خلق الجنة والنار
- الذي يظهر من نصوص الكتاب والسنة أن الجنة والنار خلقتا قبل خلق آدم وبعد خلق السماوات والأرض وبعد خلق الملائكة. وذلك لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «لما خلق الله الجنة قال لجبريل -عليه السلام-: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، ثم جاء فقال: أي رب، وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفها الله -عز وجل- بالمكاره، ثم قال: يا جبريل، اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي ربّ، وعزتك لقد خشيت ألا يدخلها أحد، قال: فلما خلق الله النار قال: يا جبريل، اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: أي رب، وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها الله -عز وجل- بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها فقال: أي ربّ، وعزتك لقد خشيت ألا يبقى أحد إلا دخلها» (صحيح الترمذي)، كان هذا جوابا عن سؤال أحد الحضور بعد أن انتهينا من بيان بداية الخلق في اجتماع الأربعاء، عند ديوان (أبي عبدالرحمن)، تابع محاضرنا كلامه. وعقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار موجودتان الآن، والجنة بما فيها من نعيم وملائكة وحُور عِين وخازن الجنة، ولم يثبت حديث بتسميته (رضوان)، ولكنه ثابت في الآثار ولم ينكره العلماء، وكذلك النار والعياذ بالله موجودة بما فيها من عذاب ودركات، وخازنها (مالك) ثابت في كتاب الله: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ} (الزخرف:77). - والجنة والنار ورد وصفهما في آيات كثيرة من كتاب الله وكذلك في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فنؤمن بكل ما ورد، دون أدنى شك وأنهما تكلما مع الله -عز وجل- كما في الحديث المتفق عليه: «عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تحاجّت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغِرتهم، قال الله -تعالى- للجنة: إنما أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله، تقول: قط قط قط، فهنالك تمتلأ ويزوي بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحدًا وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقه» (متفق عليه). بدأ بعض الحضور بالانصراف، بينما دعا صاحب المكان بعد أن أنهى الحوار، للعشاء في الغرفة المجاورة. حرصت أن أكون بجانب محاضرنا على مائدة العشاء. - هل لي أن أطمع بأخذ الورقات التي كنت تلقي منها محاضرتك، أعتقد أن فيها الكثير مما لم تذكر. ابتسم الشيخ، وهو يناولني الأوراق التي بيده. - نعم، كثير من النقاط تجاوزتها خشية الإطالة. شكرته، استأذنت صاحب الديوان أن أغادر، في المركبة جلست وصاحبي نقلب الأوراق التي كتب الشيخ فيها محاضرته. عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار؛ فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (متفق عليه ) وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم، لقد رأيتموني أردت أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني جعلت أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني تأخّرت، ورأيت فيها ابن لحيّ وهو الذي سيّب السوائب».(صحيح ابن ماجه). عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا؛ فأذن لها بنَفَسَيَن: نَفَس في الشتاء، و نَفَس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر و أشد ما تجدون من الزمهرير» (صحيح الجامع). وعن عائشة أم المؤمنين قالت: «تُوفّي صبي، فقلتُ طُوبَى له عصفور من عصافير الجنة! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار؛ فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً» (مسلم). وقالت طائفة: إن الجنة لم تخلق بعد، واستدلوا بأحاديث أولوها وفق عقولهم! فالجواب: إنكم إن أردتم بقولكم: إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور وقيام الناس من القبور، فهذا باطل يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يزال الله يحدث فيها شيئا بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند دخولهم أمورا أخر، فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر. وأما احتجاجكم بقوله -تعالى-: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}، فأثبتم سوء فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن، نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما ! فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام؛ فمن كلامهم أن المراد «كل شيء» مما كتب الله عليه الفناء والهلاك «هالك»، والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء، وكذلك العرش، فإنه سقف الجنة..
لاتوجد تعليقات