سلسلة الأخلاق الإسلامية .. المُداراة فِقه الثبات وحُسن إدارة الناس (١-٢)
- كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحكم الناس في تعاملاته فلم يكن يجعل كل إساءة قضية ولا كل مخالف عدوًّا مع ثباته الكامل على الحق
- المداراة خُلُق يقوم على الرفق بالناس واحتمال شيء من جفائهم والتغاضي عن بعض هفواتهم ولين الخطاب معهم
- المداراة لا تغير الحق وإنما تغير طريقة عرضه ولا تبيح المنكر وإنما تختار أنفع الطرائق في معالجته
- المداراة بذل شيء من مصالح الدنيا لصيانة الدين أو دفع الشر أما المداهنة فهي التنازل عن شيء من الدين طلبًا للدنيا
ليس كل لين ضعفًا، ولا كل شدة قوة، ولا كل صراحة شجاعة؛ فقد تكون الشدة عجزًا عن ضبط النفس، وتكون الصراحة ستارًا لسوء الخلق، ويكون الرفق قوة لا يقدر عليها إلا من ملك نفسه، وأحسن تقدير المواقف، وعرف أن الغاية من الكلام إصلاح الناس لا الانتصار عليهم، ومع ذلك يربط بعض الناس الثبات بالصدام، والصدق بالغلظة؛ فإذا رأوا داعية أو مصلحًا أو مسؤولًا يلين في خطابه، أو يتغاضى عن هفوة، أو يؤجل مواجهة إلى وقت أنسب، رموه بالضعف والتنازل، وهذا ناشئ عن الخلط بين المداراة المشروعة والمداهنة المحرمة؛ فالمداراة تحفظ الحق وتحسن عرضه، أما المداهنة فتضيعه طلبًا لرضا الناس أو لمصلحة شخصية.
ما المداراة؟
المداراة خُلق يقوم على الرفق بالناس، واحتمال شيء من جفائهم، والتغاضي عن بعض هفواتهم، ولِين الخطاب معهم؛ دفعًا لشر، أو جلبًا لمصلحة، أو إبقاءً لباب الإصلاح مفتوحًا، من غير تنازل عن أصل شرعي، ولا إقرار لباطل، ولا تضييع لحق واجب، فقد يسكت العاقل عن كلمة طائشة لئلا تشعل خصومة، ويؤخر النصيحة حتى تتهيأ النفس لقبولها، ويحسن معاملة من يعرف سوء خلقه اتقاءً لفحشه لا ثقةً بطويته، ويتجاوز عن حق شخصي حمايةً لعلاقة أو مصلحة عامة، فالمداراة لا تغير الحق، وإنما تغير طريقة عرضه، ولا تبيح المنكر، وإنما تختار أنفع الطرائق في معالجته، وليست الحكمة أن تقول كل ما تعرف، ولا أن تقول الحق في كل وقت وبالطريقة نفسها؛ فإن للكلمة زمانًا، وللنصيحة مقامًا، وللنفوس أبوابًا.المداراة في هدي القرآن
قال الله -تعالى-:{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت:٣٤)، فأمر باختيار الوسيلة الأقرب إلى إصلاح المخطئ، وإطفاء العداوة، وحماية الحق، وقال -سبحانه-:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف:١٩٩)، فجمعت الآية أصول سياسة الناس: قبول الميسور من أخلاقهم، وأمرهم بالخير، وعدم استنزاف النفس في مجادلة كل جاهل؛ لأن من وقف عند كل كلمة، وخاصم في كل هفوة، تبدد عمره في المعارك الصغيرة، وشُغل عن المقاصد الكبرى. وأمر الله موسى وهارون -عليهما السلام- أن يقولا لفرعون:{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه:٤٤)، ولم يكن لين القول مدحًا لفرعون، ولا تنازلًا عن التوحيد؛ وإنما اختيارًا للأسلوب الأليق بالدعوة وإقامة الحجة. وقال -سبحانه مخاطبًا نبيه - صلى الله عليه وسلم -:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران:١٥٩)؛ فالناس قد ينفرون من النصيحة لا لفسادها، ولكن لغلظة الناصح؛ وكم من كلمة صحيحة أفسدها سوء الأسلوب! وكم من قضية عادلة أضعفها طَْش المدافعين عنها!الرفق قوة لا ضعف
المداراة فرع عن الرفق، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه». أخرجه مسلم (٢٥٩٤)، فالرفق يزين النصيحة، ويقرب القلوب، ويعين المخطئ على الرجوع، أما العنف فيدفعه إلى المكابرة، ويحول المسألة من بحث عن الصواب إلى صراع على الكرامة. وليس معنى الرفق التنازل عن الحق، وإنما تقديمه في الثوب الأقرب إلى القبول، وألا تستعمل الشدة حيث تكفي الكلمة اللينة. وقد سئل معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - كيف حكم الشام أربعين سنة ولم تحدث فتنة، فقال: «إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت؛ كانوا إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها». مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ٢٥/٥٣، والقوي حقًا من يملك زمام نفسه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩)؛ فالقوة ليست في سرعة الرد، وإنما في اختيار الرد المناسب، وألا يقهرك غضبك، ولا يسلبك السفيه اتزانك.في المدرسة النبوية
استأذن رجل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال قبل دخوله: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة»، فلما دخل ألان له القول وانبسط إليه، فلما سألته عائشة -رضي الله عنها- قال: «يا عائشة، متى عهدتني فحاشًا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره». أخرجه البخاري (٦٠٣٢)، ومسلم (٢٥٩١) فلم يمدح النبي - صلى الله عليه وسلم - ما في الرجل من سوء، ولكنه عامله بما يدفع شره. فالمنافق يمدح الباطل طمعًا، أما المداري فيلين في المعاملة اتقاءً للشر، مع معرفته بحقيقة صاحبه. ومن ذلك موقفه - صلى الله عليه وسلم - من عبدالله بن أُبيّ بن سلول؛ فقد أثار العصبية بين المسلمين، فطلب عمر - رضي الله عنه - الإذن في قتله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». أخرجه البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤)، فلم يكن تركه عجزًا ولا رضا بنفاقه، وإنما نظرًا في مآلات الفعل؛ إذ كان قتله سيمنح أعداء الدعوة مادة يصدون بها الناس عن الإسلام، ويفتح فتنة أعظم. وهذا هو فقه المآلات: ألا يقف الإنسان عند الفعل المباشر، بل ينظر إلى نتائجه وما قد يصنعه الخصوم به. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستبقي العهود ما دام الطرف الآخر قائمًا بها، فإذا وقع الغدر انتقل من الرفق إلى الحزم. فالمداراة تقدر بقدرها، وتنتهي حين تصبح ذريعة إلى تمادي المعتدي أو ضياع الحقوق.المداراة ليست مداهنة
قد تتشابه المداراة والمداهنة في الظاهر؛ لأن كلتيهما قد تتضمن لينًا أو سكوتًا، ولكنهما تفترقان في الحقيقة، فالمداراة بذل شيء من مصالح الدنيا لصيانة الدين أو دفع الشر، أما المداهنة فهي التنازل عن شيء من الدين طلبًا للدنيا. المداري يلين في العبارة، لكنه لا يغير الحكم، ويسكت عن هفوة، لكنه لا يقر منكرًا. أما المداهن فيسكت عن الظلم خوفًا على منصبه، ويزين الباطل طمعًا في المال أو القرب، ويتحول مع اتجاه القوة. فالمداري ثابت في أصوله، مرن في وسائله، أما المداهن فمرن في أصوله، متشدد فيما يخدم مصالحه، ومن يجامل أصحاب النفوذ في باطلهم، ثم يغلظ على الضعفاء، ليس مداريًا، وإنما هو خائف طامع.
لاتوجد تعليقات