رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد سلطان السلطان 5 أغسطس، 2026 0 تعليق

خواطر  الكلمة الطيبة.. عودة الذكر إلى هدي النبوة

  • إن أعظم ما تحتاجه الأمة في كل زمان هو إحياء سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وربط الناس بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة
  • إن القضاء على البدع لا يكون بالشعارات، ولا بالصمت، ولا بالمجاملة، وإنما يتحق بالعلم الشرعي الصحيح، والعمل بالسنة
 

جاء الإسلام لتعبيد الناس لرب العالمين وفق مراد الله -تعالى- وهدي نبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ قال الله -تعالى- مخاطبًا نبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} (الشورى: 52)، قد كان الناس قبل الإسلام يعيشون في ظلمات الجهل، ومن أعظم مظاهر ذلك الجهل ما يتعلق بالعقائد والعبادات؛ إذ لا يجوز لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه -سبحانه-، فلا تُفتح أبواب العبادات بالرأي أو الذوق أو العاطفة، وإنما بالدليل من الكتاب والسنة.

       ولهذا كانت مهمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعلِّم الناس كيف يعبدون ربهم، فبيَّن لهم كل ما يحبه الله ويرضاه، ولم يترك بابًا من أبواب الخير إلا دل الأمة عليه، ومن ذلك باب الذكر، فقد قال -سبحانه-: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الأحزاب: 35)، وبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الذكر منه المطلق، ومنه المقيد، فهناك أذكار الصلاة، وأذكار ما بعد الصلاة، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار الأحوال والمناسبات، وكلها جاءت بكيفيات وهيئات وأوقات محددة، فلا يزاد فيها ولا ينقص منها. وقد مات النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما ترك أمته على المحجة البيضاء، كما قال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك».

عبدالله بن مسعود- رضي الله عنه-  والذكر الجماعي

       ولننتقل الآن إلى ما بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو أربعٍ وعشرين سنة، فقد خرج عبدالله بن مسعود - رضي لله عنه - يومًا من بيته بالكوفة، فوجد أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - ينتظره، فقال له: «إني رأيت في المسجد أمرًا أنكرته، ولم أرَ إلا خيرًا»، فلما دخلا المسجد، وجدا حِلقًا يجلس فيها الناس، وعلى رأس كل حلقة رجل يقول لهم: سبحوا الله مائة، احمدوا الله مائة، كبِّروا الله مائة، فيُردِّد الجميع الذكر بصوت واحد وبكيفية جماعية؛ فلما رأى ابن مسعود - رضي الله عنه - ذلك، قال لهم: «عدُّوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء». فقالوا: «والله يا أبا عبدالرحمن، ما أردنا إلا الخير»، فقال كلمته العظيمة التي أصبحت قاعدة في باب الاتباع: «وكم من مريدٍ للخير لن يصيبه!»، ثم قال: «أأنتم أهدى من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -؟!»، وبيَّن لهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلِّمهم هذه الهيئة، مع أنهم شاهدوه يذكر الله، وعرفوا ألفاظ الذكر وكيفيته وهيئته وأوقاته، ثم ختم نصيحته بقوله: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم».

العبادة لا تكون مقبولة إلا بالاتباع

       قد تبدو بعض الأعمال في ظاهرها خيرًا، لكن العبرة ليست بحسن المقصد وحده، وإنما بموافقة السنة، فلو كانت هذه الكيفية في الذكر مما يحبه الله، لشرعها -سبحانه-، ولو شرعها الله لبيَّنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو بيَّنها النبي - صلى الله عليه وسلم - لنقلها الصحابة -رضوان الله عليهم- للأمة، وهذه هي السلسلة الذهبية في تلقي الدين: الله -سبحانه- يشرع، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبلِّغ، والصحابة ينقلون، ثم تتلقاها الأمة بالقبول، فما جاء بعد ذلك فهو إما اتباعٌ للسنة، وإما ابتداعٌ في الدين.

النهاية الخطيرة

        ولم يكن إنكار ابن مسعود - رضي الله عنه - مجرد اعتراض على طريقة من طرائق الذكر، بل كان نظره إلى مآلات الأمور، ولهذا قال الراوي عن أولئك القوم بعد سنوات: «رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج». فتأملوا! بدأ الأمر بحلقة ذكر مبتدعة، ثم انتهى بأصحابها إلى الخروج على جماعة المسلمين. ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في وصف الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، ثم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». فكثرة العبادة وحدها لا تكفي إذا لم تكن مبنية على السنة.

كيف انتشرت هذه البدع؟

        قام عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - بواجبه، فأنكر البدعة وأقام الحجة، فانفضَّت تلك المجالس. لكن الشيطان لا يمل من إحياء البدع، فما إن تمضي سنوات حتى يعيد بثها في أماكن أخرى. وكان موسم الحج من أبرز المواطن التي تنتقل فيها بعض الممارسات المخالفة؛ إذ يجتمع المسلمون من بلدان متعددة، فيرى بعض العامة أعمالًا لا أصل لها، فيظنونها من الدين، ثم يعود كل واحد إلى بلده ناشرًا ما رآه، وهكذا انتقلت كثير من البدع إلى أقطار مختلفة، ولا سيما مع ضعف العلم وقلة من يبين السنة.

إحياء السنة في الكويت

       وصلت بعض تلك المظاهر إلى الكويت في عقودٍ سابقة، فكان الذكر الجماعي يُرى في بعض المساجد، ولا سيما في المناطق الساحلية حتى أوائل السبعينيات، وتأثر بذلك بعض الأئمة الذين حملوا معهم ما اعتادوه في بلدانهم. ثم جاءت الدعوة العلمية المباركة، وانتشر تعليم العقيدة والسنة؛ فعرف الناس أن للذكر ضوابط شرعية في ألفاظه، وكيفياته، وأوقاته، وهيئاته، وأن العبادة توقيفية لا مجال للرأي فيها. وفي بدايات الأمر وقعت بعض المناقشات والمواقف بين الشباب الحريصين على السنة وبعض الأئمة، لكن الدعوة استمرت بالحكمة والتعليم والصبر، حتى ظهرت ثمارها. وبحلول منتصف الثمانينيات، وبعد سنوات من الدعوة المتواصلة إلى الكتاب والسنة، اختفت هذه المظاهر من غالب مساجد الكويت، ولم يبق منها إلا ما يقتصر على بعض التجمعات الخاصة لبعض الطرق الصوفية، أما المساجد فقد عادت -بفضل الله- إلى هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب. ولا شك أن هذا من نعم الله على البلاد، ثم من ثمار جهود العلماء والدعاة الذين جعلوا شعارهم: قال الله، وقال رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

الطريق إلى القضاء على البدع

إن القضاء على البدع لا يكون بالشعارات، ولا بالصمت، ولا بالمجاملة، وإنما يتحقق بثلاثة أمور: العلم الشرعي الصحيح، والعمل بالسنة، والدعوة إليها بالحكمة والصبر. أما إذا سكت أهل العلم، وتقاعس الدعاة، وقال كل واحد: «ليس هذا من شأني»، فإن البدع لا تلبث أن تعود للظهور والانتشار، ولهذا قال أهل العلم: إذا أُحييت السنة ماتت البدعة، وإذا أميتت السنة عاشت البدعة. إن أعظم ما تحتاجه الأمة في كل زمان هو إحياء سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وربط الناس بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة؛ فكلما ازداد العلم الصحيح، انحسر الجهل، وضعفت البدع، وقويت معالم الهداية.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك