رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. ناظم المسباح 27 يوليو، 2026 0 تعليق

سلسلة الأخلاق الإسلامية – المعاتبة الحسنة.. أدبٌ يحفظ المودة ويصلح الخطأ (1-٢)

  • تضمن القرآن الكريم نماذج من العتاب الرباني الذي يجمع بين بيان الصواب وحفظ مقام المخاطَب
  • المعاتبة الصادقة ليست خصومة ولا تشهيرًا ولا محاكمةً يقصد بها تسجيل الأخطاء والانتصار للنفس
  • التغافل عن بعض الهفوات ليس ضعفًا ولا عجزًا بل قد يكون دليلًا على نضج العقل وكرم النفس
  • تكون المعاتبة محمودة إذا تعلقت بأمر يمس الدين أو الخلق أو الحقوق وكانت مصلحة البيان راجحة
 

تتعرض العلاقات الإنسانية -مهما بلغت قوتها وصفاؤها- لهفواتٍ عارضة ومواقف تترك في النفوس شيئًا من الألم أو الكدر؛ فالإنسان مجبول على النقص، ولا يكاد يسلم من تقصير في حق قريب، أو كلمة تؤذي صديقًا، أو تصرف يُساء فهمه، وهنا تظهر قيمة المعاتبة الحسنة؛ فهي سبيل إلى تصحيح الخطأ، وتنقية الصدر، وحماية المودة من أن تفسدها الظنون أو يهدمها الجفاء.

       والمعاتبة الصادقة ليست خصومة، ولا تشهيرًا، ولا محاكمةً يقصد بها تسجيل الأخطاء والانتصار للنفس؛ وإنما هي رسالة محبة تقول للمخطئ: مكانتك باقية، ولكن هذا التصرف آلمني، ولهذا قيل: «معاتبة الأخ خير من فقده»؛ إذ لا يعاتب المرء غالبًا إلا من يرجو بقاء مودته، ويعز عليه أن تنقطع صلته به.

حقيقة المعاتبة

       المعاتبة مأخوذة من العَتْب، وهو أن يجد الإنسان في نفسه على غيره بسبب أمر صدر منه. ويقال: استعتبه؛ أي طلب منه أن يرجع عن إساءته ويسترضيه. أما العُتبى فهي الرضا وإزالة ما في النفس من غضب أو كدر، وفي معناها الأخلاقي، المعاتبة هي مخاطبة الإنسان أخاه أو صاحبه بشأن ما وقع منه من تقصير، بقصد بيان الخطأ، وإصلاح العلاقة، وإعادة الصفاء بينهما. وهي بهذا المعنى تختلف عن التوبيخ الجارح؛ لأن التوبيخ قد يراد به التأنيب والعقوبة، أما المعاتبة المحمودة فمبناها على الإشفاق، وغايتها الاستصلاح، ولسانها الرفق، والإنصاف.

العتاب في القرآن الكريم

       جاء ذكر الاستعتاب في القرآن الكريم في سياق بيان انتهاء زمن العمل عند حلول الآخرة، قال -تعالى-: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} (النحل :84)، أي لا يُطلب منهم يومئذ أن يسترضوا ربهم أو يرجعوا عن إساءتهم؛ لأن الآخرة دار جزاء، وقد انقضى زمن التوبة والعمل. وفي ذلك تنبيه إلى أن باب الرجوع مفتوح في الدنيا، وأن العاقل يبادر إلى إصلاح خطئه قبل أن يفوته زمن الاعتذار والاستدراك. وتضمن القرآن الكريم نماذج من العتاب الرباني الذي يجمع بين بيان الصواب وحفظ مقام المخاطَب، ومن ألطف ذلك قول الله -تعالى- لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} (التوبة :43)، فقد بدأ الخطاب بالعفو قبل بيان موضع العتاب، وفي ذلك أدب رفيع: أن تُطمئن نفس من تعاتبه، وتحفظ له فضله ومكانته، ثم تبين له ما وقع فيه من خطأ. ومن العتاب القرآني قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التحريم :1) فختمت الآية بالمغفرة والرحمة، ليبقى باب الرجاء مفتوحًا مع بيان ما هو أولى وأكمل، وفي قصة موسى والخضر -عليهما السلام- جاء العتاب في سياق التعليم والتذكير بالشرط المتقدم: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} (الكهف :75)، كما عاتب الله -تعالى- المؤمنين على مخالفة أفعالهم لأقوالهم، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُون مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف)، وتدل هذه الآيات على أن العتاب المشروع يراد به التربية وتصحيح المسار، وأنه يكون بقدر الخطأ، من غير ظلم أو تعدٍّ أو انتقاص لكرامة الإنسان.

من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في المعاتبة

       قدمت السنة النبوية أرفع النماذج في معالجة الأخطاء؛ فقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين صيانة الحق والرفق بالمخطئ، وبين وضوح البيان وحفظ المقامات، فعندما أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجالًا وترك آخرين، بلغه أن الذين تركهم عتبوا، فخطب الناس وبيّن لهم الحكمة من تصرفه؛ وأنه يعطي بعض الأقوام لما يرى في قلوبهم من الجزع، ويكل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير. وكان ممن أثنى عليهم عمرو بن تغلب - رضي الله عنه -، فقال بعد أن سمع ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمر النعم!»، فلم يقابل النبي - صلى الله عليه وسلم - العتاب بالغضب أو الهجر، وإنما أوضح الحكمة، وطيّب النفوس، وذكّر أهل الإيمان بما لهم من منزلة.

خطاب مملوء بالحب والوفاء

        وظهر هذا الأدب جليًّا عقب غزوة حنين، حين وجد بعض الأنصار في نفوسهم من قسمة الغنائم، فجمعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وخاطبهم خطابًا مملوءًا بالحب والوفاء، وذكّرهم بفضل الله عليهم، ثم قال لهم: أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ متفق عليه بمعناه، فبكى الأنصار، وزال ما في نفوسهم، وعاد الصفاء، لقد لمست كلمات النبي - صلى الله عليه وسلم - أصل المشكلة، لكنها لم تتهمهم بالجحود، ولم تنس فضلهم وسابقتهم؛ بل أعادت إلى نفوسهم الشعور بمكانتهم، فكان العتاب سببًا لمزيد من المحبة. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغه خطأ لا تدعو الحاجة إلى تسمية صاحبه قال: «ما بال أقوام...»، فينكر الفعل ويستر الفاعل. وعن أنس - رضي الله عنه - قال: «لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحشًا، ولا لعانًا، ولا سبابًا، وكان يقول عند المعتبة: ما له، ترب جبينه»، ومن رقة توجيهه - صلى الله عليه وسلم - قوله في عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: «نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل»، فبدأ بالثناء، ثم ذكر ما يدعوه إلى الكمال، فتحول العتاب إلى تشجيع يحفظ الكرامة ويبعث الهمة.

متى تكون المعاتبة محمودة؟

        تكون المعاتبة محمودة إذا تعلقت بأمر يمس الدين أو الخلق أو الحقوق، أو كان السكوت عنه يهدد صفاء العلاقة، وكانت مصلحة البيان راجحة، أما الهفوات الصغيرة، والأخطاء غير المقصودة، وما يمكن تجاوزه من غير ضرر، فالتغافل عنه أولى، فليس من الحكمة أن يحصي الإنسان على أهله وأصحابه كل كلمة أو تصرف؛ فالمبالغة في التدقيق ترهق العلاقات، وكثرة العتاب تذهب بأثره وتورث النفور. وقد قال الماوردي رحمه الله: «إن كثرة العتاب سبب للقطيعة، وإطراح جميعه دليل على قلة الاكتراث بأمر الصديق»، فلا إفراط يجعل الحياة سلسلة من اللوم، ولا تفريط يترك الخطأ حتى يستفحل؛ وإنما توسط يضع كل موقف في موضعه، وقد أحسن الشاعر حين قال:

إذا كنتَ في كل الأمور معاتبًا

                                     صديقَك لم تلقَ الذي لا تعاتبه

فش وحيدا أو صل آخاك فإنه

                                     مقارف ذنب مرة ومجانبه

وإن أنت لم تشرب مرارًا على القذى

                                     ظمئتَ، وأيُّ الناس تصفو مشاربه؟

والتغافل عن بعض الهفوات ليس ضعفًا ولا عجزًا، بل قد يكون دليلًا على نضج العقل وكرم النفس؛ فمن طلب صديقًا لا يخطئ بقي بلا صديق، ومن أراد استيفاء كل حقوقه خسر كثيرًا من موداته.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك