رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. سندس عادل العبيد 23 سبتمبر، 2026 0 تعليق

الحياة ليست مسطرة مستقيمة

  •  الإحسان الذي يريده الله من عباده ليس بلوغ الكمال وإنما صدق الإخلاص وصواب الاتباع وبذل الوسع في العمل من غير تهاونٍ ولا غلوٍّ
  • الكمال غايةٌ لا يطيقها البشر أما الإحسان فهو الطريق الذي أمر الله به عباده وهو طريق الطمأنينة والفلاح
  • لا بأس أن تضطرب بعض تفاصيل الحياة إذا بقيت الاستقامة في القلب ولا بأس أن تتعثر إذا كنت تقوم بعد كل عثرة فالمؤمن يجاهد نفسه  ويجدد توبته

لطالما حرصت أن يكون كل شيء في حياتي مرتبًا؛ أخطط ليومي، وأنظم مهامي، وأتمنى أن تسير الأمور كما رسمت لها، ظنًّا مني أن النجاح يعني اكتمال الخطط والأعمال دون نقص أو تأخير، لكنني أدركت مع الأيام أن الحياة لا تسير دائمًا كما نريد؛ فالخطط تتغير، والأولويات تتبدل، والظروف تفرض نفسها، فننشغل بما لم ننجزه وننسى ما وفَّقنا الله إليه، وكلما سعيت إلى الكمال ازداد شعوري بالتقصير، حتى أدركت أن كثيرًا من تعبنا لا يصنعه الواقع، بل تصنعه الصورة المثالية التي نطالب أنفسنا ببلوغها. ومن هنا قلت لنفسي: لا بأس ألا تسير الأمور دائمًا كما خططنا لها!

        وليس المقصود بذلك ترك النظام أو التهاون في المسؤوليات، وإنما أن نتقبل طبيعة الحياة وما فيها من نقصٍ وتغير، وأن نكف عن مطالبة أنفسنا بالكمال؛ فنحن بشر خلقنا الله لنجاهد في تحسين العمل، لا لنبلغ كماله، وما أكثر ما أتعبتنا المطالبة بالكمال! بينما لم يطالبنا الله به يومًا؛ بل إن الكمال لله وحده.

بين الكمال والإحسان

         الكمال غايةٌ لا يطيقها البشر، أما الإحسان فهو الطريق الذي أمر الله به عباده، وهو طريق الطمأنينة والفلاح، فالإحسان أعلى مراتب الدين، وسمة الأنبياء والصالحين، وعنوان الموفقين في دنياهم وأخراهم، قال الله -عزوجل-: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (الملك: 2)، في هذه الآية يطالبنا الله -سبحانه- بالإحسان، وكأن الآية تصحح مفهومًا يرهق كثيرًا من الناس؛ فالله لم يطالبنا بتحقيق الكمال، وإنما طالبنا بتحقيق الإحسان، ولعل من دقائق التعبير القرآني أنه لم يجعل معيار التفاضل بين العباد كمال الأعمال وإنما إحسانها.

        وقد فسر الفضيل بن عياض -رحمه الله- قوله -تعالى-: {أَحْسَنُ عَمَلًا} بقوله: «أخلصه وأصوبه»، فالعمل لا يكون حسنًا حتى يكون خالصًا لله، موافقًا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أورده البغوي في تفسير سورة الملك، عند الآية الثانية.

        فالإحسان الذي يريده الله من عباده ليس بلوغ الكمال، وإنما صدق الإخلاص، وصواب الاتباع، وبذل الوسع في العمل، من غير تهاونٍ يضيعه، ولا غلوٍّ يرهقه، فإذا أدرك العبد هذا المعنى، اطمأن قلبه، واستراح من عبء الكمال، وأقبل على الطاعة بنفسٍ مطمئنة؛ يجتهد فيما يستطيع، ويستغفر مما يقصر فيه، ويرجو من ربه القبول. فالكمال لله وحده، أما الإحسان فهو الطريق الذي أمر الله به عباده.

«سدّدوا وقاربوا وأبشروا !»

         النفس البشرية جُبلت على الضعف والتقصير، والله -سبحانه- هو خالقها وأعلم بما يصلحها ويسعدها، والسُنَّة النبوية وحيٌ من الله، تهدي الإنسان إلى الطريق الذي يسير به مطمئنًا؛ فلا يرهقه التقصير، ولا يفسده الغلو، ومن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم -: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا»، ولنتأمل هذا الترتيب النبوي البديع، «سَدِّدُوا»؛ أي اقصدوا الصواب، وابذلوا وسعكم في بلوغ الأكمل، ولا ترضوا بالتفريط أو التهاون، ثم قال -صلى الله عليه وسلم -: «وَقَارِبُوا»؛ لأن الإنسان مهما اجتهد فلن يبلغ الكمال، فإن لم يدرك الغاية كلها فلا يترك الطريق كله، بل يقارب ويواصل سيره.

         ولعل من ألطف ما في هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: «سددوا أو قاربوا»، بل قال: «سددوا وقاربوا»؛ فالمقاربة ليست بديلًا عن السداد، وإنما هي رحمة بمن بذل وسعه فلم يبلغ الكمال، ثم ختمها بقوله: «وَأَبْشِرُوا»؛ ليغلق باب اليأس قبل أن يُفتح، ويزرع في القلب الأمل، ويطمئن النفس إلى أن الله لا يريد منها ما لا تطيق، وإنما يريد منها صدق السعي، وبذل الوسع، وحسن القصد.

نقارب الصواب قدر الاستطاعة

       نسدد ونجتهد، ونقارب الصواب قدر الاستطاعة، ولا نغرق في الندم والحسرة وتأنيب النفس، بل نستعين بالله ولا نعجز؛ فالمؤمن دائم الاجتهاد والسعي، ودائم التوكل وحسن الظن بربه؛ لأن قلبه معلق برب السماوات والأرض، يا لها من كلمات نبوية قليلة، لكنها تعيد ترتيب نظرة الإنسان إلى نفسه؛ فلا يرضى بالتقصير، ولا يحترق بطلب الكمال؛ بل يعيش بين اجتهادٍ لا يفتر، ورجاءٍ لا ينقطع، ومن جعل السنة ميزانًا لحياته، وجد أن كثيرًا من المفاهيم التي رسمها لنفسه تتبدل، وأن مشاعره تنضبط، وأولوياته تستقيم، ونظرته إلى نفسه وإلى الحياة تصبح أكثر اتزانًا وطمأنينة؛ لأن هدي النبي -[- لا يصلح العمل فحسب، بل يصلح القلب.

الاستقامة لا الكمال

        لقد ظن كثير من الناس أن طريق الصلاح هو بلوغ الكمال، بينما دلنا القرآن والسنة على أن طريق الصلاح هو الاستقامة، فالله -سبحانه- لم يأمر نبيه -[- بالكمال، وإنما قال: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} (هود: ١١٢)، ولما جاء رجل إلى النبي -[- فقال: «قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك»، لم يقل له: لا تخطئ، أو كن كاملًا، وإنما قال: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ»؛ فالاستقامة لا تعني العصمة من الخطأ، ولا تعني أن يخلو طريق الإنسان من التقصير، وإنما تعني أن يبقى قلبه متوجهًا إلى الله، وأن يظل ثابتًا على طريق الطاعة؛ كلما زلَّ تاب، وكلما قصر استغفر، وكلما تعثر نهض وأكمل المسير؛ ولهذا كانت الاستقامة هي المنهج الذي ربى عليه النبي -[- أصحابه؛ فلم يربِّهم على ما لا تطيقه النفوس، ولم يفتح لهم باب التهاون، وإنما ربّاهم على الثبات، والمجاهدة، ودوام السير إلى الله؛ فالنجاح الحقيقي ليس أن تعيش بلا خطأ، وإنما أن تمضي إلى الله مستقيمًا؛ لا يصدك تقصير، ولا يوقفك تعثر، ولا يقطعك يأس.

لا تجعل التقصير يوقف المسير

        من أخطر آثار السعي إلى الكمال أن يظن الإنسان أن عثرة واحدة تهدم كل ما بناه، فيترك الطريق بسبب خطأ أو تقصير، مع أن النجاح لا يخلو من العثرات. والمؤمن لا يستسلم لتقصيره، بل يحاسب نفسه ثم ينهض مستعينًا بالله؛ قال النبي -[-: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»، فالعبرة ليست بكمال العمل، وإنما بدوامه والاستمرار عليه، وقال -[-: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجِزْ»، وهو منهج يجمع بين السعي والتوكل وعدم الاستسلام: احرص فلا تتواكل، واستعن بالله فلا تعتمد على نفسك وحدها، ولا تعجز فتجعل الفشل أو تأخر النتائج سببًا لترك الطريق.

        وهكذا يربي الإسلام المؤمن على التوازن؛ فلا تهاون ولا إرهاق للنفس بطلب الكمال. فلا تجعل الندم يحبس خطواتك، ولا آلام الماضي تسرق حاضرك؛ بل تب، وجدِّد عزمك، وخطط واجتهد، وعدِّل مسارك كلما احتاج الأمر، ثم واصل السير مستعينًا بالله؛ فالنجاح ليس ألا تتعثر، بل أن تنهض وتواصل، وليس المطلوب ألا تخطئ، بل ألا تجعل الخطأ يقطع طريقك إلى الله؛ فالحياة لا تمضي دائمًا كما نخطط، وإنما تمضي بشيء من المرونة، وكثير من السعي والاجتهاد، ودوام الاستعانة بالله.

امضِ إلى الله ولا تتوقف

         إذا أدركت أن الله لم يطلب منك الكمال، بل طلب منك الإحسان، وأن النبي -[- أرشدك إلى السداد، والمقاربة، والاستقامة، ودوام العمل، والاستعانة بالله، علمت أن طريقك إلى الله ليس طريقًا يخلو من العثرات؛ وإنما طريقٌ تُجبر فيه العثرة بالتوبة، ويُعالج فيه التقصير بالاستغفار، ويُستأنف فيه السير بعزمٍ متجدد.

فلا بأس بشيءٍ من الفوضى

        فلا بأس أن تضطرب بعض تفاصيل الحياة إذا بقيت الاستقامة في القلب، ولا بأس أن تتغير الخطط إذا لم تتغير الهمة، ولا بأس أن تتعثر إذا كنت تقوم بعد كل عثرة، وما دام المؤمن يجاهد نفسه، ويجدد توبته، ويستعين بربه، ويواصل سيره، فإنه داخل في وعد الله العظيم: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت: ٦٩)؛ فالله لم يطلب منك أن تكون كاملًا كل يوم، وإنما أن تبقى مجاهدًا، مستقيمًا، محسنًا، حتى تلقاه.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك