داعية رحلت وبقي الأثر ..إقبال العنزي (أم ناهض) في ذمة الله
- الفليج: رحلت أم ناهض وبقيت سيرتها الطيبة شاهدة على سنوات من الدعوة والبذل والعطاء
- الطويل: سنوات المرض انتهت لكن الدعاء لها والوفاء لذكراها لن ينقطعا بإذن الله
- الياسين: موت الصاحبات الصالحات رسالة متجددة تدعونا إلى مراجعة أعمالنا والاستعداد للقاء الله
- الفودري: غرست أم ناهض رحمها الله الخير في القلوب وثبتت على طريق الدعوة حتى لقيت ربها صابرة محتسبة
- د. العبيد: أصحاب القلوب البيضاء يرحلون عن الدنيا لكن نقاء أرواحهم يبقى حيا في ذاكرة الناس
- التنيب: المحبة التي يتركها الإنسان في القلوب أعظم شهادة تُكتب له بعد الرحيل
في مساء يوم الأربعاء، الثامن من صفر سنة 1448هـ، الموافق 22 يوليو 2026م، ودّعت جمعية إحياء التراث الإسلامي الأخت إقبال عبدالله السودان العنزي (أم ناهض)، إحدى رائدات العمل الدعوي النسائي في الجمعية، بعد مسيرة حافلة بالدعوة إلى الله، والعمل الخيري، وخدمة الناس، وقد أُديت صلاة الجنازة عليها بعد صلاة العشاء، ثم ووري جثمانها الثرى في مقبرة الصليبخات، وسط مشاعر من الحزن والدعاء، وذكريات طيبة تناقلتها رفيقات دربها، ممن عرفن فيها صدق العزيمة، وصفاء القلب، وبشاشة الوجه، والثبات على طريق الدعوة.
لم يكن رحيل أم ناهض -رحمها الله- فقدًا لأسرتها ومحبيها فحسب، بل كان حدثًا مؤلمًا استحضرت فيها أخواتها ما تركته من آثار مباركة ومواقف كريمة، وما غرسته خلال سنوات طويلة من معاني الخير والبذل والمحبة في الله؛ فالإنسان يغادر الدنيا، ولكن تبقى سيرته شاهدةً له، وتظل أعماله الطيبة حاضرة في القلوب والنفوس.خير الناس أثرًا وإن غابوا
كتبت دانة الفليج (أم عيسى السليم) عنها فقالت: رحلت عن دنيانا أخت لنا في الله، إقبال السودان (أم ناهض)، نحسبها والله حسيبها، ولا نزكي على الله أحدًا، وقد عُرفت بحسن الخلق، وصفاء القلب، والاستقامة، كان حضورها بين الناس طيبًا، وأثرها في النفوس جميلًا، ولم تكن تُعرف إلا بالخير، ولم يُذكر اسمها إلا مقرونًا بالكلمة الطيبة والسعي في قضاء حوائج الناس. عرفت أختي أم ناهض منذ أوائل الثمانينيات، ومنذ أن بدأت معنا في مجال الدعوة كانت صاحبة نشاط وهمة، شاركت في حلقة النزهة منذ بدايتها، ثم أسهمت بدور بارز في تأسيس اللجنة النسائية بجمعية إحياء التراث الإسلامي، وترأست اللجنة النسائية سنوات عدة، وكان لها أثر واضح في ميدان الدعوة، وعاشت حياتها متمسكة بدينها، محافظة على عبادتها، متحلية بالتواضع والحياء، فكانت قدوة في أخلاقها وسيرتها، وشاهدة على أن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو حسن الذكر، كما تركت أبناءً وبنات نعرف عنهم السيرة الطيبة وحسن الخلق، نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدًا. إن فقدها ليس خسارة لأهلها ومحبيها وحدهم، بل لكل من عرفها وتعامل معها؛ فقد كانت مثالًا للمرأة الصالحة التي تركت في القلوب محبة، وفي النفوس دعاء لا ينقطع، نسأل الله أن يغفر لها، ويرحمها رحمة واسعة، ويجعل قبرها روضة من رياض الجنة، ويرفع درجتها في عليين، ويجزيها عن إحسانها خير الجزاء، ويلهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان.رحلت إلى رب رحيم
وفي السياق ذاته كتبت إيمان الطويل قائلةً: عندما يصلنا خبر وفاة من نحب نحزن ونتألم؛ لأن الفراق موجع، ولكننا حين نتذكر أن الله هو الحي الذي لا يموت، نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ونلجأ إلى الله بالدعاء؛ فهو أكثر ما يحتاج إليه من غادر الدنيا: الدعاء بالرحمة والمغفرة، والثبات عند السؤال، ورفعة الدرجات. رحم الله أختنا إقبال العنزي (أم ناهض)، عرفناها بهذه الكنية، فإذا ذُكر اسمها ذُكرت العزيمة والحزم والهمة في الدعوة، وذُكرت ابتسامتها التي لم تكن تفارقها! عندما وصلنا خبر وفاتها قالت ابنتي أروى: «رحم الله أم ناهض المبتسمة الراضية الصابرة، وأسكنها الفردوس الأعلى، وجعل ما أصابها من مرض رفعة في درجاتها، وصبّر أبناءها». لقد طالت رحلة مرضها، وكنا نتواصى بالدعاء لها، ونسأل عنها باستمرار: هل هي في الكويت أم خارجها؟ هل لا تزال في المستشفى؟ هل خرجت من العناية؟ وكنا نرجو زيارتها، لولا ظروف مرضها، وكنت أتواصل مع ابنتها دلال، فأرسل إليها الدعوات التي تسكن القلب، وكانت ترد بنفس صابرة راضية، تؤمّن على الدعاء وتحتسب ما أصاب والدتها. كان آخر لقاء جمعني بها قبل سنوات عدة من أجمل اللقاءات، وقد ضم عددًا من الأخوات، وكانت سعيدة به. جعلها الله في روح وريحان ورب راضٍ غير غضبان، ونسأل الله أن يثبت ابنتيها دلال ونورة وإخوانهما، وأن يرزقهم الصبر على فقد والدتهم، وأن يعينهم على مواصلة برها بعد موتها بالدعاء والصدقة والعمل الصالح، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، لقد كانت أم ناهض من العاملات في لجان الخير ومن أهل البذل، فنسأل الله أن يتقبل منها، وأن يجعل أعمالها في ميزان حسناتها.ولنا في موت الصالحات وقفات وعظات
وعنها كتبت مديرة إدارة العمل النسائي فاطمة الياسين: بسم الله القائل في كتابه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، والحمد لله الذي قدّر لكل نفس أجلًا محتومًا، والصلاة والسلام على من كان لنا قدوة في الصبر والثبات عند الفقد. بالأمس القريب تلقينا خبر وفاة أختنا فاطمة المنصوري، ثم تلقينا خبر وفاة أختنا إقبال العنزي (أم ناهض)، وقد سبقتهما إلى الله أخوات عزيزات: إيمان البعيجان، وآمال الحوال، ونوال الحوال، وخولة الجسار، وفايزة العامر، وفوزية العنزي، رحمهن الله جميعًا رحمة واسعة، وجعلهن في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، عشنا معهن أجمل اللحظات، وصحبناهن فكنَّ خير الصاحبات، ولو كان الخلود لأهل الدنيا لكان أولى الناس به خير البشر -صلى الله عليه وسلم-، ولكنها دار فناء، ومنزل عبور، والخلود الحقيقي في الجنة. نسأل الله أن يجعلنا وإياهن من أهل قوله -تعالى-: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} (القمر: 54-55).وقفات وعظات
- الدنيا ليست دار قرار؛ فلا يرهق الإنسان نفسه في طلب ملذاتها الزائلة، وإنما يكون كيّسًا فطنًا، كما قيل: «الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه، وعملَ لما بعدَ الموت»وهو حديث ضعيف لكن معناه صحيح..
- العمر رأس مال الإنسان؛ فليستثمره فيما يثقل ميزان حسناته ويقربه من ربه؛ فالجنة درجات، وكل إنسان يبني منزلته فيها بما يقدمه من عمل صالح.
- لا تصفو الدنيا لأحد، غنيا كان أو فقيرًا، كبيرًا أو صغيرًا؛ فهي دار ابتلاء واختبار، فلا يحزن العبد على ما فاته منها، وليكن قلبه متعلقًا بالآخرة، وليخلص في عمله، ويطهر صدره من الغل والحسد.
- يعيش بعض الناس وكأنهم مخلدون، فيغفلون عن ذكر الله، ويلهون بما يغضبه، حتى إذا جاء الموت تمنوا الرجوع، قال -تعالى-: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} (المؤمنون: 99).
- أحسن كتابة سيرتك في الدنيا؛ فمهما طال العمر فالرحيل آتٍ، ولن يبقى بعد الإنسان إلا عمله وذكره الحسن.
- تذكر أنك اليوم فوق الأرض، وغدًا تحتها، فليكن همك: كيف تحب أن تُنادى يوم العرض على الله؟
أثر باقٍ بعد الرحيل
كما نعتها فاطمة عبدالله الفودري قائلةً: رحلت أختنا العزيزة أم ناهض، لكنها تركت أثرًا لا يُنسى في القلوب فقد عُرفت ببشاشة وجهها وطيب خلقها، وبكلماتها التي كانت تبث الطمأنينة والأمل. وكانت من أهل الدعوة إلى الله سنوات طويلة، ثابتة على طريق الخير؛ فإذا فترت الهمم ذكّرت بالثبات، وإذا اشتدت الابتلاءات دعت إلى الصبر والاحتساب، فتقوى بكلماتها القلوب وتستقيم الخطى، ابتلاها الله بالمرض فصبرت واحتسبت حتى لقيت ربها. نسأل الله أن يجعل صبرها رفعة لها، وأن يتقبل سعيها، ويجعل ما غرسته من خير في النفوس صدقة جارية لا ينقطع أجرها، رحمها الله رحمة واسعة، وغفر لها، وأسكنها الفردوس الأعلى، وجمعنا بها في الجنة.من أصحاب القلوب البيضاء
وكتبت الأستاذة في كلية الشريعة بجامعة الكويت الدكتورة سندس العبيد: آلمني خبر وفاة الخالة الغالية أم ناهض، رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته، عرفتها في صغري وهي تشرف على المحاضرات وتسعى في طريق الدعوة والخير، وعرفت فيها ابتسامتها الصافية وهدوءها الوقور. كانت، فيما نحسبها ولا نزكي على الله أحدًا، نعم المرأة الصالحة. كان صفاء قلبها ينعكس على ملامحها، حتى ليشعر من يلقاها أن البياض يكسو روحها قبل ظاهرها. كانت تعمل بصمت وتواضع، وتسعى في ميادين الخير بسماحة ولين ولطف؛ فلا تُرى إلا في خير، ولا تُذكر إلا بخير، وهكذا أصحاب القلوب البيضاء؛ لا يتركون وراءهم ضجيجًا، وإنما يتركون أثرًا. تمر الأيام وتغيب الوجوه، ويبقى في القلوب ذكر من أحسن إليها وأضاء حياتها بخلق كريم، وكلمة طيبة، وبذل خفي. ومن أعظم الأوصاف التي مدح بها النبي - صلى الله عليه وسلم- أصحاب هذه القلوب قوله حين سئل: «أي الناس أفضل؟» فقال - صلى الله عليه وسلم-: «كل مخموم القلب، صدوق اللسان»، قيل: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال : «هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد»، فسلامة القلب من أعظم أسباب رفعة الإنسان؛ لأن القلب إذا صلح صلح اللسان، وحسن العمل، ولانت المعاملة، وخرجت الأخلاق من غير تكلف، ومن ثمار القلب السليم أنه يورث صاحبه اللين والقرب من الناس؛ ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «حُرِّم على النار كل هيِّن، ليِّن، قريب من الناس، سهل»، وإن كانت أم ناهض قد رحلت عن الدنيا، فإننا نسأل الله أن يكون ما عرفناه فيها من صفاء القلب وحسن الخلق والسعي في الدعوة والخير شاهدًا لها، وأن يجعله في ميزان حسناتها، فهو -سبحانه- أعلم بسرائر عباده، اللهم اغفر لها وارحمها، وعافها واعف عنها، وأكرم نزلها، ووسع مدخلها، واغسلها بالماء والثلج والبرد، ونقها من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.منارات على طريق الدعوة
وكتبت انتصار المكيمي: يلتقي الإنسان في حياته بأشخاص تبقى مواقفهم منطبعة في الذاكرة؛ بما يحملونه من سمت طيب، وبِشر صادق، وما يقدمونه من فوائد شرعية وحياتية، وحين يلتقيهم المرء في مجالس الخير والملتقيات الدعوية يشعر أن وجودهم وحده يبعث الطمأنينة، وكأنهم يقولون من غير كلام: إن قافلة الخير مستمرة في طريقها، ولا يخلو طريق الدعوة إلى الله من عوائق ومثبطات، ولكن من سلك منهجًا صحيحًا، وصاحب أهل الخير، علت همته، وابتسم قلبه، وتابع المسير مستعينًا بالله، وأمثال هؤلاء يكونون منارات في الطريق؛ يذكّرون بالثبات على الحق، ويرفعون الهمم، ثم يرحلون إلى الآخرة، وتبقى سيرتهم باعثة على الخير، نسأل الله أن يرحم أختنا أم ناهض، وأن يثبتها ويرفع درجتها، وأن يجمعنا بها وبوالدينا وسائر المسلمين في جنات النعيم. رحلت أم ناهض عن الدنيا، ولكن بقيت آثارها في ميادين الدعوة، وفي ذاكرة من عملن معها، وفي قلوب من عرفن ابتسامتها وهدوءها وصفاءها، وقد اجتمعت كلمات رفيقاتها على معانٍ واضحة: قلب سليم، وخلق حسن، وبذل صامت، وثبات في الدعوة، وصبر عند البلاء، وهذا هو العمر الحقيقي للإنسان؛ ليس عدد السنوات التي عاشها، وإنما مقدار الخير الذي تركه، والقلوب التي أسعدها، والنفوس التي أعانها على الطاعة، والأعمال التي يستمر أجرها بعد موتها، رحم الله الأخت إقبال عبدالله السودان العنزي (أم ناهض)، وغفر لها، وأكرم نزلها، ووسع مدخلها، وجعل ما قدمته في الدعوة والعمل الخيري نورًا في قبرها ورفعة في درجاتها، اللهم اجبر قلوب أبنائها وبناتها وأهلها ومحبيها، وألهمهم الصبر والاحتساب، واجمعهم بها في الفردوس الأعلى من غير حساب ولا سابقة عذاب.فكيف لو عرفتها؟
وكتبت نجاة التنيب: لنترك لنا أثرًا طيبًا في هذه الحياة الفانية؛ فاليوم لقاء وغدًا عزاء، والأثر الطيب كالعطر، يفوح شذاه بين الناس، ويبقى بعد الرحيل، لقد تركت الأخت الحبيبة أم ناهض أثرًا طيبًا، ونحسب أنها لم تطلب به رياء ولا سمعة، ولا نزكيها على الله. والحق أنني لم أعرفها معرفة مباشرة، وكنت أحرص على اللقاء بها في كل ملتقى وأسأل عنها، لكن قدر الله أنني لم ألتق بها. ثم شاء الله أن أتعرف إليها بعد موتها من خلال كلمات الأخوات، وصدق مشاعرهن، ومحبة القلوب لها، فعرفت من خلالهن قدر ما كانت عليه من خير، وحمدت الله على نعمة الصحبة والأخوة والمحبة في الله، وهي محبة لا تقدر بثمن، وهذه المشاعر تذكرنا بقول النبي -[- عن المتحابين في الله: «إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله -تعالى-»، ثم وصفهم بأنهم قوم تحابوا في الله، لا تجمعهم أرحام ولا مصالح دنيوية، فاللقاء في الآخرة أجمل، على سرر متقابلين، متحابين في الله، فالآخرة خير وأبقى، رحم الله أم ناهض، وجمعها بمن أحبت في جنات النعيم.
لاتوجد تعليقات