شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الثامن والعشرون: الثبات للعدو وترك الفرار من الزحف
- الثبات أمام الأعداء وعدم الفرار من الزحف من أعظم مظاهر الانتصار ويقابله انتصار المسلم على شهواته وأهواء نفسه
- على المؤمن إذا ابتُلي أن يصبر ويثبت ويقوم بواجباته بيقين ولا يتحقق ذلك إلا بالصبر
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الهداية ورفعة الدرجات في الدنيا والآخرة، وقد وردت في الحديث المشهور الذي ذكر أعلاها وأدناها وذكر أن منها شعبة الحياء، ولما كانت مصنفات العلماء في بيانها؛ كالحليمي والبيهقي، مطولةً، قلَّ إقبال كثير من الناس عليها، فجاء اختصار القزويني لكتاب الحافظ البيهقي تيسيرًا للانتفاع بها، ومن هنا شرحته بأسلوب سهل مختصر، مدعَّم بالنصوص والنقول المفيدة.
الثبات للعدو وترك الفرار من الزحف؛ لقوله -تعالى-: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (الأنفال: 45)، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الأنفال)، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} (الأنفال: 65)، ولحديث عبدالله بن أبي أوفى ت في صحيح البخاري: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف».قواعد ضرورية في الحروب
- قوله: لقوله -تعالى-: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (الأنفال: 45)، قال الزحيلي: «هذه الآيات تعليم من الله لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، وهي قواعد ضرورية في الحروب، وأسس للجندية الحقة الحازمة، وأول هذه الآداب والقواعد: الثبات أمام العدو حين اللقاء معه، بتوطين النفوس على الصمود والصبر على المبارزة وعدم التحدث بالتولي والفرار، ونظرا لأن هذا العنصر أهم عناصر المواجهة الحربية، فقد بدأ الله به، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (الأنفال:45) أي إذا حاربتم جماعة من أعدائكم الكفار، فاثبتوا أمامهم في القتال، وإياكم من الفرار من الزحف وتولي الأدبار، فالثبات ركيزة الحروب وسبب للانتصار، والفرار جريمة كبري يعاقب عليها الله تعالى لأنها خطأ فادح في حق الأمة قاطبة.».
الشجاعة الإيمانية
- قوله: وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الأنفال)، قال الإمام السعدي: «يأمر الله -تعالى- عباده المؤمنين بالشجاعة الإيمانية، والقوة في أمره، والسعي في جلب الأسباب المقوية للقلوب والأبدان، ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} أي: في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقتراب بعضهم من بعض، {فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ } بل اثبتوا لقتالهم، واصبروا على جلادهم، فإن في ذلك نصرة لدين الله، وقوة لقلوب المؤمنين، وإرهابًا للكافرين.
التعوذ من الجبن
فائدة: قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ بالله من الجبن، والجبن خلق مذموم عند جميع الخلق، وأهل الجبن هم أهل سوء الظن بالله، وأهل الشجاعة والجود هم أهل حسن الظن بالله، كما قال بعض الحكماء في وصيته عليكم بأهل السخاء والشجاعة، فإنهم أهل حسن الظن بالله، والشجاعة جُنّة للرجل من المكاره، والجبن إعانة منه لعدوه على نفسه، فهو جند وسلاح يعطيه عدوه ليحاربه به، وقد قالت العرب: (الشجاعة وقاية والجبن مقتلة) وقد أكذب الله -سبحانه- أطماع الجبناء في ظنهم أن جبنهم ينجيهم من القتل والموت، فقال الله -تعالى-: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ} (الأحزاب: 16)، اعتبر ذلك في معارك الحروب بأن من يُقتل مدبرًا أكثر ممن يُقتل مقبلًا، وفي وصية أبي بكر الصديق لخالد بن الوليد -رضي الله عنهما-: (احرص على الموت توهب لك الحياة)، وقال خالد بن الوليد - رضي الله عنه -: (حضرت كذا وكذا زحفًا في الجاهلية والإسلام، وما في جسدي موضع إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف، وها أنا ذا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء)، ولا ريب عند كل عاقل أن استقبال الموت إذا جاءك خير من استدباره، والله أعلم».- قوله: وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} (الأنفال: 65)، قال الإمام الطبري: «قال أبو جعفر: يقول -تعالى- ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ}، حُثَّ متبعيك ومصدِّقيك على ما جئتهم به من الحق، على قتال من أدبر وتولى عن الحق من المشركين {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ} رجلًا {صَابِرُونَ}، عند لقاء العدو، ويحتسبون أنفسهم ويثبتون لعدوهم {يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}، من عدوهم ويقهروهم {إِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ}، عند ذلك {يَغْلِبُوا}، منهم {أَلْفًا} {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُو}، يقول: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب، ولا لطلب أجر ولا احتساب، لأنهم لم يفقهوا أن الله مُوجبٌ لمن قاتل احتسابًا، وطلب موعود الله في الميعاد، ما وعد المجاهدين في سبيله، فهم لا يثبتون إذا صدقوا في اللقاء، خشية أن يُقتلوا فتذهب دنياهم، ثم خفف -تعالى ذكره- عن المؤمنين، إذ علم ضعفهم، فقال لهم: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ}، يعني: أن في الواحد منهم عن لقاء العشرة من عدوهم ضعفًا {فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ}، عند لقائهم للثبات لهم { يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} منهم { وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} منهم {بِإِذْنِ اللَّهِ} يعني: بتخلية الله إياهم لغلبتهم، ومعونته إياهم {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، لعدوهم وعدو الله، احتسابًا في صبره، وطلبًا لجزيل الثواب من ربه، بالعون منه له، والنصر عليه».

لا تتمنّوا لقاء العدو
- قوله: ولحديث عبد الله بن أبي أوفى في صحيح البخاري: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»، قال ابن حجر العسقلاني: «فأمر بترك التمني؛ لما فيه من التعرض للبلاء، وخوف اغترار النفس، إذ لا يؤمن غدرها عند الوقوع، ثم أمرهم بالصبر عند الوقوع؛ تسليمًا لأمر الله -تعالى»-.
الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ عَنْ أَنْ يَجْزَعَ فِيهَا، وَالصَّبْرُ عَنْ اتِّبَاعِ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ فِيمَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ الصَّبْرَ فِي كِتَابِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ تِسْعِينَ مَوْضِعًا وَقَرَنَهُ بِالصَّلَاةِ فِي قَوْله -تعالى-: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة: 45), {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 153) وَقَوْلِهِ: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (هود: 114) إلَى قَوْلِهِ: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (هود: 115), {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} (طه: 130), {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} (غافر:55) الْآيَةَ وَجَعَلَ (الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ) مَوْرُوثَةً عَنْ الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ بِقَوْلِهِ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة: 24) فَإِنَّ الدِّينَ كُلَّهُ عِلْمٌ بِالْحَقِّ وَعَمَلٌ بِهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ لَابُدَّ فِيهِ مِنْ الصَّبْرِ، بَلْ وَطَلَبُ عِلْمِهِ يَحْتَاجُ إلَى الصَّبْرِ كَمَا قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -]- عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ طَلَبَهُ لِلهِ عِبَادَةٌ، وَمَعْرِفَتَهُ خَشْيَةٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ. بِهِ يُعْرَفُ اللهُ وَيُعْبَدُ، وَبِهِ يُمَجَّدُ اللهُ وَيُوَحَّدُ، قَالَ -تعالى-: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (النجم: 1 - 2) فَلَا يُنَالُ الْهُدَى إلَّا بِالْعِلْمِ وَلَا يُنَالُ الرَّشَادُ إلَّا بِالصَّبْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ: أَلَا إنَّ الصَّبْرَ مِنْ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ -فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّأْسُ بَانَ الْجَسَدُ- ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَالَ: أَلَا لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ».الفوائد السلوكية لشعبة الشجاعة
- القرآن والإيمان يعززان في نفس المؤمن القوة والشجاعة.
- يشعر المسلم بعزته أمام جموع الكافرين إذ يجد من الله تثبيتا وتصبيرا وعونا وحسن موعود.
- الثبات أمام الأعداء وعدم الفرار من الزحف أعظم انتصار للإنسان، وهذا ينعكس على سلوك المسلم بانتصاره على شهوات النفس وملذاتها وقهر أهوائها الجامحة ورغباتها.
لاتوجد تعليقات