رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 27 يوليو، 2026 0 تعليق

الأسرة المسلمة 1316

أعظم ميراث للأبناء

ليس أعظم ما يورِّثه الوالدان أبناءهما بيتًا يُسكن، أو مالًا يُنفق، وإنما إيمانًا يُهتدى به، وخلقًا يُتحلى به، ونفسًا عزيزةً تأبى الحرام، وتثبت على الحق، وتستحيي من الله في السر والعلن. فهذا هو الميراث الذي يبقى أثره، ويجري ثوابه.

 

ابنتك أمانة

يظن بعض الآباء والأمهات أنَّ العناية بالبنت تنتهي عند تجهيزها للزواج؛ بينما الحقيقة أن البنت ليست مشروع زواج فحسب؛ بل مشروع صلاح لأجيالٍ قادمة؛ فإذا صلحت البنت، صلح بيتها، وأحسنت تربية أبنائها على الإيمان والخلق، فكانت سببًا في صلاح أسرةٍ كاملة، بل في بناء أمةٍ بأسرها.

       وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يولي البنات عنايةً خاصة، ويبين عظيم فضل الإحسان إليهن، فقال: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ»، وليس الإحسان إلى البنت مقتصرًا على النفقة والكسوة، بل أعظمه غرس العقيدة الصحيحة، وتعويدها على الحياء والعفة، وتأديبها بالأخلاق الكريمة، وربطها بالقرآن، وتعليمها مراقبة الله، حتى تنشأ معتزةً بدينها، ثابتةً على مبادئها، بعيدةً عن التقليد الأعمى والانسياق وراء الشهوات. ولقد كانت الأمهات الصالحات عبر التاريخ من أعظم أسباب نهضة الأمم؛ لأن المرأة الصالحة تصنع بيتًا صالحًا، والبيت الصالح يصنع مجتمعًا صالحًا. ولذلك فإن كل خلق كريم تغرسه الأم في ابنتها اليوم، ستجني ثماره غدًا في بيت ابنتها، ثم في أحفادها، فيبقى أثر التربية ممتدًا جيلاً بعد جيل. فيا أيها الأب، ويا أيتها الأم، تذكروا أن ابنتكم أمانة بين أيديكم، وأن أعظم ما تهدونه لها ليس مالًا ولا متاعًا، وإنما دينٌ يحفظها، وخلقٌ يرفعها، وإيمانٌ يثبتها، لتكون زوجةً صالحة، وأمًا مربية، ولبنةً مباركة في بناء أمة الإسلام.  

لا تتركوا البنات للشاشات

        إذا لم تملأ الأم قلب ابنتها بالقرآن، وتغذِّ روحها بالذكر، وتبصرها بالعلم النافع، تكفلت الشاشات بملء ذلك الفراغ بأفكارها، وقيمها، وقدواتها، فالقلوب لا تبقى فارغة، وإنما يملؤها الحق أو الباطل، والهدى أو الهوى؛ فبادروا إلى غرس الإيمان قبل أن تتولى الشاشات مهمة التربية.  

ربوا أبناءكم مبادئ الإسلام

        ليست غاية التربية أن يطيعك ابنك ما دمت حاضرًا، وإنما أن يطيع الله إذا غبت عنه؛ فالمبادئ الحقيقية تظهر حين يغيب الرقيب، ولا يبقى إلا رقيب السماء، ولذلك كان نجاح المربي يُقاس بما يفعله أبناؤه في الخفاء، لا بما يظهرونه أمام الناس، وقد أرشد القرآن إلى هذا الأصل العظيم بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (النساء: 1)، وقوله -سبحانه-: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر: 19). فإذا استقر هذا المعنى في قلب الابن، أصبح ضميره حيًّا، ورقيبه إيمانه، لا خوفه من والديه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يربي أصحابه على مراقبة الله قبل مراقبة الناس، فقال لعبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «اتقِ الله حيثما كنت»؛ فهذه الوصايا تصنع إنسانًا ثابتًا على الحق في السر والعلن، فاحرصوا على أن تربوا أبناءكم على الإخلاص، والأمانة، والصدق، ومراقبة الله، واصنعوا أصحاب مبادئ، لا أصحاب مواقف مؤقتة؛ فإن المبادئ تبقى، أما الرقابة البشرية فلا تدوم.  

البنات بحاجة إلى الاحتواء

        ليست كل مشكلة تقع فيها الفتاة سببها ضعف التربية، بل قد يكون سببها أنها لم تجد في بيتها قلبًا يسمعها، وأذنًا تنصت لها، ويدًا حانية تربت عل كتفها، فالبنت بطبيعتها تحتاج إلى من يفهم مشاعرها، ويشعرها بقيمتها، ويمنحها الأمان قبل أن يمنحها التوجيه، وقد أرشد الإسلام إلى الرحمة والرفق فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه»، والرفق يبدأ من البيت، ويثمر طمأنينةً وثقةً وحسن استجابة؛ إن البنت التي تجد في أمها صديقةً ناصحة، وفي أبيها سندًا رحيمًا، تقل حاجتها إلى البحث عن الاحتواء خارج بيتها، وتكون أقدر على مقاومة رفقاء السوء، وأفكار الشاشات، ومغريات الحياة.

فقه إدارة الخلافات بين الزوجين

        لا يكاد يخلو بيت من خلاف؛ فاختلاف الطباع، وتباين وجهات النظر، سنةٌ من سنن الحياة، لكن البيوت السعيدة ليست هي التي تُحسن إدارة الخلاف، وتمنع تحوله إلى خصامٍ أو قطيعة، وكم من خلافٍ يسير هدم أسرةً بسبب الانفعال وسوء التصرف، وكم من خلافٍ كبير انتهى بالمودة والصفاء حين غلب العقلُ الهوى، والحكمةُ الغضب، وقد كان من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في إدارة الخلاف أن يحذر من الاستسلام للغضب، فقال للرجل الذي استوصاه: (لا تغضب)، فردد مرارًا، قال: (لا تغضب)، كما قال -[-: (لا يفرك مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خلقًا رضي منها آخر)؛ فلا يحمل موقفٌ عابر الزوجَ على نسيان سنواتٍ من المعروف والفضل، ولذلك، فمن الحكمة أن يؤجل الزوجان مناقشة الخلاف في لحظات الغضب، وأن يختارا الوقت المناسب للحوار، وأن يُحسن كلٌّ منهما الاستماع قبل الرد، وأن يكون البحث عن الحل مقدمًا على الانتصار للنفس؛ فالزواج ليس ميدانًا لكسب المعارك، وإنما ميثاقٌ غليظ، وشراكةٌ تقوم على السكن، والمودة، والرحمة، وحفظ الأسرة من التصدع.  

بنت اليوم.. أمّ الغد

       كل خُلُقٍ كريم تغرسه الأم في قلب ابنتها من إيمان، وحياء، وحكمة، وصبر، لن يقف أثره عند جيلٍ واحد، بل يمتد إلى أجيال متعاقبة. ابنتها اليوم، سيزهر غدًا في بيتها، ويثمر في تربية أبنائها، ويترك أثره في مجتمعها، فلا تنظري إلى ابنتك على أنها فتاة تعيش معك سنواتٍ معدودة، بل انظري إليها على أنها أمٌّ تصنع أسرة، ومربية تُخرج جيلًا، وقدوة تؤثر في مجتمع.  

الحياء تاج المرأة

        الحياء ليس ضعفًا ولا انطواءً، بل هو زينة المرأة، وعنوان عفتها، وسياج كرامتها، وكلما ازداد حياء المرأة، ازداد قدرها في أعين الناس، وعظمت منزلتها عند ربها، ولذلك كان الحياء من أجلِّ الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، وجعله شُعبةً من شعب الإيمان، قال -تعالى-: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} (القصص: 25)، فخلّد القرآن حياء ابنة الرجل الصالح، وجعله نموذجًا يُحتذى، وقال -سبحانه- مخاطبًا نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} (الأحزاب: 32)، وهو توجيه يحفظ للمرأة وقارها ويصون مكانتها، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحياء شعبة من الإيمان» وقال أيضًا: «إنَّ لكلِّ دينٍ خُلُقًا، وخُلُقُ الإسلامِ الحياءُ»، وكان - صلى الله عليه وسلم - أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها، فليكن الحياء تاجًا تتزين به كل امرأة، فهو زينة لا تبلى، وحصن لا ينهدم، وخلق يرفع صاحبه في الدنيا، ويقربه من الله في الآخرة.  

احذروا هذه السلوكيات!

       ما أكثر البيوت التي تهدمها السلوكيات الخطأ المتكررة؛ فالكلمة الجارحة، والإهانة، ورفع الصوت، والعناد، وسوء الظن، واستحضار أخطاء الماضي، كلها تصنع جدارًا من الجفاء بين الزوجين حتى تذبل المودة، ويحل محلها النفور، فاحذروا من السخرية، والتجريح، والمقارنة بالآخرين، والتشهير بالخلافات، والهجر بلا سبب شرعي، والإصرار على الانتصار للنفس؛ فإن هذه السلوكيات تقتل المحبة شيئًا فشيئًا، وتفتح أبواب الشيطان بين الزوجين.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك