رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 21 يوليو، 2026 0 تعليق

الأسرة المسلمة 1315

صلاح المجتمع يبدأ من صلاح البيوت؛ فما يُغرس في الأسرة من إيمانٍ وأخلاق، يثمر أجيالًا صالحة، ويصنع مجتمعًا قويًّا متماسكًا؛ ولهذا كانت الأسرة في الإسلام أول ميدان للتربية، وأعظم حصنٍ يحفظ الدين، ويصنع الرجال، ويبني الأوطان.

 

الأسرة أول مدرسة في حياة الأبناء

الأسرة هي المحضن الأول الذي تتشكل فيه شخصية الطفل، وتُغرس بذور الإيمان، وتُبنى الأخلاق، فما يتلقاه الأبناء في سنواتهم الأولى يبقى أثره في نفوسهم طوال حياتهم؛ ولذلك جعل الإسلام مسؤولية التربية من أعظم الواجبات التي يُسأل عنها الوالدان، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم: 6)، فأمر المؤمنين بحماية أنفسهم وأهليهم من أسباب الهلاك، ولا يكون ذلك إلا بتعليمهم أمور دينهم، وتأديبهم على الأخلاق الفاضلة، وتعويدهم على الطاعة، وتحذيرهم من أسباب الانحراف.

        وقد كان الأنبياء -عليهم السلام- يبدؤون دعوتهم من داخل بيوتهم، فهذا لقمان الحكيم يوصي ابنه بأعظم الوصايا، فيقول: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ}، ثم يوصيه بإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والصبر، وحسن الخلق، مما يدل على أن التربية الإيمانية هي الأساس الذي تُبنى عليه بقية جوانب الشخصية، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته»، وفي ذلك بيان لعظيم أثر الوالدين في توجيه الأبناء، وأن البيت هو أول بيئة تُكوِّن فكر الطفل وسلوكه. فالأسرة التي تُحسن غرس الإيمان، وتربي أبناءها على مراقبة الله، وحبّ القرآن، وبرّ الوالدين، والصدق، والأمانة، إنما تبني جيلًا صالحًا يحمل الخير لنفسه وأمته.  

الأم الصالحة تصنع أمّة..

       جعل الله للأم أثرًا عظيمًا في بناء الأجيال؛ فهي أول مدرسةٍ يتلقى فيها الأبناء معاني الإيمان، وأول قدوةٍ يتعلمون منها الأخلاق والفضائل. فإذا أحسنت الأم تربية أبنائها على طاعة الله، لم تكن تُصلح بيتًا فحسب؛ بل كانت تبني أمة؛ فالأمهات الصالحات لا يصنعن أبناءً صالحين فقط، وإنما يصنعن مستقبلًا مشرقًا للأمة كلها.  

لا تنشغلوا بمستقبل أولادكم وتنسوا آخرتهم

        يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم، والتخطيط لمستقبلهم الدراسي والمهني، وهذا أمرٌ محمود؛ لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب مستقبلهم الأخروي؛ فصلاح الدين هو أعظم ما يملكه الإنسان، وقد أمر الله -تعالى- بذلك فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم:6)، وكان الأنبياء يوصون أبناءهم بالإيمان قبل كل شيء، كما قال يعقوب -عليه السلام لبنيه-: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 132)؛ فليكن اهتمامك بتربية ولدك على طاعة الله أعظم من اهتمامك بمستقبله الوظيفي، وافرح باستقامته كما تفرح بتفوقه؛ فإن أعظم نجاح يحققه الأبناء ليس شهادةً يحملونها، ولا منصبًا يتقلدونه، وإنما قلبٌ عامر بالإيمان، وحياةٌ تسير على هدى الرحمن؛ فمن جمع لولده بين صلاح الدين ونجاح الدنيا، فقد نال خير الدنيا والآخرة.  

ازرع القيم قبل أن تواجه الانحراف

       العاقل لا ينتظر ظهور الانحراف ليبدأ العلاج، بل يزرع الخير قبل أن يقاوم الشر، ويبني الحصانة الإيمانية قبل أن يواجه الأبناء الفتن؛ فالقلوب في الصغر ألين، والنفوس أسرع قبولًا، وما يُغرس فيها في سنواتها الأولى يرسخ أثره، ويصعب اقتلاعه بعد ذلك بإذن الله، ولهذا جاءت الشريعة تحث على المبادرة إلى تربية الأبناء على الإيمان، وتعظيم الله، ومكارم الأخلاق، منذ نعومة أظفارهم، حتى ينشؤوا على الخير، ويثبتوا عليه إذا اشتدت بهم الفتن، وتعددت المؤثرات.

 

حين يكون الأب حاضرًا تقلّ الأخطاء

        ليس أعظم ما يقدمه الأب لأبنائه المال، وإنما حضوره في حياتهم؛ يوجه إذا أخطؤوا، ويشجع إذا أحسنوا، ويحتوي إذا تعثروا، ويغرس في نفوسهم الإيمان والرجولة وتحمل المسؤولية، فالأب الحاضر يصنع الأمن في البيت، ويغرس الثقة في القلوب، ويغلق أبوابًا كثيرة من الانحراف قبل أن تُفتح، ولذلك كانت رعاية الأب لأسرته أمانةً يسأله الله عنها يوم القيامة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته».  

أم سُلَيم.. أمٌّ صنعت جيلًا..

        تقدَّم أبو طلحة - رضي الله عنه - لخطبة أم سليم، وكان يومئذٍ مشركًا، فكان جوابها عجيبًا؛ إذ قالت: «إنك رجلٌ كافر، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تُسلِم فذلك مهري، لا أريد غيره»، فشرح الله صدره للإسلام، فأسلم، وكان إسلامه مهرًا لها، ثم أحسنت تربية ابنها أنس بن مالك - رضي الله عنه -، فلما بلغ عشر سنين أخذت بيده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقالت: «يا رسول الله، هذا أنسٌ غلامٌ يخدمك»، فكان ملازمًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين، ونهل من هديه وأخلاقه، حتى صار من أكثر الصحابة روايةً للحديث، وهكذا صنعت أم سليم بيتًا قام على الإيمان، وربَّت ابنها على حب النبي - صلى الله عليه وسلم - وخدمته، فكان ثمرة تلك التربية المباركة عالمًا من علماء الأمة، إنها رسالة لكل أم أن أعظم ما تورثه أبناءها ليس المال، وإنما الإيمان، وحسن التربية، وربطهم بالقدوات الصالحة.  

عوِّدوا أبناءكم خدمة الآخرين

        رغَّب الإسلام في نفع الناس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وهذه المعاني تُكتسب بالممارسة والتدريب؛ فامنح أبناءك فرصًا لخدمة الأسرة، والمشاركة في الأعمال التطوعية، ومساعدة المحتاجين، وزيارة المرضى، وإكرام كبار السن، فالأبناء الذين يتربون على العطاء لا يكبرون وهم يبحثون عما يأخذون من المجتمع، بل يفكرون فيما يقدمونه له.  

التربية على العقيدة

        كانت العقيدة أول ما يبدأ به الأنبياء في تربية أبنائهم، فهذا لقمان الحكيم يفتتح وصاياه لابنه بقوله: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان: 13)، ثم يوصيه بالصلاة، ومكارم الأخلاق، والصبر، ما يدل على أن إصلاح السلوك يبدأ بإصلاح الإيمان. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يربي الصغار على تعظيم الله منذ نعومة أظفارهم، فقال لابن عباس -رضي الله عنهما-: «يا غلام، إني أعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»، فغرس في قلبه التوحيد، والتوكل، واليقين، قبل أن يعلمه أمور الحياة الأخرى. لذلك فمن الخطأ أن ينشغل الوالدان بتعليم أبنائهما كل شيء، ويغفلا عن تعليمهم من هو ربهم، ولماذا خُلقوا، وما حق الله عليهم، فالتربية على العقيدة ليست درسًا يُلقَّن، بل هي معانٍ تُغرس في الحياة اليومية؛ بتعظيم شعائر الله، وربط النعم بالمنعم، وتعليم الأبناء الدعاء، وحب القرآن، والاعتماد على الله، ومراقبته في السر والعلن.  

صلِة الرّحم تربية عملية للأبناء

        أمر الله -تعالى- بصلة الأرحام، فقال -سبحانه-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} (النساء: 1)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها»، فاحرصوا على أن يصحبكم أبناؤكم في زيارات الأقارب، وأن يشهدوا مواقف البر والإحسان، وأن يشعروا بأن صلة الرحم عبادةٌ يتقرب بها إلى الله، وليست مجرد عادة اجتماعية، فالأبناء الذين ينشؤون على هذا الخلق الكريم يكبرون وهم أوفى للناس، وأرحم بالخلق، وأقوى صلةً بأسرهم ومجتمعهم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك