مسؤولية الدعوة والبلاغ
اصطفى الله -تعالى- أمَّة الإسلام لحمل أعظم رسالة عرفتها البشرية (رسالة التوحيد والهداية والرحمة)، وجعلها الله -تعالى- شاهدة على الناس، قال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة: 143)، فهذه الشهادة ليست تشريفًا فحسب؛ بل هي تكليف عظيم، وأمانة ثقيلة، ومسؤولية باقية إلى قيام الساعة.
لقد أدى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الأمانة خير أداء، وبلغ الرسالة كاملة، حتى قال في حجة الوداع: «ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، فقال: «اللهمَّ فاشهد»، ثم انتقلت هذه الأمانة إلى أمته، لتكون امتدادًا لرسالته، تدعو إلى الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؛ ولهذا ربط الله خيرية الأمَّة بقيامها بهذه الرسالة، فقال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران:110)، فخيرية الأمَّة ليست لقبًا تاريخيا، وإنما منزلة تُحفظ بالقيام بواجب الدعوة والإصلاح.
ولم يجعل الإسلام البلاغ مسؤولية العلماء وحدهم، بل واجب الأمة كلها، كلٌّ بحسب علمه وقدرته وموقعه؛ ولذلك قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «بَلِّغوا عَنِّي ولو آيةً»، وقال: «مَن دَلَّ على خَيرٍ فله مِثلُ أجرِ فاعِلِه»؛ فالبلاغ لا يقتصر على المنابر؛ بل يشمل كل وسيلة مشروعة؛ فالأب يبلغ بتربيته، والأم بأخلاقها، والمعلم بعلمه، والتاجر بصدقه، والإعلامي بكلمته وقلمه، وكل مسلم على ثغر من ثغور الإسلام، فلا ينبغي أن يؤتى الإسلام من قِبله.
إنَّ من أخطر ما يهدد رسالة الأمَّة اليوم أن يبقى بعض الناس على الهامش، يكتفون بمجرد النقد، أو يظنون أن الإصلاح مسؤولية غيرهم، فقد خاطب الله المؤمنين جميعًا بقوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل:125)، وقال -سبحانه-: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت:33)، وليس البلاغ كلمات تُقال، بل هو قدوة تُرى، وسلوك يُقتدى.
ولذلك لابد أن يجمع الداعية بين الحق وحسن الخلق؛ كما قال -تعالى- لموسى وهارون عليهما السلام: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه: 44)، وقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الرِّفقَ لا يَكونُ في شَيءٍ إلَّا زانَه»، فالحكمة والرفق من أعظم أسباب قبول الحق.
وفي زمننا الذي تتسارع فيه وسائل التأثير، وتتعدد فيه منصات التواصل، أصبحت أمانة البلاغ أعظم حضورًا، وأوسع أثرًا، وأشد مسؤولية؛ فإما أن تكون وسائلنا جسورًا تنقل الهدى والقيم، أو منافذ يتسلل منها الباطل والفتنة، وليذكر المسلم قوله -تعالى-: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق: 18).
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى الصدق في حمل الرسالة، والإخلاص في أداء البلاغ، حتى نستحق شرف الانتساب إلى الأمة التي قال الله فيها: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، وليس السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا: ماذا قدَّم الآخرون للإسلام؟ بل: ماذا قدَّمنا نحن للإسلام؟ وهل كنَّا سببًا في هداية ضالّ، أو تعليم جاهل، أو إصلاح أسرة، أو نشر فضيلة؟ فبذلك تُؤدَّى الأمانة، ونبقى جديرين بحمل الرسالة.
لاتوجد تعليقات