهل بيت أدخل عليهم الرفق» ولا شك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء؛ مما يبين أهمية الرفق حتى في البيت، أنت تريد أن تصحح أخطاء بيتك، تريد أن تصحح أخطاء أبنائك وحتى أخطاء زوجتك، وأهلك، ارفق بهم واحلم عليهم.

أهل البيت الذين أُدخل عليهم الرفق، لا شك أنهم في خير عظيم؛ ولذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «رفقًا بالقوارير» يعني النساء؛ مما يدل على أهمية الرفق.

رسالة واضحة

     ونحن نتكلم عن الرفق نريد أن نعطي رسالة واضحة لكل الناس: أن الله -عز وجل- رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «ما يكون الرفق في شيء إلا زانه» هذا أمر النبي، وهو أمر الشرع، يقول يا عائشة: «ما يكون الرفق في شيء إلا زانه وما ينزع من شيء إلا شانه».

فكن رفيقًا –أخي الكريم- وكن حريصًا على أن ترفق بنفسك وبمن حولك من أهل وإخوان وجيران وبكل من تتعامل معهم.

الرفق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

- الرفق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم : لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيش الرفق، ويتمثل به في سائر أحواله وشؤون حياته، كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط، إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما؛ فإن كان إثما كان أبعد الناس منه». متفق عليه، وقد ثبت ذلك عنه في مجالات كثيرة منها:

الرفق مع الأهل

قالت عائشة -رضي الله عنها-: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل شيء منه قط؛ فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله -تعالى-؛ فينتقم لله -تعالى». رواه مسلم، وكانت زوجه عائشة إذا هويت شيئا، أتبعها إياه ما لم يكن إثما، وقد أذن لها صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى أهل الحبشة وهم يلعبون، وأذن لها بالفرح، واللعب يوم العيد.

الرفق مع الخادم

 فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي أف قط، ولا قال لي لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا؟». رواه مسلم.

الرفق مع الأطفال

      فعن عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُا- قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالصبيان؛ فيبرك عليهم ويحنكهم ويدعو لهم». أخرجه البخاري. وعن أنس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح على رؤوسهم». رواه النسائي. وكان دائما يقبل الحسن والحسين ويلاعبهما، وحمل أمامه بنت زينب في الصلاة رفقا بها.

الرفق مع السائل

     قال أنس: «كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية؛ فأدركه أعرابي؛ فجبذه بردائه جبذة شديدة؛ فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك؛ فالتفت إليه، فضحك ثم أمر له بعطاء». متفق عليه .

الرفق في تعليم الجاهل

     عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه يقول: «بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ عطس رجل من القوم؛ فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أميّاه، ما شأنكم تنظرون إلي؛ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم؛ فلما رأيتهم يصمتونني، لكن سكت؛ فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه؛ فو الله ما كهرني ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن». رواه مسلم.

الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

عن أَبي هريرة رضي الله عنه  قَالَ: «بال أعرابي في المسجد؛ فقام الناس إليه ليقعوا فيه؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذنوبا من ماء، إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين». رواه البخاري.

الرفق مع العاصي التائب

      عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ جاءه رجل؛ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك قال وقعت على امرأتي وأنا صائم؛ فقال صلى الله عليه وسلم هل تجد رقبة تعتقها، قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا؛ فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا، قال: لا؛ فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فبينما نحن على ذلك أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر والعرق المكتل؛ فقال: أين السائل؟ فقال: أنا فقال: خذه فتصدق به». متفق عليه، وكذلك رفق مع الرجل الذي قبل امرأة وجاء نادما؛ فبين له أن الصلاة كفارة لذنبه، ولم يعنف عليه وهذا ثابت في الصحيح.

الرفق في التعامل مع الكفار

     فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله  صلى الله عليه وسلم ؛ فقالوا: السام عليك؛ ففهمتها فقلت: عليكم السام واللعنة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مهلاً يا عائشة؛ فإن الله يحب الرفق في الأمر كله؛ فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقد قلت عليكم». متفق عليه، وكان صلى الله عليه وسلم يخاطب الكفار ويناظرهم، ويقبل هديتهم، ويعود مريضهم، ويجيرهم، ويحسن إليهم إذا اقتضت المصلحة ذلك».

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك