الموقف الشرعي من غزو الكويت عام 1990
- كشفت الأزمة أهمية الاجتهاد الجماعي لبيان الموقف الشرعي في النوازل السياسية والعسكرية والإنسانية
- أدى العلماء دورًا مهما في بيان حُرمة غزو الكويت وتجريد العدوان من الشعارات التي استُخدمت لتسويغه
- واجه العلماء الحرب النفسية بالدعوة إلى التثبت والتحذير من الشائعات ورد الأخبار إلى مصادرها الموثوقة
- لم يقتصر دور المساجد خلال الاحتلال على إقامة الشعائر الدينية فحسب بل كان لها دور إيماني واجتماعي وتعليمي
- أسهم العلماء في حماية المجتمع من الانقسام وتعزيز الالتفاف حول الشرعية الكويتية
- أظهرت مسألة الاستعانة بالقوات الأجنبية أن بعض النوازل تتعدد فيها الاجتهادات تبعًا لاختلاف تصوير الواقع وتقدير المصالح والمفاسد
- كان موقف الشيخ عبدالعزيز ابن باز من أكثر المواقف توثيقًا ووضوحًا في إدانة العدوان وتأييد رفع الظلم عن الكويت
- ما زالت هناك حاجة إلى مشروع كويتي متكامل يوثق بالتسجيل والوثائق والشهادات دور العلماء والأئمة والدعاة والمساجد أثناء الاحتلال
- أسهم الخطاب الشرعي في تثبيت المجتمع الكويتي ورفع معنوياته وربط الصبر بالعمل والأخذ بالأسباب
في أوقات الشدائد والفتن تختلط الأصوات، وتكثر الشائعات، وتلتبس الحقائق، فلا يهتدي الناس إلا بنور العلم، ولا يستقيم لهم ميزان إلا بهدي الشريعة، وهنا يتجلى دور العلماء الربانيين؛ ورثة الأنبياء، وحملة الوحي، وحُرَّاس الشريعة، الذين لا يقتصر دورهم على بيان الأحكام، بل يصنعون الوعي، ويثبتون القلوب، ويوحدون الصفوف، ويكشفون الشبهات، ويربطون الأمَّة بربها في أحلك الظروف وأشد المحن، وقد كانت محنة غزو الكويت شاهدًا ناطقًا على هذه الحقيقة؛ إذ برز العلماء مناراتٍ للهداية، وألسنةً للحق، وحصونًا للوعي، وسدًّا منيعًا في وجه التضليل والاضطراب، ويأتي هذا الملف ليؤكد أن الأمَّة التي تلوذ بعلمائها عند اشتداد الفتن، وترد النوازل إلى أهل العلم والبصيرة، تكون أثبت على الحق، وأرشد في الموقف، وأقدر على تجاوز المحن، وأحفظ لدينها، وأصون لأوطانها، وأبصر بمستقبل أجيالها.
أولا: منزلة العلماء في حياة الأمة
- العلماء ليسوا في عزلة عن المجتمع، ولا يقتصر دورهم على بيان الأحكام الفردية، بل هم ورثة الأنبياء، وحملة الشريعة، وأمناء البيان، والمرجع الذي تُرد إليه النوازل عند اشتباه الأمور واختلاط المواقف، ولهذا أمر الله تعالى بالرجوع إليهم، فقال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43)، وقال سبحانه: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (النساء: 83)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم»، ومن هنا كانت منزلة العلماء عظيمة، ولا سيما في أوقات الأزمات والفتن؛ إذ بهم يُعرف الحق، وتُكشف الشبهات، وتُضبط المواقف بميزان الشريعة.
ثانيًا: الحاجة إلى العلماء وقت الأزمات
تشتد الحاجة إلى العلماء في المحن والأزمات؛ لأنهم الأمناء على بيان الشرع، والأقدر على توجيه الناس عند اضطراب الأحوال. ومن أبرز أسباب ذلك:- أن الأزمات تخلط بين الحق والباطل؛ فتكثر الشائعات، وتتضارب الروايات، ويصعب على عامة الناس التمييز بين الحقيقة والدعاية.
- لأن النوازل تحتاج إلى اجتهاد شرعي؛ فالأحداث الاستثنائية تثير مسائل جديدة لا يُعرف حكمها إلا بالرجوع إلى العلماء الراسخين.
- لأن العلماء يثبتون الناس ويزرعون الطمأنينة؛ فيذكرونهم بوعد الله، ويغرسون معاني الصبر واليقين، ويمنعون اليأس والهلع.
- لأنهم يضبطون المواقف بميزان الشريعة؛ فيفرقون بين الشجاعة والتهور، والحكمة والضعف، والمداراة المشروعة والتنازل عن الحق.
- لأنهم يحفظون وحدة الأمة؛ فيحذرون من الفرقة والاقتتال، ويدعون إلى الاجتماع على الحق ونبذ أسباب الفتنة.
- لأنهم يكشفون الشبهات ويفندون التضليل؛ فلا يتركون المجال لأهل الأهواء والإعلام الموجَّه لتزييف الحقائق أو استغلال مشاعر الناس.
- لأنهم يوجهون الناس إلى الواجب الشرعي؛ فيبينون ما يجب فعله وما يجب تركه، وفق مقاصد الشريعة ومصالح الأمة.
- لأنهم يربطون الأحداث بالإيمان والسنن الإلهية؛ فلا ينظرون إلى الأزمات بمنظار السياسة وحدها، بل يذكرون الناس بالتوبة، والرجوع إلى الله، والأخذ بالأسباب المشروعة.
ثالثًا: دور العلماء في مواجهة غزو الكويت
غزو الكويت كان أزمةً كبرى فرضت على العلماء مسؤوليةً شرعيةً وتاريخيةً في توجيه الأمة وبيان الحق، ففي تلك المحنة تصدّى العلماء لبيان الحكم الشرعي للعدوان، وتثبيت الناس، ودحض الشبهات، والإجابة عن النوازل التي أفرزتها ظروف الاحتلال والحرب، وقد أسهمت مواقفهم في حفظ الوعي، وتعزيز وحدة الصف، وترسيخ الثقة بأحكام الشريعة في مواجهة واحدة من أخطر الأزمات التي شهدتها المنطقة. وتجلى موقفهم في أمور عدة أهمها ما يلي:
1- بيان الحكم الشرعي للعدوان
- كان أول واجب اضطلع به العلماء تسمية الأشياء بأسمائها، وبيان أن ما وقع على الكويت عدوان محرم لا يجوز تسويغه؛ فالاحتلال لم يكن خلافًا اجتهاديًا بين دولتين، وإنما تضمن جملة من المحرمات الظاهرة: (الاعتداء على دولة مستقلة، وسفك الدماء المعصومة، وترويع الآمنين، ونهب الأموال العامة والخاصة، ونقض العهود والمواثيق، وتهجير السكان، واستخدام القوة لإلغاء سيادة بلد مسلم)، وقد أدان الشيخ عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله-، اجتياح الكويت بعبارات صريحة، ووصفه بأنه ظلم وعدوان وفتنة ومحنة، وأكد حق الكويت في رفع الظلم عنها وعودة شرعيتها، كما ناقش عددًا من المسائل التي أثارتها الأزمة، ومنها حكم قتال المعتدي، والاستعانة بقوات غير مسلمة لدفع خطره، بناءً على تقدير الضرورة والمصلحة والقدرة على صد العدوان.

2- تثبيت الناس وربطهم بالله
في أوقات الاحتلال لا يعيش الناس الخوف على حياتهم فقط؛ بل يخشون على مستقبل أبنائهم، وأموالهم، وبلادهم، وهويتهم، وقد يتسلل إليهم الشعور بأن الظلم أقوى من الحق، وهنا يؤدي العلماء دورهم في إعادة بناء اليقين،وإنما بتذكير الناس بسنن الله: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 139)، وقال -تعالى-: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} (يوسف: 87). وقد أسهمت الخطب والمواعظ واللقاءات الدينية في تذكير الناس بأن الاحتلال مهما طال فهو حال طارئة، وأن الظلم لا يملك أسباب البقاء الدائم، وأن واجب المؤمن أن يجمع بين التوكل والعمل، وبين الدعاء والأخذ بالأسباب، والتثبيت هنا لا يعني إنكار الألم أو التقليل من حجم الخطر، وإنما يعني منع الخوف من التحول إلى شلل، ومنع الحزن من التحول إلى يأس.3- المحافظة على وحدة المجتمع
واجه المجتمع الكويتي الغزو بدرجة عالية من التماسك، والتفاف الناس حول شرعيتهم وقيادتهم، وتعاونهم في توفير الاحتياجات الأساسية، وإدارة شؤون المناطق، ودعم المقاومة، ورعاية الأسر المتضررة، وكان للخطاب الشرعي أثر في تأكيد أن وحدة الصف في أوقات العدوان ضرورة دينية ووطنية، وأن الخلافات السياسية والاجتماعية والمذهبية والقبلية ينبغي ألا تتحول إلى ثغرات ينفذ منها المحتل.
4-مواجهة الشائعات والحرب النفسية
كان من أخطر أسلحة الاحتلال نشر الأكاذيب، وإشاعة أن الأمر قد انتهى، وأن عودة الكويت أصبحت مستحيلة، وأن العالم تخلى عنها، أو أن مقاومة الاحتلال لا فائدة منها، وفي مثل هذه البيئة يصبح نقل كل خبر مساهمة غير مقصودة في الحرب النفسية، فكان من وظائف العلماء والخطباء والدعاة تحذير الناس من ترديد الأخبار التي لا يعرف مصدرها، ومن الاستجابة لدعاية المحتل، ومن تحويل المجالس واللقاءات إلى ساحات لبث الرعب والإحباط، وهذا الدور أكثر أهمية في عصرنا؛ لأن الإشاعة التي كانت تحتاج أيامًا حتى تنتشر أصبحت تصل إلى ملايين الناس خلال دقائق.
5- الإجابة عن النوازل الشرعية
في هذه الظروف الصعبة التي مرت بها الكويت برزت مسألة الاستعانة بالقوات الأجنبية لتحرير الكويت، وكانت من أعقد المسائل التي دار حولها النقاش الشرعي، وقد أجازها كبار العلماء باعتبارها ضرورة لدفع عدوان قائم لا تملك دول المنطقة وحدها في ذلك الظرف القدرة الكافية على دفعه، ورغم ما أبداه بعضهم من اعتراض على ذلك إلا أن النتائج اللاحقة للأزمة أثبتت صحة توجه كبار العلماء.6- استمرار المساجد في أداء رسالتها
لم تكن المساجد في أثناء الاحتلال أماكن للصلاة فحسب؛ بل ظلت في مناطق متعددة نقاطًا للتواصل، والتثبيت، والتعليم، والتكافل، وتبادل الأخبار الموثوقة، وتقديم المساعدات، وتفيد شهادات منشورة لبعض من عاصروا الغزو أن عددًا من المساجد استمر فيه الأذان والصلاة والخطابة بحسب الإمكان، وأن بعض من لم يكن يتولى الخطابة عادة قام بها عند غياب الخطباء أو تعذر وصولهم، ولا سيما بعد مغادرة الوافدين بأعداد كبيرة إلى بلادهم، وفي بعض المساجد أقيمت صلاة القيام جماعة وفيها الدعاء على الظالمين، أما منبر الجمعة فقد استمر في أغلب المساجد على مدى 30 صلاة وخطبة أغلبها كانت لتثبيت الناس ورفع معنوياتهم، وهذه الحال بينت أن المسجد بقي حاضرًا في حياة المجتمع رغم صعوبة الظروف، وأن استمرار الشعائر كان في ذاته إعلانًا عن بقاء الهوية ورفض الخضوع الكامل لسلطة الاحتلال،
- وكان اجتماع الناس في المساجد يحقق مقاصد عدة أهمها: تقوية الصلة بالله، والاطمئنان على أهل الحي، ومعرفة احتياجات الفقراء والمرضى، وتعزيز الروح الجماعية، ومنع العزلة والخوف، وتوجيه الناس إلى السلوك الصحيح، وفي المقابل قام المحتل باعتقال بعض المشايخ وأئمة المساجد والتضييق عليهم بل وقتلهم. وقد كان يوم الجمعة 22/2/1991م ؛ حيث تم أخذ أعداد كبيرة من المصلين المدنيين بعد صلاة الجمعة لاستعمالهم دروعا بشرية، وقد تم أسرهم في سجون العراق، وبلغ عددهم أكثر من 600 أسير، وهذا عدد كبير نسبيا إذا قورن بعدد سكان الكويت وقتها وقد تم تصفية جميع الأسرى على فترات حتى سقوط نظام صدام عام 2003م.
7- رعاية المواطنين والوافدين
أثناء احتلال الكويت كان لابد من التكاتف لمساعدة المواطنين والوافدين في تأمين الحياة المعيشية اللازمة؛ فتصدى لذلك الجمعيات الخيرية ولجان الزكاة والصدقات في المناطق بهمة ونشاط وتضحية وبالتعاون مع الجمعيات التعاونية. وتكونت اللجان الشعبية في المناطق لمساعدة الناس بالمعونات المادية والغذائية وتوزيعها على الأسر، وتوفير الخدمات الأساسية والضرورات الحياتية، كما شكلت فرق حراسة لضمان الأمن في المناطق، كما قامت مجموعة من الأطباء -وبالتنسيق مع اللجان- بزيارات منزلية للأهالي المحتاجين لعناية طبية، وشارك في ذلك بعض الأطباء من الوافدين. كما شاركت بالأعمال الطارئة كتوصيل الدواء للمرضى ونقل الجثامين للمقابر، والصلاة عليها ودفنها، كما شاركت قدر المستطاع في المقاومة الكويتية.
8- جهود خارج الكويت
أما خارج الكويت فشارك ممثلون عن الجمعيات الخيرية في مساعدة الناس وتنظيم جهودهم، وحشد الرأي العام لصالح الكويت من خلال التعبير بالرأي أو المشاركة في الوفود الشعبية للدول المختلفة والمشاركة في تنظيم المؤتمرات واللقاءات، وأيضا المشاركة في المؤتمر الشعبي الكويتي بجدة الذي عبر عن أهمية التكاتف مع الشرعية وتوحيد الصفوف أمام المجتمع الدولي من أجل تحرير الكويت.رابعا: التعريف بعدالة القضية الكويتية
لم يقتصر دور العلماء على الداخل الكويتي؛ بل شارك علماء ومفكرون ومؤسسات إسلامية في العالم في إدانة العدوان، وبيان حرمة احتلال الكويت، والدعوة إلى عودة الشرعية، وقد جمعت بعض المؤلفات الصادرة في ذلك الوقت فتاوى علماء وآراءهم من أنحاء العالم الإسلامي بشأن الغزو وآثاره، وهو ما يدل على أن القضية لم تكن قضية سياسية محلية فحسب، بل نازلة استنفرت الخطاب الشرعي الإسلامي. ومن أبرز هذه المؤلفات كتاب: «فتاوى وآراء علماء العالم الإسلامي في الغزو العراقي للكويت وآثاره المدمرة»، الصادر سنة 1990م، وقد ساعدت هذه المواقف في عدد من النتائج أهمها: تفنيد الدعاية التي حاولت تصوير العدوان باعتباره مشروعًا وحدويًا، وتأكيد أن الوحدة لا تُبنى بالقهر والاحتلال، وتوضيح أن نصرة الكويت ليست عصبية وطنية، وإنما نصرة للمظلوم، وتعبئة الرأي العام الإسلامي ضد العدوان، ودعم حق الكويت في التحرير واستعادة السيادة.خامسًا: موقف الشيخ عبدالعزيز ابن باز نموذجًا
يعد موقف سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز - رحمه الله- من أكثر المواقف العلمية وضوحًا وتوثيقًا في احتلال العراق للكويت، وقد قام موقفه على جملة من الأسس:- توصيف الغزو بأنه ظلم وعدوان: لم يتردد الشيخ -رحمه الله- في إعلان أن اجتياح الكويت عدوان محرم، وأن الكويت دولة مظلومة يجب رفع الظلم عنها، وهذا الوضوح كان مهما في وقت حاولت فيه الدعاية السياسية خلط الأوراق وربط الغزو بشعارات قومية أو مطالب تاريخية.
- الدعوة إلى وحدة الصف: أكد الشيخ ضرورة اجتماع المسلمين على دفع المعتدي، وعدم تمكين الخلافات من إضعاف موقفهم.
- جواز الاستعانة بغير المسلمين عند الضرورة: رأى الشيخ أن دول الخليج كانت أمام خطر عسكري كبير، وأنها لم تكن قادرة في ذلك الوقت على دفعه بقواتها منفردة، فأجاز الاستعانة بقوات دول أخرى لإزالة العدوان، بناءً على الضرورة والمصلحة ودفع المفسدة الأكبر.
- التحذير من التشويش على الناس: لم تكن المعركة عنده عسكرية فقط، بل حذر من الأشرطة والخطابات التي تحدث تشويشًا في فهم حقيقة الأزمة، أو تصرف الأنظار عن أصل العدوان، أو تجعل المعتدي والمعتدى عليه في منزلة واحدة.

سادسًا: دروس مستفادة من تجربة الغزو
- الدين مصدر قوة في الشدائد: حين تتعطل أسباب كثيرة، يبقى الإيمان بالله مصدرًا للثبات والمعنى والأمل. وقد ساعد التدين المتوازن المجتمع على تحمل الخوف والفقد، وتحويل المعاناة إلى صبر وعمل وتكافل.
- وضوح الموقف يحمي الوعي: كان من أهم أدوار العلماء تأكيد أن العدوان لا يصبح مشروعًا بالشعارات، وأن احتلال بلد مسلم لا يمكن تسويغه بدعوى الوحدة أو التحرير، أو بادعاء المظلومية!
- المجتمع المتماسك أقوى من الاحتلال: لم يتمكن المحتل من إلغاء الكويت في نفوس أبنائها؛ لأن الهوية لم تكن مجرد مؤسسات ومبانٍ، بل كانت انتماءً راسخًا ووحدة مجتمعية وشرعية ثابتة.
- المسجد مؤسسة صمود: عندما يستمر المسجد في أداء رسالته وقت الخوف، فإنه يحفظ الدين، ويجمع الناس، ويرعى المحتاجين، ويمنع المجتمع من التفكك.
- العلماء جزء من إدارة الأزمة: للعلماء والدعاة دور مهم وكبير في كل أزمة تقع في المجتمع، وإنما ينبغي أن يكونوا جزءًا من الاستعداد المجتمعي، والتوعية، وبناء الخطاب، ومواجهة الشائعات، ومساعدة الناس على فقه الأزمات.
- الحاجة إلى توثيق الذاكرة الدينية للغزو: كثير من الجهود الدعوية والعلمية والخيرية التي وقعت داخل الكويت أثناء الاحتلال ما زالت موزعة في شهادات شخصية، وتسجيلات، ووثائق، وذكريات لم تجمع بصورة علمية شاملة.
صوت الحق عندما تختلط الأصوات
أثبتت تجربة غزو الكويت أن العالِم الرّباني لايعيش بعيدًا عن آلام الناس، ولا صاحب كلمات تقال في أوقات السلم فحسب؛ بل هو صوت الحق عندما تختلط الأصوات، ومصدر الثبات عندما تضطرب القلوب، وميزان الشرع عندما تندفع العواطف، وجسر يصل بين النصوص والواقع، فقد كان العلماء جزءًا من جبهة مواجهة العدوان؛ فبيّنوا حرمته، ودافعوا عن حق الكويت في دفع الظالم ومحاربته، وثبتوا الناس، وحذروا من الشائعات، ودعوا إلى وحدة الصف، وأجابوا عن النوازل، وربطوا المجتمع بالله، وأسهموا في حماية الوعي من أن تسلبه دعاية المحتل، وكان مكمّلًا للجهود المبذولة من الحكومات الرسمية وموجهًا للإنسان الذي يحمل عبء هذه المسؤوليات كلها، ويبقى أعظم درس من تلك المحنة أن الحق يحتاج إلى رجال يبيّنونه، ومجتمع يحمله، وعلماء يثبتون عليه، وأن الكلمة الصادقة قد تحفظ أمة، وأن الفتوى المبصرة قد تمنع فتنة، وأن العالم الذي يعيش هموم الناس ويقرأ واقعهم ويهديهم بنور الوحي هو من أعظم أسباب الأمن الفكري والاجتماعي في أوقات الشدائد.
لاتوجد تعليقات