رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. ناظم المسباح 21 يوليو، 2026 0 تعليق

سلسلة الأخلاق الإسلامية .. الغيرة من دلائل الإيمان ومكارم الأخلاق (2-2)

  • الغَيْرة خُلُقٌ محمود إذا انضبط بالشرع والناس فيه بين مُفرِّطٍ أضاع الحرمات ومُفرِطٍ تجاوز الحدود وخيرُهم أهلُ الاعتدال
  • إذا انعدمت الغيرة ضعفت الحميةّ للدّين والعِرض وساد التساهل في المنكرات والرضا بها
  • الغيرة المفرطة تجاوزٌ للحد الشرعي وتقوم على سوء الظن وتتبع العورات والشكوك حتى تَفسد العلاقات ويتزعزع استقرار البيوت
 

ما زال حديثُنا متواصلًا عن خُلُق الغيرة، ذلك الخُلُق العظيم الذي جعله الله -تعالى- من الغرائز الفطرية التي تُقيم مصالح الإنسان، وتحفظ كرامته، وتصون حرماته من الابتذال والضياع، فهو من دلائل الإيمان، ومكارم الأخلاق، وسياجٌ نفسيٌّ وعقديٌّ يحمي الأعراض، ويصون الحرمات، وقد تناولنا في المقال السابق مفهوم الغيرة في الإسلام، وأقسامها، ومسؤولية الأسرة في غرسها، وضوابطها بين الإفراط والتفريط، كما بيَّنا معنى غيرة الله -تعالى-، وغيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكمال تعظيمه لحرمات الله، وأبرز صور غيرته - صلى الله عليه وسلم -، ونستكمل اليوم ما بدأناه من الحديث عن هذا الخلق الجليل.

أحوال أهل الغيرة بين طرفين ووسط

       الغيرة خُلُقٌ محمود إذا ضُبط بحدود الشرع، غير إن الناس تجاه الحدود قد تفاوتوا؛ فمنهم من فرَّط حتى ضاعت الحرمات، ومنهم من غلا حتى ظلم وتجاوز، وخير الهدي الاعتدال؛ فالغيرة المحمودة هي التي يقودها العلم، ويضبطها الشرع، وتحكمها الحكمة.

أولا: الغيرة المفرطة (الغيرة في غير ريبة)

       وهي غيرة خارجة عن الحدّ الشرعي، وتقوم على سوء الظن، وتتبع العورات، والتوهم بلا قرائن، حتى تتحول إلى وساوس دائمة وضيق خانق يفسد العلاقات ويقلب البيوت إلى ساحة اضطراب، وهذه الغيرة ليست من الهدي الشرعي؛ لأنها تصادم مقصد السكن والمودة، وتنتج آثاراً عكسية على النفس والأسرة. وقد نبّه السلف إلى خطر هذا المسلك، فروي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - أنه قال: «لا تُكْثِرِ الْغَيْرَةَ عَلَى أَهْلِكَ فَتُرَامَى بِالسُّوءِ مِنْ أَجْلِكَ»، كما قرر أهل العلم أن الإفراط في الغيرة يفتح باب الوسوسة ويؤدي إلى تضييق غير مسوغ، ما يدفع إلى التمرد أو الإخفاء، فيفسد ما أراد صاحبه حمايته.

ثانيا: الغيرة المنعدمة (موت الحمية والدياثة)

       وهي سقوط الغيرة بالكلية، حتى يضعف الإحساس بالغيرة على الحرمات ويزول أثر الحمية على العرض والدين، فيقع التساهل في المنكرات والرضا بها، وهذه حال انحراف خطيرة، تدل على ضعف الإيمان وفساد المروءة، وقد بيّن ابن القيم -رحمه الله- هذا المعنى بقوله: «إن الذنوب تطفئ من القلب نار الغيرة التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة البدن؛ فالغيرة حرارة القلب وناره التي تخرج ما فيه من الخبث... وإذا خلت النفس من الغيرة، خلت من الدين»، فزوال الغيرة علامة على خلل في أصل الحياة الإيمانية، لا مجرد ضعف في الخلق.

ثالثا: الغيرة المعتدلة (الغيرة على بصيرة)

       وهي الغيرة المحمودة التي تجمع بين الحزم والحكمة، وتقوم على بصيرة وتمييز بين الريبة الحقيقية والظن الفاسد، فهي غيرة منضبطة بالشرع، تحفظ الحرمات دون تجسس، وتمنع الفساد دون ظلم أو تضييق، وهذه المرتبة هي غيرة أهل الاستقامة، الذين يجعلون الغيرة وسيلة للحفظ والصيانة لا أداة للشك والاتهام، فإذا ظهرت قرينة معتبرة غاروا وحذروا، وإذا انتفت عاشوا بثقة وعدل، فاستقامت بهم البيوت واستقرّت بهم العلاقات. وفي هذا المعنى قال معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -: «ثلاث من خصال السؤدد: الصفح، واندماج البطن، وترك الإفراط في الغيرة»، إشارة إلى أن الغيرة إذا اعتدلت صارت خلقاً راقياً، وإذا تجاوزت حدّها انقلبت إلى سبب اضطراب لا إلى سبب إصلاح.

آفات العصر ومظاهر انتكاس الفطرة (التبرّج والتبذل)

يعيش المجتمع المعاصر هجمة شرسة على الفطرة الإنسانية، تحاول تذويب خلق الغيرة تحت مسميات التحرر والانفتاح والثقة العمياء، ومِن أشد مظاهر انتكاس الغيرة في هذا العصر:
  • الرضا بتبرج النساء وسفورهن: وخروجهن إلى المجامع العامة والأسواق بملابس تخدش الحياء، دون نكير من قيم أو من زوج أو أب.
  • المخالفات الرقمية: والمتمثلة في قيام بعض الرجال بعرض صور محارمهم وزوجاتهم على منصات التواصل الاجتماعي التماساً لـلإعجابات والمتابعات، وهي صورة حديثة وبشعة من صور موت الغيرة وقبول الخبث في الأهل.
  • التساهل في الاختلاط المذموم: في مواطن العمل والتعليم والزيارات العائلية، ما يرفع الكلفة، ويهتك هيبة الرجل ووقار المرأة، ويهيئ الأسباب لفساد القلوب ونشوء العلاقات المحرمة.
إن التهاون في هذه المظاهر هو أول خطوة نحو تبلد القلب، وموت الحميّة، فإذا ماتت الغيرة في رجال الأمة، تبرجت نساؤها، وإذا تبرجت النساء ضاعت الأجيال وسقط المجتمع الأخلاقي.

إِذَا قَلَّ مَاءُ الوَجْهِ قَلَّ حَيَاؤُهُ

                                     وَلَا خَيْرَ فِي وَجْهٍ إِذَا قَلَّ مَاءُهُ

تَسِيرُ بِهِمْ نَحْوَ المَعَالِي حَمِيَّةٌ

                                   وَتَحْرُسُهُمْ عِنْدَ الحُرُوبِ ذَكَاءُهُ.

توصيات لتربية النفس على خُلق الغَيْرة

  • تعظيم محارم الله في القلوب، فبقدر تعظيم العبد لربه تكون غيرته على حدوده.
  • غرس الحياء في النفوس منذ الصغر، وتربية الأبناء على صيانة العرض والمروءة.
  • الابتعاد عن بيئات التبذل وما يضعف الحياء ويطفئ حرارة الغيرة.
  • قيام الرجال بالقوامة الشرعية على وجهها الصحيح، حمايةً ورعايةً وتوجيهاً.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك