محاضرات منتدى تراث الرمضاني السادس .. ( المحاضرة 4 ) ترسيخ العقيدة والقيم ودورهما في بناء الهوية الإيمانية
- إذا أرادت الأمة النهوض الحقيقي فلابد أن تبدأ بإصلاح الأسرة وترسيخ العقيدة الصحيحة فيها وربطها بالقيم الربانية والشريعة الإسلامية
- إذا صلحت الأسرة صلح المجتمع وإذا قويت العقيدة واستقرت القيم نشأ الجيل المؤمن القادر على حمل الرسالة والثبات على الحق
- حثّت الشريعة الغراء على الزواج وجعلته سنة الأنبياء حفاظًا على بقاء النوع الإنساني وصيانة للنسل وعمارة للأرض وتحقيقًا للعبودية لله تعالى
- العبادات مدارس للتزكية والمعاملات منهج للحياة والأخلاق ثمرة الإيمان والأحكام الشرعية ضمان لحفظ الحقوق ومنع الظلم والبغي
- العقيدة الصحيحة هي الأساس الأول لبناء الأسرة المؤمنة فهي التي تمنح الثبات والصبر والبذل والتضحية والقدرة على مقاومة الباطل وأساليبه
- الباطل يتربص بالأسرة المسلمة ويسعى لصرفها عن واجباتها ورسالتها لإهدار طاقاتها وإمكاناتها فيما لا ينفع
الأسرة هي واسطة العقد بين الفرد وبين المجتمع والأوطان والأمة، وهي في الحقيقة تمثل القلب النابض في معركة الحق والباطل؛ لأن الباطل يدرك تمام الإدراك أن الأسرة هي المنبع الرئيس لتخريج اللبنات الصالحة، والكوادر المؤمنة، والأجيال التي تمثل مستقبل الأمة القريب؛ ولذلك يحرص الباطل على اختراق الأسرة المسلمة، والعمل على إبعادها عن دينها وقيمها ورسالتها، حتى لا تؤدي دورها العظيم على أكمل وجه، مستخدمًا في ذلك شتى الوسائل والأساليب؛ عبر الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، ومن خلال الإغراء، وتصدير الهزيمة النفسية، وبث الإحباط واليأس، مع التخويف والترهيب، وهي الأساليب ذاتها التي لم تتغير وإن تغيّرت صورها وأدواتها عبر العصور والأزمان؛ ومن هنا أولت الشريعة الإسلامية الأسرة عناية عظيمة، وجعلتها من أهم مقومات بناء الأمة واستقرارها.
الزواج بداية المشروع الإيماني
لقد حثّت الشريعة الغراء على الزواج، وجعلته سنة الأنبياء، حفاظًا على بقاء النوع الإنساني، وصيانة للنسل، وعمارة للأرض، وتحقيقًا للعبودية لله -تعالى-، مع العمل على توريث المنهج الحق للأجيال حتى تحيا به البشرية؛ ولذلك رغّبت الشريعة في الزواج، ووضعت له الضوابط التي تؤدي إلى تكوين الأسرة المثالية القادرة على أداء رسالتها العظيمة، والتي إذا التزمت بهذه الضوابط استطاعت أن تخرّج اللبنات الصالحة التي تسهم في نهضة الأمة وعودتها إلى عزها ومجدها. ولذلك حدّدت الشريعة من هو الزوج الصالح، ومن هي الزوجة الصالحة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تُنكح المرأة لأربع... فاظفر بذات الدين تربت يداك» فتخيّلوا كيف يُؤسَّس بيتٌ يجتمع فيه تقيٌّ مع تقية، يمثلان هذا الدين عقيدة وشريعة ومنهج حياة. ثم بيّنت الشريعة أن الزواج ليس علاقة عابرة، بل هو مشروع العمر، وأن الأسرة الناشئة بحاجة إلى تعلّم فقه إدارة الأسرة، ومعرفة الحقوق والواجبات، حتى تقوم الحياة على العدل والرحمة والتكامل.المسؤولية المشتركة بين الزوجين
لقد جعلت الشريعة القوامة للرجل بما تتضمنه من النفقة والرعاية وتحمل المسؤولية، وأعلمته أنه سيُسأل عن هذه الأسرة: حفظ أم ضيّع؟ فهو راعٍ في بيته ومسؤول عن رعيته. وفي المقابل جعلت للمرأة دور الرعاية والاحتضان والتربية، فهي راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها: حفظت أم ضيّعت؟ وهكذا كانت المسؤولية مشتركة بين الزوجين، وأُمرا معًا بالتعاون لإنجاح هذه المهمة العظيمة. وبيّنت الشريعة ضرورة أن تقوم العلاقة الزوجية على المحبة والمودة، والبر والإحسان، والرفق واللين، والتغافل أحيانًا؛ لأن الحياة لا تستقيم بغير ذلك. كما ألزمت الزوجين بتهيئة الأجواء الإيمانية داخل البيت؛ ليكون بيتًا تسوده السكينة والطمأنينة، بعيدًا عن الصخب والضجيج، والسباب واللعن والشتم، بل يكون بيتًا يُسمع فيه: قال الله، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال السلف الصالح.الأسرة مدرسة الأمة وحصنها الحصين
ثم بيّنت الشريعة أن هذه الأسرة التي جُمعت بميثاق غليظ ليست مجرد علاقة اجتماعية، بل هي أمانة عظيمة، وثروة من أعظم ثروات الأمة، بل هي مدرسة من أهم مدارسها على طريق العودة إلى سابق عزها ومجدها. بل إن بعض أهل العلم يرى أن الأسرة هي الجامعة الحقيقية، وهي الحصن الحصين الذي تُحفظ فيه قضية توريث المنهج للأجيال القادمة.الأبناء أمانة ومسؤولية
كما أكدت الشريعة أن الذرية نعمة من نعم الله -تعالى-، وأمانة عظيمة في أعناق الوالدين؛ لأنها جزء من ثروات الأمة التي يجب الحفاظ عليها وتربيتها وفق منهج الله -تعالى-؛ ولذلك كان إهمال تربية الأبناء خيانة عظيمة، ليس للأبناء وحدهم، بل للأسرة والمجتمع والوطن والأمة بأسرها؛ لأن هذا الملف من أخطر الملفات وأشدها أثرًا. ولقد عانت الأمة طويلًا من الفوضى والعشوائية في إدارة الأسر؛ حيث انشغل كثير من الآباء بجمع المال، وتوفير مظاهر الحياة وفق العادات والتقاليد، وتركوا الأصل العظيم في دورهم التربوي، وهو إعداد الأبناء ليكونوا نماذج صالحة تحمل الخير لأمتها وتسهم في إخراجها مما تعانيه من أزمات؛ ولذلك حذّرت الشريعة من الإهمال والسلبية واللامبالاة، حتى لو كان ذلك بحجة تأمين المستقبل المادي؛ لأن ذلك لا يسوغ التفريط في أمانة الأبناء.
استهداف الأسرة المسلمة
كما حذّرت الشريعة من تربص الباطل بالأسرة المسلمة، وسعيه لصرفها عن واجباتها ورسالتها، حتى تنشغل بالدنيا وتغفل عن الآخرة، فتُهدر الطاقات والإمكانات والأوقات فيما لا ينفع؛ ولذلك امتلأت الأجواء بالشهوات، والأهواء، والشبهات، وأنواع الفساد والانحلال تحت شعارات الحرية، حتى ضعفت قدرة الأسرة على تخريج اللبنات الصالحة كما كانت في العهد الأول.- ومن هنا نقول: ما تأخرت الأمة إلا حين أهملت الأسرة دورها الأساسي في إعداد الأجيال الصالحة؛ ولذلك أصبحت الأسرة هدفًا رئيسًا للباطل؛ لأنه يريد إغلاق المنبع الذي يمد الأمة بالأجيال المؤمنة التي تحفظ المنهج وتورّثه حتى يأتي وعد الله بالنصر والتمكين.
ترسيخ العقيدة والقيم
ومن هنا جاء الحديث عن (ترسيخ العقيدة والقيم ودورهما في بناء الهوية الإيمانية)، وهو عنوان في غاية الأهمية؛ لأن نهضة الأمة لا يمكن أن تتحقق إلا بإصلاح الأسرة، وإعادة بنائها على أسس العقيدة الصحيحة والقيم الراسخة.التوبة الصادقة بداية الإصلاح
وأول ما نحتاج إليه في هذا الطريق: توبة صادقة نصوح، نعترف فيها بتقصيرنا وسلبيتنا وفوضويتنا في إدارة هذا الملف العظيم؛ فالتوبة الصادقة ترفع عنا أثقال الماضي، وتفتح لنا باب العودة إلى الله -تعالى-، وباب الأمل في إصلاح أنفسنا وأسرنا وأمتنا.العودة إلى الدين سبيل النجاة
ثم إن الحل الأمثل والأسرع والأضمن يكمن في الرجوع إلى الدين، رجوعًا قائمًا على التعظيم والمحبة والانقياد الكامل، بعيدًا عن الخضوع للعادات والتقاليد والأهواء والغفلة؛ فالرجوع الحقيقي يبدأ بحب هذا الدين من أعماق القلوب، أكثر من حب النفس والمال والدنيا كلها، ثم بالدخول الكامل في الإسلام كما أمر الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}، كما يقتضي ذلك تعلّم العلم الشرعي، وبناء الأسرة علميا وإيمانيا، حتى تُحسن تطبيق الدين، والدعوة إليه، والدفاع عنه، والحذر من تقديم الشهوات والعادات على شرع الله -تعالى-؛ لأن الله -سبحانه- هو الأعلم بما يصلح عباده، وهو الذي قال: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.الشريعة مصدر القيم العظيمة
ثم إن الشريعة الإسلامية بأصولها العظيمة من عبادات، ومعاملات، وأخلاق، وأحكام، إنما جاءت لبناء الإنسان والأسرة والمجتمع، فالعبادات مدارس للتزكية، والمعاملات منهج للحياة، والأخلاق ثمرة الإيمان، والأحكام الشرعية ضمان لحفظ الحقوق ومنع الظلم والبغي، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يولي الأخلاق عناية عظيمة، ويجعل حسن الخلق من أكمل خصال الإيمان؛ لأن الأسرة الخلوقة أسرة مؤثرة، قادرة على صناعة الأجيال الصالحة، وإحياء القيم النبيلة في المجتمع.البدء بإصلاح الأسرة
وخلاصة الأمر: أن الأمة إذا أرادت النهوض الحقيقي، فلابد أن تبدأ بإصلاح الأسرة، وترسيخ العقيدة الصحيحة فيها، وربطها بالقيم الربانية والشريعة الإسلامية، فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، وإذا قويت العقيدة واستقرت القيم، نشأ الجيل المؤمن القادر على حمل الرسالة والثبات على الحق، وعادت الأمة إلى طريق عزتها وتمكينها بإذن الله -تعالى-.العقيدة الصحيحة أساس البناء
العقيدة الصحيحة هي الأساس الأول لبناء الأسرة المؤمنة؛ فهي التي تمنح الثبات، والصبر، والبذل، والتضحية، والقدرة على مقاومة الباطل وأساليبه، وإذا استقرت العقيدة الصحيحة في قلوب أفراد الأسرة، وأُديرت الأسرة على أساسها، تحولت إلى قوة إيمانية هائلة قادرة على صناعة الثبات والممانعة والمقاومة أمام تيارات الانحراف، كما أن من المهم أن تتعلم الأسرة العقائد المنحرفة والفرق الضالة والتيارات الهدامة؛ حتى تستطيع حماية نفسها وأبنائها من الاختراق الفكري والعقدي، وتتعرف على الباطل لتجتنبه وتحذر منه.أركان الإيمان وصناعة الأسرة المثالية
ثم جاء الحديث عن أركان الإيمان الستة، وكيف أن فهمها الفهم الصحيح يصنع الأسرة المثالية بحق؛ فالإيمان بالله يولّد الطمأنينة والثبات، والإيمان بأسمائه وصفاته يورث المراقبة والخشية، والإيمان بالملائكة يبعث على الحياء والانضباط، والإيمان بالكتب يربط الأسرة بالقرآن ومنهجه، والإيمان بالرسل يرسّخ الاتباع والطاعة، والإيمان باليوم الآخر يغرس المحاسبة والاستعداد، والإيمان بالقضاء والقدر يمنح الرضا والسكينة والثبات عند الابتلاء، وحين تتحرك هذه المعاني في القلوب تتحول العقيدة إلى طاقة إيمانية عظيمة، تدفع الإنسان إلى الالتزام بالشريعة، والعمل بالقيم، والثبات على الحق مهما اشتدت الفتن والتحديات.
لاتوجد تعليقات