رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: ذياب أبو سارة 27 يوليو، 2026 0 تعليق

همس القلم .. الفجوة بين القول والعمل !

من المعلوم أنه ليس كل من ظهر عليه سمت الالتزام كان صادقًا في التزامه الديني ؛ فالمظهر وحده لا يكفي للحكم على حقيقة الإنسان، ما لم يصدّقه قلب مستقيم، وخُلق كريم، ومعاملة أمينة؛ فالإسلام لا يطلب من المسلم صورة صالحة فحسب؛ بل يريد ظاهرًا وباطنًا، وعبادةً تُثمر أثرها في التعامل والسلوك. وقد ذمّ الله -تعالى- مخالفة القول للعمل فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}، وقال -سبحانه-: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}. والمقصود هو أن يتحول التدين إلى هيئة خارجية بعيدًا عن صيانة الجوهر الداخلي، وبالتالي تجده لا يتحلى بالصدق، ولا الأمانة، ولا بحسن الخلق؛ فقد يصلي المرء، ويظهر بمظهر الصالحين، لكنه في معاملاته يغضب كثيرًا، وهو ضعيف الوفاء، متهاون بحقوق الناس، وهذا خلل خطير؛ لأن العبادة الحقّة ينبغي أن تهذّب صاحبها، كما قال -تعالى-: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}. وإن مثل تلك الأمور قد تصل بالشخص الملتزم الى النفاق العملي الذي يُضعف الإيمان ويفسد السلوك، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، وفي رواية أخرى: «أربع من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».

  • ومن هنا يتبين أن الصدق، والأمانة، والوفاء، وحسن الخصومة ليست أخلاقًا جانبية؛ بل هي من صميم التدين؛ فمن الخطأ أن يتساهل الإنسان في الكذب، أو الظلم، أو أكل الحقوق، أو إيذاء الناس بلسانه وفعله وأن يعاني من أمراض القلوب كالحقد والضغينة والحسد والغدار والخيانة.. الخ.
  • ومن أبرز علامات الالتزام الأجوف: أداء العبادة بلا خشوع، والاشتغال بعيوب الآخرين مع الغفلة عن عيوب النفس، وهذه العلامات لا يجوز أن تكون بابًا للحكم على الناس، لكنها مرآة يفتش بها الإنسان عن نفسه.
وقد بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - الميزان الصحيح فقال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». والتدين الشكلي إذا شاع بين بعض الملتزمين فإنه يُضعف ثقة الناس، ويشوّه صورة الالتزام، ويجعل بعضهم يظن أن الدين مجرد مظهر وادعاء، مع أن الخلل ليس في الدِّين بل فيمن يحمل صورته ويترك حقيقته.
  • وعلاج هذا الداء يبدأ بالصدق مع الله، وتصحيح النّية، ومراقبة النفس في السرّ والعلن، وربط العبادة بأثرها الأخلاقي؛ كما يحتاج المسلم إلى محاسبة نفسه، وحفظ لسانه، وأداء الأمانات، والوفاء بالعهود، ومصاحبة الصالحين الذين يجمعون بين العبادة وحسن الخلق، وذلك مصداقًا لقوله -تعالى-: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}؛ فالالتزام الحقيقي لا بد أن يبنى على الإخلاص والاستقامة، وليس المقصود أن يكون الإنسان معصومًا من الخطأ، بل العبرة في صدق الرجوع، وسرعة التوبة والإنابة، والحرص على إصلاح الباطن.
  • وخلاصة الأمر: أن الالتزام الأجوف لدى البعض إنما هو فجوة بين الادعاء والسلوك، أما الإيمان الصادق فهو عبادة تزكي القلب، وخُلق يصدّق اللسان، ومعاملة تشهد لصاحبها قبل أن يتكلم عن نفسه.
  • ولايدخل في ذلك من عزم على عمل ثم عجز عنه لسبب خارج عن إرادته، وإنما الذم على التعمد والتناقض بين القول والعمل.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك