رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د: رامي عيد مكي 27 يوليو، 2026 0 تعليق

التكنولوجيا تتغير… والميزان الشرعي ثابت – الاقتصاد الرقمي في ميزان الشريعة الإسلامية

د: رامي عيد مكي      دكتوراة في الاقتصاد الإسلامي

 
  • أجرى نحو  42% من البالغين في الاقتصادات منخفضة الدخل ومتوسطته مدفوعات رقمية للتجار خلال عام 2024
  • الاقتصاد الرقمي لم يغيّر الأحكام الشرعية للمعاملات وإنما غيّر أدوات تنفيذها وصورها فالعبرة بحقيقة العقد ومضمونه لا باسمه التقني ولا بالمنصة التي يُنفذ من خلالها
  • أظهرت البيانات اتساع الاعتماد العالمي على الوسائل المالية الرقمية إذ يمتلك نحو 79%  من البالغين عالميا حسابا ماليا، ويمتلك 86%  هاتفا محمولا منهم 68%  يمتلكون هاتفا ذكيا
  • في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بلغت نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابا ماليا نحو 53% وأجرى أو تلقى نحو 44% منهم دفعة رقمية بينما بلغت نسبة من أجروا مدفوعات رقمية للتجار نحو 26%
  • لا يمكن إصدار حكم واحد على جميع التطبيقات المصرفية أو المحافظ الإلكترونية لأن التطبيق الواحد قد يجمع خدمات مباحة وأخرى محرمة
  • الأصل في التقنيات والمعاملات المالية الحديثة الإباحة ما لم تتضمن محظورًا شرعيًا كالربا أو الغرر الفاحش أو الميسر أو بيع ما لا يملك الإنسان أو عدم تحقق القبض والملكية
  • استحوذت المحافظ الرقمية في عام 2025 على نحو:56 % من قيمة الإنفاق العالمي عبر التجارة الإلكترونية وعلى نحو  33% من قيمة الإنفاق داخل المتاجر
  • لا تتغير حقيقة المعاملة بسبب رقمنتها فالقرض بفائدة يبقى ربا ولو تم عبر تطبيق والمراهنة على الأسعار تبقى مقامرة ولو عُرضت في صورة تداول واستثمار
  • التجارة الإلكترونية جائزة إذا كان المبيع مباحًا ومعلومًا والثمن واضحًا والبائع مالكًا للسلعة أو مأذونا في بيعها وقادرا على تسليمها
  • العقود الإلكترونية صحيحة من حيث الأصل متى تحقق الإيجاب والقبول وثبتت هوية المتعاقدين ووضحت الشروط وتحقق الرضا وتوفرت وسيلة موثوقة للإثبات
  • من أبرز المخالفات في المعاملات الرقمية: الصور المضللة والتخفيضات الوهمية وإخفاء الرسوم وبيع ما لا يملكه البائع وعدم توضيح مسؤولية المنصة عن التسليم ورد الثمن
  • الوسيلة الإلكترونية لا تُسقط الشروط الخاصة لبعض العقود فعقود الصرف وبيع الذهب بالنقود تتطلب تحقق التقابض ولا يكفي فيها مجرد الضغط على زر الموافقة
 

لم يعد الدخول إلى الأسواق يحتاج إلى متجر، ولا يستلزم الاستثمار الوقوف في قاعات البورصة، ولا تحويل الأموال يقتضي زيارة فروع المصارف؛ فمن خلال الهاتف المحمول يستطيع الإنسان اليوم شراء السلع، وسداد الفواتير، وتحويل الأموال، وتداول الأسهم والعملات، واقتناء الذهب، والمشاركة في تمويل المشروعات؛ بل وإبرام عقودٍ ذكية تُنفَّذ تلقائيا عبر شبكات رقمية دون تدخل بشري، وهكذا انتقل النشاط الاقتصادي من الأوراق والمكاتب إلى الشاشات والمنصات، ومن الحدود الجغرافية الضيقة إلى فضاء رقمي مفتوح، لا يعرف زمانًا ولا مكانًا، ولم يعد هذا التحول مجرد تطور تقني عابر، أو اتجاه اقتصادي محدود، بل أصبح واقعًا عالميا متسارعًا يعيد تكوين مفاهيم التجارة والتمويل والاستثمار، وتكشف عن حجمه الأرقام والإحصاءات، وتؤكده الممارسات اليومية لملايين البشر في مختلف أنحاء العالم.

  فبحسب قاعدة الشمول المالي العالمية 2025، بلغت نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابا ماليا حول العالم نحو 79%، ويمتلك نحو 86% من البالغين عالميا هاتفا محمولا، من بينهم 68% يمتلكون هاتفا ذكيا، وهو ما عزز دور الهاتف بوصفه بوابة أساسية للوصول إلى الادخار والتحويل والدفع والاقتراض، وفي المصطلح الاقتصادي: (الاقتصادات منخفضة ومتوسطته الدخل)، أجرى نحو 42% من البالغين مدفوعات رقمية للتجار خلال عام 2024، سواء داخل المتاجر أو عبر الإنترنت.

 المدفوعات العالمية

  • وتؤكد بيانات المدفوعات العالمية اتساع هذا التحول؛ إذ استحوذت المحافظ الرقمية خلال عام 2025 على نحو 56% من قيمة الإنفاق العالمي عبر التجارة الإلكترونية، وعلى نحو 33% من قيمة الإنفاق داخل المتاجر، وهذه النسب تقيس قيمة المعاملات، لا عدد العمليات أو المستخدمين.

امتلاك الحسابات المالية

  • أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فتشير بيانات البنك الدولي إلى أن نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابا ماليا بلغت نحو 53% في عام 2024، كما أجرى أو تلقى نحو 44% من البالغين دفعة رقمية خلال العام، في حين بلغت نسبة من أجروا مدفوعات رقمية للتجار نحو 26%.
  • تكشف هذه الأرقام أن جانبًا واسعًا من الاقتصاد انتقل بالفعل إلى الشاشة، وأن ملايين الأشخاص أصبحوا يتعاملون يوميا مع التطبيقات المصرفية، والمحافظ الإلكترونية، والمتاجر الرقمية، ومنصات التداول، وخدمات التمويل الجماعي، والأصول المشفرة، والعقود الذكية، من دون أن يجتمع أطراف المعاملة في مكان واحد، لكن السرعة التي وفرتها التكنولوجيا لا تعني أن كل ما يظهر على الشاشة أصبح مشروعا؛ فالمنصة الرقمية قد تكون وسيلة لبيع صحيح، وقد تكون واجهة لقرض ربوي، أو مقامرة على حركة الأسعار، أو بيع لا يستند إلى ملكية حقيقية، ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل أدى انتقال المعاملات إلى الإنترنت إلى تغيير أحكامها الشرعية، أم أنه غيّر الوسائل فقط، بينما بقيت معايير الحلال والحرام ثابتة؟

العبرة بحقيقة المعاملة لا بشكلها الرقمي

  • لا تضع الشريعة التقنيات الحديثة في دائرة الحظر لمجرد حداثتها؛ فالأصل في المعاملات المالية الإباحة ما لم تتضمن محظورا شرعيا، لكن هذه القاعدة لا تعني قبول كل منتج يحمل اسما مبتكرا أو يُقدَّم عبر تطبيق جذاب، فالقرض يظل قرضا، سواء أُبرم داخل مكتب أو عبر الهاتف، والبيع يظل بيعا، سواء جرى داخل متجر أو من خلال موقع إلكتروني، كما أن الفائدة لا تفقد حقيقتها الربوية لأنها تُحصَّل آليا، والمقامرة لا تتحول إلى استثمار لأنها تتم عبر منصة تعرض رسوما بيانية وتحليلات لحظية.
  • ولهذا يبدأ الحكم الشرعي من حقيقة العقد، لا من اسمه أو وسيلة تنفيذه، ويطرح الفقيه أسئلة محددة: من يملك الأصل؟ وهل محل التعامل موجود ومعلوم؟ وهل يستطيع البائع تسليمه؟ وهل تحقق القبض عندما يكون شرطا؟ ومن يتحمل مخاطر الملكية؟ وكيف يتولد الربح؟ فالربح المشروع يرتبط ببيع، أو ملكية، أو منفعة، أو عمل، أو تحمل مخاطر اقتصادية مشروعة، ولا ينشأ من مجرد مرور الزمن على القرض.

1- العقود الإلكترونية

  • كان الاعتراف بالعقود المبرمة عن بُعد من أهم المقدمات الفقهية لنشوء الاقتصاد الرقمي، وقد عالج (مجمع الفقه الإسلامي الدولي) هذه القضية مبكرا في قراره الصادر عام 1990 بشأن إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، فقد قرر الَمجْمَع أن التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد يمكن أن يتم بالكتابة أو الرسائل أو وسائل الاتصال الحديثة، ومنها شاشات الحاسب، وأن العقد ينعقد عند وصول الإيجاب إلى الطرف الآخر وصدور قبوله.
ويمكن الاستناد إلى هذا الأصل في العقود التي تتم اليوم من خلال الضغط على زر الموافقة، أو إدخال رمز تحقق، أو استخدام توقيع إلكتروني. لكن التطبيق المعاصر لهذا الأصل يقتضي توفر أركان العقد وشروطه: ١- إمكان التحقق من هوية المتعاقدين. ٢- ثبوت الرضا. ٣- وضوح شروط العقد ٤- سلامة وسيلة الإثبات.
  • واستثنى المجمعُ بعضَ العقود التي تتطلب شروطًا خاصة، مثل تبادل العملات، الذي يُشترط فيه أن يقبض كلُّ طرفٍ ما آل إليه في مجلس العقد، وعقدِ الزواج الذي يتطلب الإشهاد؛ لذلك لا يكفي الاتفاقُ الإلكتروني وحده إذا كان العقدُ يشترط قبضًا فوريا أو إجراءً شرعيا إضافيا لم يتحقق.

2- المصارف والمحافظ الرقمية

  • تتيح التطبيقات المصرفية فتح الحسابات، وتحويل الأموال، وسداد الفواتير، واستخدام البطاقات، والحصول على التمويل، وإدارة الاستثمارات من دون زيارة المصرف. غير أن هذه الخدمات لا تأخذ حكما واحدا؛ لأن التطبيق الواحد قد يجمع عقودا متعددة، فتحويل المال قد يكون خدمة مباحة مقابل أجرة معلومة، بينما قد يكون التمويل مرابحة مستوفية لشروطها، أو قرضا بفائدة، أو عقدا يحمل وصفا إسلاميا من دون أن تتحقق فيه الملكية الحقيقية، لذلك لا يكون السؤال: هل المصرف رقمي؟ بل يكون: ما طبيعة الحساب أو البطاقة أو التمويل؟ وهل الرسوم مقابل خدمة فعلية، أم زيادة على دين؟ وهل اشترت المؤسسة السلعة وتملكتها قبل أن تبيعها إلى العميل؟
وينطبق الأمر نفسه على المحافظ الإلكترونية؛ فالتكييف الشرعي للرصيد الموجود فيها يتوقف على طبيعة العلاقة بين العميل ومقدم الخدمة. فإذا تسلمت المؤسسة المال وضمنت رده، وكان لها حق خلطه بأموالها والتصرف فيه، فقد يأخذ الرصيد حكم الدين في ذمتها، أما إذا بقي المال منفصلا ومحفوظا لحساب صاحبه، فقد يختلف التكييف. ولهذا ينبغي مراجعة شروط الاستخدام: هل يستطيع العميل استرداد الرصيد بالقيمة نفسها؟ وهل تفرض المؤسسة رسومًا معلومة مقابل خدمة حقيقية؟ وهل تستثمر أموال المستخدمين؟ وهل تمنح زيادة ترتبط بمبلغ الرصيد أو بمدة بقائه؟ ولا يصح إصدار حكم عام على جميع المحافظ الإلكترونية؛ لأن الاسم التقني الواحد قد يغطي علاقات تعاقدية ومالية متباينة.

3- القبض الإلكتروني

  • ويُعدُّ القبض من أهم المسائل المؤثرة في صحة كثير من المعاملات الرقمية؛ إذ يُراد به تمكين المشتري من حيازة المبيع والتصرف فيه. ولا تصح بعض العقود شرعًا إلا بتحقق القبض، ولا سيما في معاملات الصرف وبيع الذهب بالنقود. وقد نصَّ مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم: 53 (4/6) على أن القبض لا ينحصر في التسلُّم المباشر، بل يتحقق بكل وسيلة تُفضي إلى وضع المبيع تحت تصرف المشتري وتمكينه من الانتفاع به والتصرف فيه بحسب طبيعته والعرف الجاري.
وعدَّ المجمع القيد المصرفي لمبلغ في حساب العميل من صور القبض الحكمي، سواء تم الإيداع مباشرة أو بطريق الحوالة المصرفية، بشرط أن يكون القيد نافذا وأن يتمكن العميل من التصرف في المال، وبناء على ذلك، لا يكفي مجرد ظهور إشعار مبدئي بالرصيد إذا ظل المبلغ معلقا ولم يتمكن صاحبه من سحبه أو تحويله أو التصرف فيه. فظهور عبارة (قيد التنفيذ) لا يعني بالضرورة تحقق القبض الشرعي.

4- التجارة الإلكترونية

  • الأصل في التجارة الإلكترونية الجواز إذا كان المباع مباحا ومعلوما، والثمن واضحا، والبائع مالكا للسلعة أو مأذونا في بيعها، وقادرا على تسليمها، ويجوز أن تعمل المنصة بائعة، أو وكيلة، أو وسيطة، أو سمسارا مقابل عمولة معلومة، لكن يجب أن يتضح موقعها التعاقدي؛ حتى يعرف المستهلك الطرف المسؤول عن جودة السلعة، والتسليم، ورد الثمن عند الإخلال.
وتظهر المخالفات عند إخفاء العيوب، أو استخدام صور مضللة، أو تقديم تخفيضات وهمية، أو بيع سلعة لا يملكها البائع ولا يقدر على تسليمها، أو فرض رسوم وشروط لا تظهر إلا بعد إتمام الطلب، ويجب كذلك التمييز في التجارة دون مخزون بين الوساطة أو الوكالة المشروعة، وبين بيع الشخص السلعة بصفته أصيلًا قبل تملكها؛ فقيام المورد بالشحن مباشرة إلى العميل لا يصحح المعاملة تلقائيا، وإنما العبرة بطبيعة العقود بين البائع والعميل والمورد.

5- الأسهم و(الفوركس)

  • أتاحت تطبيقات التداول شراء الأسهم والعملات خلال ثوانٍ، لكن سرعة التنفيذ لا تعني أن جميع صور التداول متوافقة مع الشريعة؛ حيث قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم: 63 (7/1 ) جواز إنشاء الشركات المساهمة ذات الأغراض والأنشطة المشروعة، وبيّن أن السهم يمثل حصة شائعة في موجودات الشركة وحقوقها. كما منع شراء السهم بقرض ربوي، ومنع بيع السهم الذي لا يملكه البائع.
فالمستثمر الذي يشتري سهما حقيقيا ويصبح مالكا لحصة في الشركة يختلف عن متداول لا يتملك السهم، وإنما يراهن على ارتفاع سعره أو انخفاضه. كما يختلف الاستثمار في شركة مباحة النشاط عن شراء أسهم شركة يكون غرضها الأساسي محرما.
  • وفي سوق تداول العملات، بيّن المجمع في قراره رقم (102 (11/5)) أنه لا يجوز بيع العملات مع تأجيل تسليمها، كما لا يجوز الاتفاق الملزم على تبادلها في وقت لاحق. لذلك لا يمكن إصدار حكم واحد على جميع  أنواع التداول عبر المنصات؛ فشراء عملة حقيقية تدخل في حساب العميل ويستطيع استخدامها يختلف عن التداول بأموال يقترضها من الوسيط، أو عن الصفقات التي تُفرض عليها فوائد التبييت، وهي مبالغ إضافية تُحمَّل على العميل عند إبقاء الصفقة مفتوحة إلى اليوم التالي. كما أن إلغاء هذه الفوائد وحدها لا يجعل الحساب متوافقًا مع الشريعة؛ بل يجب أن تنتقل ملكية العملة فعلًا، وأن يتمكن المشتري من التصرف فيها، وألا تتضمن المعاملة قرضًا يحقق منفعة، أو رسومًا ربوية، أو بيع ما لا يملكه المتعامل، وألا تكون الصفقة مجرد مراهنة على فروق الأسعار.

6- الذهب الرقمي وعقود الفروقات

  • أصبح شراء الذهب عبر التطبيقات متاحًا اليوم؛ إذ يظهر للمستخدم رصيدٌ محددٌ بالجرامات، لكن سلامة المعاملة شرعًا لا تعتمد على الرقم المعروض وحده، وإنما تتطلب وجودَ ذهبٍ حقيقي، وانتقالَ ملكيته إلى المشتري، وتحقُّقَ قبضه؛ لذلك ينبغي التأكد من ملكية البائع للذهب، وتخصيصه للمشتري بوضوح، مع تمكينه من بيعه أو طلب تسلُّمه فعليًا في أي وقت.
أما المنصة التي لا تبيع ذهبًا حقيقيًا، وإنما تتيح المراهنة على تغير سعره، فلا تأخذ معاملتها حكم شراء الذهب لمجرد استعمال كلمة (ذهب)، وتظهر إشكالات مشابهة في عقود الفروقات، التي لا يتملك فيها المتداول الأصل غالبا، وإنما تجري تسوية الفرق بين سعر فتح المركز وسعر إغلاقه. فإذا اقتصرت المعاملة على تسوية فروق الأسعار دون تملك الأصل أو إمكان تسلمه، فإنها تثير إشكالات شرعية تتعلق بالغرر والميسر وبيع ما لا يملك، وقد تقترن كذلك بقرض ربوي أو رسوم تمويلية.
  • وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي عدم جواز عقود الخيارات بصورتها المتداولة في الأسواق المالية، كما منع التعامل في المؤشرات عندما تتحول قيمة المؤشر نفسها إلى محل للبيع والشراء والمراهنة، مع بقاء جواز استخدامها للقياس والتحليل.

7- التمويل الجماعي والصكوك الرقمية

  • تجمع منصات التمويل الجماعي الأموال من عدد كبير من المشاركين لتمويل مشروع، أو شركة، أو نشاط اجتماعي، لكنها قد تعمل وفق التبرع، أو القرض الحسن، أو المشاركة، أو المضاربة، أو المرابحة، أو القرض بفائدة.
فإذا شارك الممولون في مشروع حقيقي، وتقاسموا الأرباح وفق نسبة معلومة، وتحملوا الخسارة وفق أحكام الصيغة، أمكن أن تكون المعاملة مشاركة أو مضاربة مشروعة. ففي المشاركة تكون الخسارة بحسب حصص رأس المال، أما في المضاربة فتقع الخسارة المالية على رب المال، ما لم يتعدَّ المضارب أو يقصّر أو يخالف شروط العقد.
  • أما إذا دفع الممول المال بوصفه قرضا واشترط عائدا ثابتا أو زيادة مرتبطة بالمدة، فالعبرة بحقيقة القرض، ولو سميت الزيادة عائدا استثماريا. كما لا يجوز تقديم العائد المتوقع على أنه مضمون إذا كانت طبيعة العقد استثمارية.
وقد تستخدم تقنية سلسلة الكتل في إصدار الصكوك أو تسجيل الملكيات أو تحويل الأصول إلى رموز رقمية. لكن التقنية لا تمنح المنتج صفة الصك الشرعي تلقائيا، فالصك الرقمي يجب أن يمثل ملكية حقيقية في أصل أو منفعة أو مشروع أو نشاط وفق صيغة مشروعة، لا أن يكون سند دين بفائدة أعيد تقديمه في صورة رمز إلكتروني. أما ترميز الأصول، فيتطلب إثبات وجود الأصل وملكيته وسلطة الجهة المصدرة وطبيعة الحقوق الممنوحة لحامل الرمز وقابليتها للتداول شرعا وقانونا.

8- العملات المشفرة

         تقتضي الأمانة العلمية التوقف عند العملات المشفرة بدقة؛ لأن بعض الكتابات تنسب إلى مجمع الفقه الإسلامي الدولي حكما قاطعا لم يصدر عنه، ففي قراره رقم: 237 (24/8) الصادر عام 2019، ناقش المجمع العملات الرقمية المشفرة، وبيّن أن مسائل مؤثرة في الحكم ما تزال محل نظر، ومنها تحديد ما إذا كانت العملة المشفرة سلعة، أو منفعة، أو أصلًا ماليًا استثماريًا، أو أصلًا رقميًا، ومدى اعتبارها مالا متقوما شرعا.
  • وانتهى المجمع إلى التوصية بمزيد من البحث والدراسة بسبب المخاطر وعدم استقرار التعامل، ولم يصدر حكما عاما يبيح جميع العملات المشفرة أو يحرمها جميعا. وتتباين العملات والرموز الرقمية من حيث بنيتها ووظيفتها والحقوق المرتبطة بها، وهو ما يمنع جمعها كلها تحت حكم تفصيلي واحد دون دراسة كل حال على حدة.

9- العقود الذكية

  • العقد الذكي ترتيب تعاقدي مبرمج يُنفذ تلقائيا عند تحقق شروط محددة، وغالبا ما يعمل عبر شبكات سلسلة الكتل. وفي قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم: 230 (24/1) عرض مفهوم العقود الذكية، لكنه أجّل البت في حكمها التفصيلي إلى مزيد من الدراسة. ومن ثم لا يصح القول إن المجمع أجاز العقود الذكية بإطلاق أو منعها بإطلاق، كما إن التنفيذ الآلي لا يعفي من ضرورة صحة العقد، ومشروعية محله، ووضوح شروطه، وثبوت إرادة أطرافه، ووجود آليات لمعالجة الأخطاء البرمجية والنزاعات والظروف الطارئة. فالكود لا يحول العقد المحرم إلى عقد مشروع، ولا يمنع وقوع الظلم لمجرد أن التنفيذ تم آليا.

التكنولوجيا تتغير.. والميزان الشرعي ثابت

  • لا يكفي أن تكتب منصة على منتجها (إسلامي) أو (حلال) أو (من دون فوائد) حتى يصبح متوافقا مع الشريعة. فقد تخلو المعاملة من الفائدة الظاهرة، لكنها تشتمل على بيع ما لا يملك، أو عدم تحقق القبض، أو غرر فاحش، أو مراهنة على الأسعار دون تملك الأصل.
  • وقبل الدخول في أي معاملة رقمية، ينبغي التعرف إلى العقد الحقيقي، والجهة المقابلة، ومصدر الربح، وطبيعة الرسوم، وكيفية تحقق الملكية والقبض، ومدى قدرة العميل على سحب الأصل أو نقله أو التصرف فيه، فالاقتصاد الرقمي قادر على خفض تكلفة المعاملات، وتوسيع الشمول المالي، ودعم المشروعات الصغيرة، وتحسين التوثيق والشفافية. لكنه قد يتحول أيضا إلى مساحة لتسويق القروض الربوية، والمضاربات العنيفة، والمشروعات الوهمية والاحتيال المالي.
  • لقد غيّرت التكنولوجيا شكل السوق، وسرعة التعامل، وطريقة توثيق الحقوق، لكنها لم تغيّر الميزان الشرعي، فما كان ربا في الأوراق لا يصبح بيعا مشروعا على الشاشة، وما كان مقامرة لا يتحول إلى استثمار لمجرد وضع رسم بياني أمامه.
 

مجمع الفقه الإسلامي

        تأسس مجمع الفقه الإسلامي الدولي في شهر ربيع الأول عام 1401هـ (يناير 1981م)، بوصفه جهازًا علميا عالميا منبثقًا عن منظمة التعاون الإسلامي، ويضم في عضويته نخبة من الفقهاء والعلماء والمفكرين والمتخصصين في مختلف المجالات الشرعية والثقافية والعلمية والاقتصادية، يمثلون دول العالم الإسلامي، ويستهدف المجمع دراسة القضايا والنوازل المعاصرة، والاجتهاد فيها اجتهادًا جماعيا مؤصلًا، وصولًا إلى حلول وقرارات تنطلق من أصول الشريعة الإسلامية.  

معيار الحكم على المعاملات الرقمية

        التكنولوجيا قد تخدم الشمول المالي، وتخفض التكاليف، وتدعم المشروعات، وتحسن التوثيق والشفافية، لكنها قد تُستخدم أيضا لتغليف الربا والغرر والمقامرة في صور حديثة، ولذلك فإن المعيار الحاسم في الحكم على أي معاملة رقمية هو: وجود أصل حقيقي، وملكية واضحة، ومنفعة مشروعة، وقبض معتبر، ومخاطر اقتصادية حقيقية، ومصدر ربح مشروع. أما مجرد المراهنة على تغير الأرقام والأسعار من دون تملك أو نشاط اقتصادي حقيقي، فلا يتحول إلى استثمار مشروع بسبب استخدام التكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي والتمويل الرقمي

        أصبح الذكاء الاصطناعي أداة رئيسة في المؤسسات المالية لتحليل المخاطر، واكتشاف الاحتيال، وخدمة العملاء، وإدارة المحافظ، وتقييم طلبات التمويل. وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي أن الأصل في استخدامه الإباحة، بشرط مشروعية الغاية، وتحقيق المصالح، وحماية الحقوق، والالتزام بالشفافية والأمانة. ويقتضي ذلك منع استغلال الخوارزميات في التمييز أو التلاعب بالأسعار أو انتهاك الخصوصية أو تقديم توصيات مضللة، مع بقاء مسؤولية المؤسسة عن مخرجاتها. كما تسهم التقنية في تطوير إدارة الزكاة والوقف والصدقات، وخفض التكاليف وتحسين التوثيق، مع ضرورة الالتزام بالأحكام الشرعية، وإيصال الزكاة إلى مصارفها، واحترام شروط الواقفين، والإفصاح عن رسوم المنصات.  

حقيقة كل معاملة رقمية

         ويبقى السؤال الذي يكشف حقيقة كل معاملة رقمية: هل يوجد أصل حقيقي، وملكية واضحة، ومنفعة مشروعة، ومخاطر اقتصادية معتبرة، أم أن المتعامل لا يفعل أكثر من المراهنة على رقم يتحرك صعودا وهبوطا؟ وعند الإجابة عن هذا السؤال يتضح الفارق بين اقتصاد رقمي يستخدم التكنولوجيا لخدمة الإنسان وتنمية المال، وآخر يستخدمها لتغليف الربا والغرر والمقامرة في صورة حديثة براقة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك