خواطر الكلمة الطيبة – الاعتكاف .. من سُنَّةٍ مهجورة إلى شعيرةٍ ظاهرة
- الاعتكاف سنّة نبوية مؤكدة حافظ عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - واعتكف أصحابه وأمهات المؤمنين من بعده ما يدل على استمرارية مشروعيتها
- بدأ إحياء سُنَّة الاعتكاف في الكويت بصورة واضحة في أواخر السبعينيات على أيدي عدد من الدعاة وطلبة العلم وفي مقدمتهم الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله-
- تحولت سُنّة الاعتكاف بفضل الله ثم بجهود الدعاة إلى شعيرة ظاهرة حتى أصبحت الجهات الرسمية في الكويت تنظم الاعتكاف وتشرف عليه
الاعتكاف عبادةٌ ضاربةٌ في عمق التاريخ، فإذا أردنا أن نتحدث عن الاعتكاف، فلا ينبغي أن نبدأ من واقعنا المعاصر؛ بل نرجع إلى جذوره الأولى، إلى ما يزيد على ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة، حين قال الله -تعالى مخاطبًا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام-: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة: 125)؛ فقد أوحى الله إلى إبراهيم وإسماعيل أن يطهّرا البيت الحرام، والطهارة هنا تشمل أمرين عظيمين: تطهيره من الشرك والكفر والوثنية، وتطهيره من النجاسات والأقذار.
ثم بيّن -سبحانه- أن هذا البيت المبارك قد أُعِدَّ لعبادات مخصوصة، منها: الطواف والاعتكاف والصلاة، ما يدل على عظم شأن الاعتكاف، وأنه عبادة قديمة عرفتها الشرائع السابقة، وأكدها الله في زمن إبراهيم -عليه السلام- عند بناء الكعبة.الاعتكاف في شريعة الإسلام
وجاء الإسلام ليجدد هذه السُنَّة ويبين أحكامها بيانًا كاملًا، فقال -تعالى- في آيات الصيام: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (البقرة: 18)، ثم جاءت السنة النبوية التطبيق العملي لهذه العبادة، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، واعتكف أصحابه، ثم اعتكفت أمهات المؤمنين من بعده، فأصبح الاعتكاف سنةً ثابتةً متوارثة بين المسلمين، إلا أن هذه السنة، كغيرها من السنن، أصابها في بعض الأزمنة شيء من الضعف والغربة.الاعتكاف في الكويت
ولو انتقلنا من عهد إبراهيم -عليه السلام- إلى واقع الكويت قبل عقود، لوجدنا صورة مختلفة؛ فقد سألنا عددًا من كبار السن عن الاعتكاف في مساجد الكويت القديمة، كمساجد شرق والمرقاب وجبلة، فلم يكن لدى كثير منهم تصور واضح عن هذه العبادة، ولم تكن ظاهرة الاعتكاف معروفة بين عامة الناس. ويرجع ذلك إلى طبيعة الحياة آنذاك؛ إذ كان الناس منشغلين بطلب الرزق، ويعانون شظف العيش وقلة ذات اليد، فلم يكن يعتكف غالبًا إلا إمام المسجد أو مؤذنه أو من تفرغ للعبادة، أما عامة الناس فلم يكن الاعتكاف منتشرًا بينهم.إحياء السنة في أواخر السبعينيات
ومع أواخر السبعينيات بدأت هذه السُنَّة المباركة تعود إلى الحياة شيئًا فشيئًا، وقد ذكر الشيخ ناظم سلطان المسباح -حفظه الله-، أن كثيرًا من السُنَن التي أظهرها السلفيون في الكويت كان للشيخ عبدالله السبت -رحمه الله- فضل كبير في الدعوة إليها ودعمها، وكان الاعتكاف من أبرز تلك السنن، ويقول الشيخ: إنه لا يملك تاريخًا محددًا لبداية الاعتكاف، إلا أنه كان في أواخر السبعينيات محدودًا جدا، وكان الناس يستغربون من يعتكف، ويتساءلون في دهشة: كيف يترك الإنسان بيته وأهله ليقيم في المسجد عشرة أيام كاملة؟ذكريات البدايات والصعوبات
ومن الذكريات التي تُروى في هذا الباب، أن أول اعتكاف كان عام 1981م مع شباب الفيحاء في مسجد الخالدية، الذي كان الشيخ عبدالله السبت يلقي فيه دروسه، ثم انتقل المعتكفون بعد ذلك إلى مسجد المشاري الذي كانت تقام فيه دروس الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق -رحمه الله-، وفي تلك الفترة لم يكن الاعتكاف أمرًا مألوفًا، بل كان يواجه بالاستنكار والاعتراض، ففي بعض المساجد، ومنها مسجد الإمام أحمد بن حنبل، كان بعض الناس ينكر على الشباب اعتكافهم، ويقولون: لماذا تنامون في المسجد؟ ولماذا توسخونه؟ بل إن بعض المساجد كانت تمنع الاعتكاف تمامًا، ولا تسمح به إلا في نطاق ضيق جدا.مشروع ترعاه الدولة
لكن هذه الصعوبات لم تمنع المخلصين من مواصلة إحياء هذه السنة، ومع مرور السنوات، انتشر الاعتكاف في مساجد الكويت، حتى تحول من مبادرة شبابية محدودة إلى شعيرة معروفة، ثم أصبح يحظى بتنظيم رسمي من الجهات المختصة؛ فأصبحت المساجد المخصصة للاعتكاف تُعلن رسميا، وتوضع لها الجداول والتنظيمات، وهكذا انتقل الاعتكاف من سنة تؤدى على استحياء إلى عبادة ظاهرة يشارك فيها الشباب وعامة الناس، في صورة مشرقة تعكس إحياء سنة من سنن النبي - صلى الله عليه وسلم -.الجهود العلمية في خدمة الاعتكاف
ولم يقتصر إحياء الاعتكاف على الجانب العملي، بل صاحبه جهد علمي مبارك، فكان من أوائل من كتب في أحكام الاعتكاف الإمام محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- ضمن رسالته قيام رمضان، ثم أفرد الشيخ حاي الحاي -حفظه الله- رسالة مستقلة في الاعتكاف عام 1988م، قبل الغزو العراقي للكويت، فأسهمت في نشر فقه الاعتكاف وتعريف الناس بأحكامه وآدابه.ثمرة الصبر وإحياء السنن
إن ما نراه اليوم من انتشار الاعتكاف في مساجد الكويت، وما يصاحبه من تنظيم رسمي وإقبال واسع، هو ثمرة سنوات من الدعوة والصبر والاحتساب، فأولئك الذين تحملوا استغراب الناس، وصبروا على الأذى، وأحيوا هذه السنة بعدما كادت تندثر، يدخلون -بإذن الله- في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، وما أجمل أن يرى الإنسان ثمرة عمله بعد سنوات، حين تتحول السنة المهجورة إلى شعيرة ظاهرة، يؤديها الآلاف في بيوت الله، على الهدي الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -!نموذج عملي لإحياء السُنَن
إن قصة الاعتكاف في الكويت تمثل نموذجًا عمليًا لكيفية إحياء السنن؛ إذ انتقلت من عبادة شبه مجهولة عند عامة الناس إلى شعيرة ظاهرة ترعاها الدولة ويشارك فيها الآلاف، بفضل الله ثم بجهود العلماء والدعاة الذين صبروا حتى عادت السنة إلى مكانتها في المجتمع.
لاتوجد تعليقات