رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ محمد السنين 27 يوليو، 2026 0 تعليق

لا تُظاهر أحدًا بالعداوة ما استطعت  (٢-٢)

  • من أعظم الأخطاء أن يتحول الاختلاف في الرأي أو الاجتهاد في مسألة علمية إلى خصومة شخصية وقطيعة وتشويه وطعن في النيات
  • احفظ لسانك وأمسك زمام مشاعرك ودع للصلح بابًا مفتوحًا وأحسن إلى الناس ما استطعت فإن الأيام دُول والأحوال تتقلب
  • من أعظم ما أفادته تجارب الزمان أن الإنسان لا يستغني عن الناس وأن الحكمة ليست في كثرة الخصومات وإنما في حسن إدارتها وكظم الغيظ والإبقاء على شعرة المودة
 

ما زال حديثُنا مستمرًّا عن حثِّ النصوص الشرعية على الحِلم، والعفو، وضبط الانفعالات، والنهي عن التسرع في الخصومة، أو المبالغة في إظهار العداوة، وقد ذكرنا أنَّ من أبدع ما كُتب في هذا الباب ما سطَّره الإمام أبو الفرج ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه النفيس صيد الخاطر، حين قال: «أفادتني تجارب الزمان أنه لا ينبغي لأحد أن يُظاهر بالعداوة أحدًا ما استطاع؛ فإنه ربما احتاج إليه، مهما كانت منزلته»، وقد بيَّنا أن الناس شركاء في مصالح الحياة، وأن المبالغة في العداوة من قلة الحكمة، كما تناولنا المنهج النبوي في الاعتدال في المشاعر، وذكرنا بعض صور الغلو في الخصومة وإظهار العداوة، ونستكمل اليوم بقية الفوائد والآداب التي تعين المسلم على حسن التعامل مع الناس.

لا تجعل الخلاف العلمي عداوة شخصية

        من أعظم الأخطاء أن يتحول الاختلاف في الرأي، أو في الاجتهاد، أو في مسألة علمية، إلى خصومة شخصية، وقطيعة، وتشويه، والطعن في النيات، فالاختلاف سنة كونية، وقد وقع بين خيار هذه الأمة، ومع ذلك بقيت بينهم المحبة، والاحترام، والدعاء، وحسن الظن، ولهذا كان العلماء يرد بعضهم على بعض بالحجة والبرهان، دون تجريح أو تشهير. وقد عُرف عن عبد العزيز ابن باز كثرة ردوده العلمية على المخالفين، لكنه كان يلتزم الأدب والإنصاف، فلا يحمله الخلاف العلمي على العداوة الشخصية، ثم يمضي في تعليم الناس، والدعوة إلى الله، ونشر العلم، وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه طالب العلم والداعية؛ فيبين الحق، وينصح للمخالف، ثم يمضي في طريقه، دون أن يجعل حياته كلها قائمة على الخصومات والردود.

آثار الخصومة لا تزول سريعًا

          قد يظن بعض الناس أن الاعتذار وحده كفيل بإزالة كل ما خلفته الخصومة من آثار، وأن القلوب تعود كما كانت بمجرد كلمة: «سامحني»، وهذا ليس على إطلاقه؛ فإن النفوس البشرية قد تعفو، لكنها لا تنسى بسهولة، ولهذا كان العقلاء يتوقون أسباب الخصومة قبل وقوعها، أكثر من انشغالهم بإصلاحها بعد استفحالها. ولهذا ينبغي للمسلم أن يزن كلماته قبل أن ينطق بها، وأن يعلم أن الجراح المعنوية قد تبقى في القلب زمنًا طويلًا، وإن غابت عن الألسنة. فالطعن في الكرامة، أو التشهير، أو كشف العيوب، يترك من الآثار ما لا تمحوه الأيام بسهولة، ومن هنا كان من الحكمة ألا يقطع الإنسان كل أسباب المودة عند أول خلاف، وألا يغلق أبواب الصلح، فإن الرجوع إلى الصفاء بعد الخصومة أصعب من المحافظة عليه قبل وقوعها.

