الأسرة المسلمة 1317
الاقتصاد في النفقة ليس حرمانًا، ولا البعد عن الإسراف بخلًا، بل هو عبادةٌ يتقرب بها المؤمن إلى ربه، وحكمةٌ تحفظ المال، وتقي الأسرة غوائل الديون، وتفتح أبواب البركة.
المرأة الحكيمة صِمام أمان الأسرة
إدارة ميزانية البيت هي مسؤولية تربوية وأمانة شرعية، تؤجر عليها المرأة إذا قصدت بها حفظ أسرتها، وصيانة مالها، وإعانة زوجها، وحماية بيتها من الإسراف والديون، فالمرأة الحكيمة لا تنساق خلف المظاهر والإعلانات، ولا تقيس سعادتها بما في أيدي الآخرين، وإنما توازن بين حاجات أسرتها وإمكاناتها، فتقدم الضروري على الكمالي، وتدخر للطوارئ، ولا تجعل رغبات اليوم سببًا لضيق الغد.
وقد رسم الإسلام منهجًا متوازنًا في الإنفاق، يقوم على الاعتدال بين الإسراف والتقتير، فقال -تعالى-: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (الفرقان: 67)، كما نهى عن التبذير وعدَّه من مسالك أهل الغفلة، فقال -سبحانه-: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} (الإسراء)، وحذَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من إضاعة المال، فقال: «إن الله كره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال»، وقال أيضًا - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُوا، وَاشْرَبُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَالْبَسُوا، غَيْرَ مَخِيلَة، وَلَا سَرَف». من هنا فإن الاقتصاد في النفقة ليس بخلًا ولا حرمانًا، وإنما هو حسن تدبير، وشكر لنعمة الله، وحفظ لاستقرار الأسرة ومستقبلها. فالمرأة المؤمنة تنفق بحكمة، وتضع المال في موضعه، وتميز بين الحاجة والرغبة، وبين ما ينفع الأسرة وما يثقلها بأعباء لا حاجة إليها. ولا يقتصر أثر هذا السلوك على إدارة المال، بل يمتد إلى تربية الأبناء؛ إذ تغرس في نفوسهم القناعة، واحترام النعمة، وتحمل المسؤولية، فينشؤون بعيدًا عن ثقافة الترف والاستهلاك، وهكذا تكون المرأة المدبرة صمام أمان لأسرتها، تحفظ مالها، وتصون استقرارها، وتغرس فيها البركة؛ فالبركة ليست في كثرة المال، وإنما في حسن تدبيره، والاعتدال في إنفاقه، وشكر المنعم -سبحانه-.
تعـاون الـزوجيـن سـرّ نـجـاح الأسـرة
تقوم الحياة الزوجية في الإسلام على المودّة والرحمة، ويقوى بنيانها حين يكون الزوجان عونًا لبعضهما على طاعة الله، يتواصيان بالخير، ويتعاونان على العبادة، ويغرسان في البيت روح الإيمان والصلاح. قال -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: 2)، ومن صور هذا التعاون أن يذكّر كلٌّ منهما الآخر بالصلاة والذكر، ويعينه على تربية الأبناء، وأداء الحقوق، والثبات عند الشدائد، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رحِم الله رجلًا قام من الليل فصلّى، وأيقظ اَمرأته، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلّت، وأيقظت زوجها»، ولا يقتصر التعاون على العبادات، بل يشمل تحمل مسؤوليات الأسرة بروحٍ من التفاهم والتكامل، بعيدًا عن اللوم والخصام. فالبيت الذي يتعاون أهله على البر والطاعة تحفّه السكينة، وتقوى فيه المودة، وتنشأ فيه ذرية صالحة، ويكون الزوجان شريكين في بناء بيتٍ يقودهما إلى رضوان الله وجنته.معدن الزوجة الصالحة يظهرفي الشدائد
حين تضيق الأحوال، لا يحتاج الزوج إلى من يزيد همَّه، بل إلى زوجة تبعث في قلبه الطمأنينة، وتعينه على تجاوز الأزمة بالصبر والرضا وحسن التدبير، قال -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة: 2)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى»، ومن السماحة وحسن التدبير أن تتنازل الزوجة عن بعض الكماليات، وأن تشارك زوجها في صناعة الحلول، فكم من بيت نجته الحكمة، وأهلكته المطالبات المستمرة!
الدعاء سلاح الأسرة الصالحة
الدعاء من أعظم أسباب صلاح الأسرة واستقرارها، فهو صلةٌ بالله، وسببٌ لنزول رحمته وتوفيقه، وما أحوج الزوجين إلى أن يلهجا بالدعاء لأنفسهما وأبنائهما! فالقلوب بيد الله، وهو وحده القادر على هدايتها وإصلاحها، قال -تعالى-: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان: 74)، وكان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي» فالأسرة التي يرفع أفرادها أكف الضراعة إلى الله، ويلتمسون منه الهداية والصلاح، أسرةٌ أقرب إلى السكينة، وأرجى للتوفيق، وأدنى إلى دوام المودة والاستقامة.المودّة تُصنع بالطاعة
المودة بين الزوجين ليست كلماتٍ تُقال، ولا مشاعرَ عابرة، وإنما ثمرة إيمانٍ صادق، وحسن خلق، وصبر، وعفو، وإحسان، فكلما ازداد الزوجان قربًا من الله، ازداد قربهما من بعضهما، وأصبحت الطاعة مصدرًا للسكينة، والرحمة عنوانًا للحياة الزوجية، قال -تعالى-: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: 21)، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كمال الإيمان مرتبطًا بحسن المعاملة داخل الأسرة، فقال: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم»، فإذا زُيِّن البيت بطاعة الله، ولانت القلوب بحسن الخلق، وغلب العفو على الخصام، نمت المودة، وتعاظمت الرحمة، وأصبح البيت واحةً من السكينة والسعادة، كما أراد الله له أن يكون.كونِي ملاذ ابنتك الأول..
لجوء الفتاة إلى غير والديها للبوح بأسرارها؛ غالبًا ما يكون نتيجة خللٍ في التنشئة الأسرية، يقوم على التضييق، أو كثرة اللوم، أو غياب الاحتواء، ولا سيما في مرحلة المراهقة، ومن هنا يأتي دور الأم في أن تكون قريبة من ابنتها، تستمع إليها، وتتفهم مشكلاتها، وتساندها، وترشدها بحكمة، حتى تصبح ملاذها الأول، وتشعر معها بالأمان والطمأنينة، فلا تبحث عن الاحتواء في غير بيتها.من صور الإسراف
- الإسراف في الولائم والمناسبات: من أكثر صور الإسراف انتشارًا إعداد الولائم بما يفوق الحاجة، حتى يُلقى كثير من الطعام في النفايات، وقد نهى الله عن ذلك فقال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف: 31)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه».
- الإسراف في شراء الكماليات: تحويل التسوق إلى عادة، واقتناء ما لا حاجة إليه من الملابس والأثاث والأجهزة، يرهق ميزانية الأسرة ويزرع حب المظاهر. قال -تعالى-: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} (الإسراء).
- الإسراف في استهلاك الماء والكهرباء: من الأخطاء الأسرية ترك الأنوار والأجهزة تعمل بلا حاجة، أو الإسراف في استعمال الماء، لقوله -جلَّ وعلا-:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} (الفرقان:67).
لا تركني إلى نفسك كثيرًا..
لا تركني إلى نفسك كثيرًا، ولا تثقي بقدرتك على تغيير الآخرين إلى الحد الذي تنسيْن فيه أن القلوب بين يدي الله، وأن الهداية والتوفيق لا يكونان إلا بمشيئته وإرادته، فخذي بالأسباب، وأحسني الأسلوب، وأكثري من الدعاء، فإن الدعاء من أعظم وسائل الإصلاح والتأثير، فإذا أردتِ أن تُصلحي سلوك ابنك، أو ابنتك، أو زوجك، أو غيرهم، فلا تعتمدي على حكمتك وحدها، بل اقرعي باب السماء، واسألي الله أن يفتح القلوب للحق، فما خاب من استعان بالله، ولا ضلَّ من طلب التوفيق منه -سبحانه-.
لاتوجد تعليقات