أهل الجنة يُطهَّرون من بقايا الخصومات

        ومن أعجب ما يدل على خطورة ما تخلفه الخصومات في النفوس، ما أخبر الله -تعالى- به عن أهل الجنة، فقال -سبحانه-: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} (الحجر: 47)، وفي الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن المؤمنين بعد نجاتهم من النار وعبورهم الصراط، يُحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذن لهم بدخول الجنة. وهذا يدل على أن الشريعة لا تكتفي بردِّ الحقوق الظاهرة، بل تُطهِّر النفوس من بقايا الأحقاد، حتى يدخل أهل الجنة الجنة بقلوب سليمة، لا يحمل بعضهم على بعض غلًّا ولا ضغينة، فإذا كان هذا التطهير يقع قبل دخول دار النعيم، أفلا يجتهد المسلم في تطهير قلبه في الدنيا، قبل أن يقف بين يدي الله -عز وجل-؟

لا تُحوِّل الخلاف إلى عداوة

       ومن الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس أن يجعل كل خلاف سببًا للعداوة، وكل مخالفة في الرأي سببًا للقطيعة، مع أن الناس لا يزالون مختلفين في طبائعهم وأفكارهم واجتهاداتهم، وقد يقع الخلاف بين الزوجين، أو بين الإخوة، أو بين الجيران، أو بين زملاء العمل، ثم يتجاوز أحد الطرفين حدود الأدب، فيُظهر العداوة، ويُشهِّر، ويجرح، ويكشف العيوب، ثم إذا احتاج إلى الرجوع لم يجد سبيلًا إليه. ولقد شهد الناس صورًا كثيرة من ذلك؛ فقد تُبالغ امرأة بعد طلاقها في ذكر عيوب زوجها، وتتحدث عنه في المجالس ووسائل التواصل، ثم تتغير الأحوال، ويرغب الطرفان في العودة، فتقف تلك الكلمات التي قيلت بالأمس حاجزًا أمام الصلح، ويصعب تجاوز آثارها، وهذا يؤكد أن الحكيم لا يتكلم ساعة الغضب بما يندم عليه ساعة الرضا، ولا يهدم في لحظة انفعال ما بُني في سنوات من العشرة والمعروف.

الحكمة في معاملة الناس

        ومن جميل ما يُروى عن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - أنه قال: «إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني»، فهذه حكمة عظيمة في التعامل مع الناس؛ إذ ليس كل خطأ يُواجه بأشد العقوبات، ولا كل إساءة تُقابل بأقسى الردود، وإنما يُنزَّل كل أمر منزلته، ويُستعمل مع كل موقف ما يناسبه من الحكمة والرفق والحزم، وكان يقول أيضًا: «إذا شدُّوا أرخيت، وإذا أرخوا شددت»، وهي سياسة راشدة تقوم على الاعتدال، لا على الانفعال، وعلى ضبط النفس، لا على الاستجابة للعاطفة المجردة.

خلاصة تجربة طويلة

        لقد لخَّص الإمام ابن الجوزي -رحمه الله- خلاصة تجربة طويلة في هذه الكلمات البليغة حين قال: »لا ينبغي لأحد أن يُظاهر بالعداوة أحدًا ما استطاع؛ فإنه ربما احتاج إليه، مهما كانت منزلته، وما أحوجنا اليوم إلى استحضار هذه الوصية في زمن كثرت فيه أسباب الخصومات، وسهُل فيه نشر الإساءة، وأصبح كثير من الناس يكتبون أو يقولون في لحظة غضب ما يندمون عليه سنوات طويلة!

الأيام دول والأحوال تتقلب

        وليس المقصود ترك الإنكار على المخطئ، أو السكوت عن الظلم، أو التنازل عن الحقوق، وإنما المقصود أن يكون ذلك كلُّه منضبطًا بالحكمة، والعدل، وحسن الخلق، بعيدًا عن التشهير، والتجريح، وإظهار العداوة التي لا تزيد القلوب إلا قسوة، ولا العلاقات إلا فسادًا، فاحفظ لسانك، وأمسك زمام مشاعرك، ودع للصلح بابًا مفتوحًا، وأحسن إلى الناس ما استطعت؛ فإن الأيام دول، والأحوال تتقلب، ومن تُعرض عنه اليوم قد تكون غدًا في أمسِّ الحاجة إليه.

الحكمة ليست في كثرة الخصومات

         وصدق ابن الجوزي -رحمه الله- حين جعل من أعظم ما أفادته تجارب الزمان أن الإنسان لا يستغني عن الناس، وأن الحكمة ليست في كثرة الخصومات، وإنما في حسن إدارتها، وكظم الغيظ، والإبقاء على شعرة المودة، حتى تبقى العلاقات قائمة على المعروف، وتسلم القلوب من الأحقاد، ويعيش الناس في ظل قول الله -تعالى-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة: 83).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك